التحول في العقيدة الأمنية الجزائرية: التدخل العسكري في النيجر وإعادة تشكيل النفوذ في منطقة الساحل

تقارير وملفات - Foresight

يمثل قرار الجزائر نشر عناصر من قواتها الجوية في النيجر لدعم المجلس العسكري الحاكم تطورًا لافتًا في سياستها الأمنية والخارجية، لا سيما في ظل تمسكها التاريخي بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج الحدود، وتفضيلها الحلول الدبلوماسية والسياسية في إدارة الأزمات الإقليمية. ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على طبيعة الدعم العسكري المقدم إلى نيامي، بل تمتد إلى ما تكشف عنه من تحولات محتملة في إدراك الجزائر لمصادر التهديد المحيطة بها، وفي تصورها لدورها الإقليمي في منطقة الساحل الإفريقي.

ففي أعقاب التمرد الذي نفذته مجموعة من الجنود النيجريين في 29 أغسطس، أرسلت الجزائر أربع مقاتلات من طراز «سوخوي سو-30» وطائرة للتزود بالوقود جوًا إلى القاعدة الجوية رقم 101 في نيامي، وهي إحدى أهم المنشآت العسكرية في النيجر، وتقع بالقرب من مطارها الدولي. وجاء ذلك بعد إرسال أربع مروحيات جزائرية إلى البلاد في وقت سابق من الشهر نفسه. ووفقًا للتقرير، مثّل هذا الانتشار أول تحرك عسكري جزائري خارج الحدود منذ عام 1973.

وتكتسب هذه الخطوة دلالتها من تزامنها مع تصاعد التحديات الأمنية في منطقة الساحل، واتساع نشاط الجماعات المسلحة، وتراجع الاستقرار السياسي في عدد من دول المنطقة، فضلًا عن تنامي أهمية النيجر في الحسابات الاستراتيجية الجزائرية، سواء من منظور أمن الحدود أو المصالح الاقتصادية ومشروعات البنية التحتية العابرة للصحراء.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل دوافع التحرك الجزائري، وحدود التحول الذي قد يعكسه في العقيدة الأمنية للبلاد، وانعكاساته المحتملة على التوازنات الإقليمية في الساحل، مع التركيز على العلاقة بين أمن النيجر والأمن القومي الجزائري، وأهمية الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، وطبيعة الدور الذي تطمح الجزائر إلى ممارسته في بيئة إقليمية متغيرة.

تنبع أهمية التحرك الجزائري من كونه يتجاوز أشكال التعاون الأمني التقليدي، ليعكس استعدادًا أكبر لاستخدام الأدوات العسكرية في دعم الاستقرار الإقليمي. فإرسال مقاتلات وطائرة للتزود بالوقود جوًا، إلى جانب المروحيات التي سبق نشرها، يشير إلى أن الخطوة لم تكن مجرد تعبير سياسي عن التضامن مع السلطات النيجريّة، بل حملت أبعادًا عملياتية تتعلق بتعزيز القدرات الجوية والدعم اللوجستي.

ويكتسب هذا التحرك أهمية إضافية بالنظر إلى تاريخ السياسة الجزائرية، التي اتسمت بالحذر إزاء التدخل العسكري خارج الحدود. ولذلك، فإن نشر قوات أو أصول عسكرية في دولة مجاورة يمثل تطورًا يستحق القراءة في ضوء التحولات التي تشهدها البيئة الأمنية المحيطة بالجزائر.

وفي هذا السياق، يرى المحلل الجزائري أكرم خريف أن الدعم المقدم إلى النيجر قد يعكس طموحًا أوسع يتمثل في بناء عمق استراتيجي جنوب الصحراء، وهو توجه لم تكن الجزائر مستعدة، حتى وقت قريب، إلى ترجمته إلى حضور عسكري خارج أراضيها. وتكمن أهمية هذا التفسير في أنه يربط بين التحرك العسكري وبين مراجعة محتملة للمفهوم الجزائري للأمن القومي، بحيث لا يقتصر على حماية الحدود الوطنية، بل يمتد إلى التأثير في الظروف الأمنية المحيطة بها.

كما أن سرعة الاستجابة الجزائرية تحمل دلالة سياسية وأمنية واضحة. فوفقًا لخريف، يعكس التحرك إدراكًا لدى صانعي القرار في الجزائر بأن التطورات في نيامي يمكن أن تتحول سريعًا إلى مسألة تمس الأمن القومي الجزائري. ويشير ذلك إلى تزايد الترابط بين الاستقرار الداخلي في دول الساحل وبين حسابات الأمن الوطني الجزائري.

ومع ذلك، لا يكفي هذا الانتشار وحده للقول إن الجزائر تخلت بصورة كاملة عن نهجها التقليدي أو تبنت استراتيجية تدخل عسكري دائم خارج حدودها. فهناك فرق بين نشر قدرات عسكرية بصورة محددة لدعم حكومة مجاورة، وبين إقامة قواعد دائمة أو الانخراط في عمليات قتالية واسعة النطاق. ومن ثم، فإن الخطوة قد تمثل تحولًا تدريجيًا في أدوات السياسة الجزائرية أكثر مما تمثل انقلابًا شاملًا في عقيدتها الأمنية.

تتصل دوافع التحرك الجزائري بصورة مباشرة بتدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل، حيث تواجه دول النيجر ومالي وبوركينا فاسو تهديدات متزايدة من جماعات مسلحة، أبرزها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل.

وقد واجهت الدول الثلاث، التي تشكل معًا تحالف دول الساحل، تحديات متراكمة خلال السنوات الماضية نتيجة تصاعد النشاط المسلح، وضعف السيطرة على بعض المناطق الحدودية، وتكرار الاضطرابات السياسية والعسكرية. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة هشاشة المؤسسات الأمنية، وتوسيع المساحات التي تستطيع الجماعات المسلحة التحرك فيها.

وتكمن خطورة هذه البيئة بالنسبة إلى الجزائر في الطبيعة الجغرافية للحدود التي تربطها بدول المنطقة. فالجزائر تتشارك مع النيجر حدودًا يبلغ طولها نحو 951 كيلومترًا، كما تمتد حدودها مع مالي إلى نحو 1359 كيلومترًا. وتزيد هذه الامتدادات الحدودية من أهمية الاستقرار في الدول المجاورة، خصوصًا في المناطق التي تتسم بصعوبة التضاريس واتساع المساحات وضعف الوجود المؤسسي.

وفي مثل هذه البيئات، لا تبقى التهديدات الأمنية محصورة داخل الدولة التي تنشأ فيها، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى الدول المجاورة من خلال تحركات الجماعات المسلحة، والأنشطة غير المشروعة عبر الحدود، واحتمالات انتقال الاضطرابات السياسية والأمنية.

ومن هنا، يمكن فهم التحرك الجزائري بوصفه استجابة لإدراك متزايد بأن الاعتماد على حماية الحدود الوطنية وحدها قد لا يكون كافيًا لاحتواء التهديدات العابرة للحدود. فكلما تدهورت الأوضاع الأمنية في دول الجوار، ازدادت الضغوط على الجزائر لتعزيز التعاون مع السلطات المحلية، والمساهمة في منع تحول المناطق الحدودية إلى مصادر مستدامة للتهديد.

ويعكس هذا التصور انتقالًا محتملًا من مفهوم الأمن القائم على الدفاع الإقليمي المباشر إلى مقاربة أوسع تسعى إلى التأثير في البيئة الأمنية المحيطة. غير أن فاعلية هذه المقاربة ستظل مرتبطة بقدرة الجزائر على تحقيق التوازن بين دعم الاستقرار في الدول المجاورة وتجنب الانخراط في صراعات داخلية قد يصعب احتواؤها.

لا تقتصر أهمية النيجر بالنسبة إلى الجزائر على الاعتبارات الأمنية، بل ترتبط أيضًا بموقعها الجغرافي ودورها المحتمل في مشروعات اقتصادية إقليمية ذات أهمية استراتيجية. وفي مقدمة هذه المشروعات خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يُخطط لربط حقول النفط والغاز في منطقة دلتا النيجر النيجيرية بالساحل المتوسطي الجزائري، مرورًا بالأراضي النيجريّة.

ووفقًا للتقرير، يمتد المشروع لمسافة تتجاوز 4100 كيلومتر، وقد أُنجز نحو 2400 كيلومتر منه داخل الجزائر ونيجيريا، فيما يمر جزء كبير من المسافة المتبقية، المقدرة بنحو 1600 كيلومتر، عبر النيجر.

وتعني هذه المعطيات أن استكمال المشروع وتشغيله يرتبطان بدرجة كبيرة بالظروف الأمنية والسياسية في الأراضي النيجريّة. فمشروعات البنية التحتية العابرة للحدود لا تعتمد على التمويل والقدرات الفنية وحدهما، بل تحتاج أيضًا إلى بيئة مستقرة تتيح أعمال الإنشاء والصيانة والتشغيل، وتقلل مخاطر الاستهداف أو التعطيل.

أمن الطاقة ودوافع التحرك الجزائري

يمثل خط أنابيب الغاز العابر للصحراء أحد المشروعات التي يمكن أن تعزز مكانة الجزائر في شبكات الطاقة الإقليمية والدولية، من خلال ربط موارد الطاقة النيجيرية بالأسواق المتوسطية والأوروبية عبر الأراضي الجزائرية. ومن شأن تطوير هذا المسار، إذا اكتملت متطلباته الفنية والأمنية والتجارية، أن يفتح فرصًا إضافية للتعاون بين الدول المعنية، ويعزز الأهمية الاستراتيجية للبنية التحتية للطاقة في المنطقة.

لكن استمرار الاضطرابات في النيجر قد يرفع تكلفة تنفيذ المشروع، ويزيد المخاطر التي تواجه الاستثمارات المرتبطة به، فضلًا عن احتمال تأخير استكمال الأجزاء المتبقية منه. ولذلك، فإن استقرار النيجر لا يمثل بالنسبة إلى الجزائر مجرد هدف يرتبط بحسن الجوار، بل يرتبط كذلك بحماية المصالح الاقتصادية طويلة الأجل.

وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن الجزائر قد تنظر إلى استقرار النيجر باعتباره شرطًا أساسيًا لتأمين مصالحها الاستراتيجية في منطقة الساحل. ويمكن تفسير الدعم العسكري المقدم إلى نيامي، جزئيًا، في ضوء هذه العلاقة بين الأمن ومشروعات الطاقة.

ومع ذلك، ينبغي عدم افتراض أن مشروع خط الأنابيب يمثل الدافع الوحيد أو الحاسم للتحرك العسكري؛ فالمعلومات الواردة تشير إلى تداخل المصالح الأمنية والاقتصادية، دون أن تثبت أن حماية المشروع كانت الهدف المباشر المعلن للانتشار العسكري.

من خط الأنابيب إلى منظومة نقل عابرة للصحراء

تتجاوز الأهمية الاقتصادية للمشروع قطاع الطاقة، إذ يشير التقرير إلى إمكان ارتباطه بمنظومة أوسع للنقل والاتصالات، قد تشمل السكك الحديدية والطرق والبنية التحتية الرقمية. ومن شأن هذه المنظومة، إذا تحققت، أن تعزز الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة، وتدعم حركة التجارة والاستثمار عبر الصحراء.

لكن هذه الفرص تظل مشروطة بتوافر الاستقرار الأمني، واستمرار التعاون السياسي بين الدول المعنية، والقدرة على توفير التمويل اللازم. فغياب الأمن قد يؤدي إلى تعطيل المشروعات، ويضعف الثقة الاستثمارية، ويحد من قدرة الدول على تحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة اقتصادية مستدامة.

وعليه، فإن التحرك الجزائري يمكن قراءته ضمن تصور أوسع للأمن القومي، يربط بين حماية الحدود وتأمين البنية التحتية الاستراتيجية، ويعتبر الاستقرار الإقليمي شرطًا لتحقيق المصالح الاقتصادية طويلة المدى.

الانتشار العسكري الجزائري في النيجر يشير إلى احتمال حدوث تحول في طبيعة الأدوات التي تستخدمها الجزائر لتحقيق أهداف سياستها الخارجية. فبعد أن اعتمدت تقليديًا بدرجة كبيرة على الدبلوماسية والوساطة والحلول السياسية، يبدو أنها أصبحت أكثر استعدادًا للجمع بين الأدوات الدبلوماسية والأمنية عندما ترى أن الظروف الإقليمية تستدعي ذلك.

وقد ظهر هذا التوجه في حضور اللواء الجزائري رشيد شبلوي مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا مع مسؤولين نيجريين في 30 أغسطس، عقب وصول الطائرات والأطقم الداعمة إلى النيجر. وحمل هذا الظهور دلالة على رغبة الجزائر في إظهار دعمها للسلطات النيجريّة بصورة علنية، بدلًا من حصر التعاون في قنوات عسكرية غير معلنة.

وفي هذا السياق، يرى ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، أن الجزائر تتجه نحو سياسة خارجية أكثر براغماتية، تكون فيها مستعدة للاضطلاع بدور أمني وعسكري، وليس دبلوماسيًا فحسب، لتحقيق أهدافها في بيئة تتغير بسرعة.

وتشير هذه القراءة إلى أن الجزائر قد تكون بصدد إعادة تقييم الأدوات المناسبة للتعامل مع أزمات الساحل. فالدبلوماسية تظل ضرورية لإدارة الخلافات وتجنب التصعيد، لكنها قد لا تكون كافية وحدها عندما تتزايد التهديدات المسلحة، أو تصبح قدرة الحكومات المجاورة على السيطرة على أراضيها موضع شك.

ومع ذلك، فإن تبني مقاربة أكثر براغماتية لا يعني بالضرورة التخلي عن الدبلوماسية، بل قد يعكس توجهًا نحو توظيف الأدوات المختلفة بصورة متكاملة. فقد تسعى الجزائر إلى استخدام الدعم العسكري المحدود لتعزيز استقرار حكومة مجاورة، مع الاستمرار في الحفاظ على قنوات الاتصال السياسي والتعاون الإقليمي.

ويبقى التحدي الأساسي هو تحديد نطاق هذا التحول وحدوده. فإذا ظل الانتشار مرتبطًا بظروف محددة وبطلب من الحكومة المعنية، فقد يكون أقرب إلى تدخل استثنائي ومحدود. أما إذا توسع ليشمل عمليات عسكرية مستمرة أو أدوارًا عملياتية أوسع في منطقة الساحل، فقد يشير ذلك إلى تحول أعمق في العقيدة الأمنية الجزائرية.

تكتسب القاعدة الجوية رقم 101 في نيامي أهمية إضافية بسبب موقعها بالقرب من المطار الدولي، ودورها بوصفها إحدى المنشآت العسكرية الرئيسية في النيجر، فضلًا عن استخدامها من قبل عناصر من «فيلق إفريقيا» الروسي، وفقًا للتقرير.

ويمكن أن يتيح وجود القدرات الجوية الجزائرية في هذه القاعدة إمكانات إضافية للتنسيق العسكري وتبادل المعلومات والدعم اللوجستي. كما يرى أكرم خريف أن الموقع قد يوفر، من الناحية النظرية، قاعدة يمكن الانطلاق منها لتوسيع عمليات الطائرات المسيّرة والاستخبارات لدعم القوات الإقليمية في مواجهة الجماعات المسلحة عبر منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد.

غير أن التقرير يوضح أن الجزائر لم تُظهر حتى الآن اهتمامًا واضحًا بتبني هذا النهج الأوسع. ولذلك، ينبغي التمييز بين الإمكانات التي قد يوفرها الموقع الجغرافي للقاعدة وبين ما اتخذته الجزائر بالفعل من خطوات عملياتية.

وتتوقف احتمالات توسيع الدور الجزائري على عدة اعتبارات، من بينها طبيعة التهديدات الأمنية، وموقف السلطات النيجريّة، ومدى استعداد الجزائر لتحمل تكاليف انتشار عسكري مستمر خارج أراضيها، فضلًا عن تداعيات ذلك على علاقاتها بدول المنطقة والقوى الخارجية الموجودة فيها.

كما أن وجود عناصر روسية في القاعدة يضيف بُعدًا آخر إلى المشهد، لكنه لا يكفي وحده للاستنتاج بوجود تنسيق عملياتي مباشر بين الجزائر وروسيا. فإثبات مثل هذا التنسيق يتطلب معلومات إضافية تتجاوز مجرد وجود الطرفين في المنشأة نفسها.

ومن ثم، فإن القيمة الأساسية للتحرك في هذه المرحلة تكمن في كونه يفتح المجال أمام احتمالات جديدة للدور الأمني الجزائري، دون أن يثبت أن الجزائر قررت بالفعل الانتقال إلى استراتيجية تدخل إقليمي واسعة النطاق.

تأتي الخطوة الجزائرية في سياق إقليمي يتسم بتعقيد العلاقات بين دول الساحل وجيرانها، خصوصًا في أعقاب الانقلابات العسكرية والتغيرات التي طرأت على سياسات الأمن والتحالفات الخارجية في المنطقة.

وتشكل النيجر ومالي وبوركينا فاسو تحالف دول الساحل، الذي يسعى أعضاؤه إلى تعزيز التعاون فيما بينهم في مواجهة التهديدات الأمنية. وبالنسبة إلى الجزائر، فإن التعامل مع هذه الدول يكتسب أهمية خاصة نظرًا إلى الامتدادات الحدودية والمخاطر الأمنية المشتركة.

وفي هذا الإطار، تبرز العلاقات الجزائرية المالية بوصفها عنصرًا مؤثرًا في الحسابات الإقليمية. فقد شهدت العلاقات بين الجزائر ومالي تدهورًا منذ الانقلاب الذي وقع في مالي عام 2023، قبل أن يعلن البلدان في يوليو عن خطط لإعادة بناء العلاقات.

ويشير هذا التطور إلى إدراك محتمل لدى الطرفين لأهمية احتواء الخلافات، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تتجاوز الحدود الوطنية. غير أن إعلان خطط لإعادة بناء العلاقات لا يعني بالضرورة تجاوز جميع أسباب التوتر، أو التوصل إلى توافق كامل بشأن إدارة الأمن الإقليمي.

وتضع هذه المعطيات الجزائر أمام معادلة دقيقة: فهي بحاجة إلى التعاون مع دول الساحل لضبط التهديدات العابرة للحدود، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بإدارة خلافاتها السياسية مع الحكومات العسكرية في المنطقة، والحفاظ على قدرتها على التأثير في مسارات التسوية والاستقرار.

وقد يمنح دعم النيجر الجزائر فرصة لتعزيز حضورها الأمني والسياسي في المنطقة، لكنه قد يثير أيضًا تساؤلات بشأن طبيعة علاقاتها المستقبلية مع بقية أعضاء التحالف، ومدى قدرة هذا التحرك على تعزيز التعاون الإقليمي بدلًا من تكريس التباينات القائمة.

ومن ثم، فإن نجاح المقاربة الجزائرية لن يتحدد فقط بقدرتها على دعم حكومة نيامي، بل أيضًا بمدى قدرتها على بناء تفاهمات أوسع مع دول الساحل، وتحويل التعاون الأمني إلى إطار مستدام لإدارة التهديدات المشتركة.

على الرغم من الأهمية الرمزية والاستراتيجية للانتشار الجزائري، فإن توسيع الدور العسكري خارج الحدود ينطوي على تحديات لا يمكن تجاهلها.

أول هذه التحديات يتعلق بطبيعة التهديدات في منطقة الساحل. فالجماعات المسلحة تنشط في بيئات جغرافية واسعة، وتستفيد من هشاشة المؤسسات وضعف السيطرة الحكومية في بعض المناطق. ولذلك، فإن توفير دعم جوي أو لوجستي قد يساعد في تعزيز قدرات السلطات المحلية، لكنه لا يمثل وحده حلًا مستدامًا لجذور عدم الاستقرار.

وثانيها يرتبط بمخاطر الانخراط في الصراعات الداخلية. فدعم حكومة عسكرية في دولة مجاورة قد يُفسر بوصفه مساندة سياسية لها، وقد يجعل الدولة الداعمة أكثر ارتباطًا بمآلات الأوضاع الداخلية، حتى إذا كان هدفها المعلن هو تعزيز الاستقرار.

أما التحدي الثالث فيتعلق بتكاليف الانتشار العسكري واستدامته. فإبقاء الطائرات والأطقم الفنية والدعم اللوجستي خارج الحدود يتطلب موارد وتنسيقًا مستمرين، وقد يفرض أعباء إضافية على القدرات العسكرية الوطنية إذا طال أمد المهمة أو توسع نطاقها.

ويتمثل التحدي الرابع في الحفاظ على التوازن بين المصالح الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية. فقد يؤدي توسيع الدور العسكري إلى تعزيز قدرة الجزائر على التأثير في البيئة الإقليمية، لكنه قد يزيد في المقابل من حساسيات بعض الأطراف، أو يعقد العلاقات مع شركاء إقليميين ودوليين.

ولهذا، فإن تقييم التحرك الجزائري يتطلب التمييز بين نجاحه في إرسال رسالة ردع سياسية أو تقديم دعم عسكري محدود، وبين قدرته على تحقيق استقرار مستدام في النيجر ومنطقة الساحل. فالأول يمكن أن يتحقق على المدى القصير، بينما يتطلب الثاني معالجة عوامل أعمق تتعلق بقدرات الدولة، والتعاون الإقليمي، وأوضاع المجتمعات المحلية، واستمرار التهديدات المسلحة.

بشكل عام يعكس نشر الجزائر عناصر من قواتها الجوية في النيجر تطورًا مهمًا في سياستها الأمنية والإقليمية، ويشير إلى احتمال انتقالها نحو مقاربة أكثر مرونة في التعامل مع التهديدات التي تنشأ خارج حدودها. فالتحرك لا يرتبط فقط بدعم السلطات النيجريّة، بل يتصل بإعادة تقييم العلاقة بين أمن الحدود الجزائرية والاستقرار في منطقة الساحل، فضلًا عن حماية المصالح الاقتصادية الاستراتيجية ومشروعات البنية التحتية العابرة للصحراء.

وتتمثل الدلالة الأولى للخطوة في إدراك الجزائر أن التهديدات العابرة للحدود قد تجعل الدفاع عن الأراضي الوطنية وحده غير كافٍ. أما الدلالة الثانية فتتعلق بالتداخل بين الأمن والاقتصاد، في ظل الأهمية المحتملة للنيجر بالنسبة إلى خط أنابيب الغاز العابر للصحراء وغيره من مشروعات الربط الإقليمي. وتتمثل الدلالة الثالثة في استعداد الجزائر لاستخدام أدوات عسكرية بصورة أكثر وضوحًا إلى جانب أدواتها الدبلوماسية، وإن كان من المبكر الجزم بأن ذلك يمثل تحولًا دائمًا في عقيدتها الأمنية.

وفي المقابل، تظل حدود هذا التحول مرتبطة بنطاق الانتشار ومدته، وطبيعة المهام التي تؤديها القوات الجزائرية، ومدى استعداد الجزائر لتوسيع حضورها العسكري في المنطقة. كما أن دعم حكومة مجاورة لا يضمن بمفرده معالجة التهديدات البنيوية التي تواجه الساحل، ولا يغني عن التعاون الإقليمي والجهود السياسية والمؤسسية اللازمة لتعزيز الاستقرار.

وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى التحرك الجزائري باعتباره اختبارًا لمدى قدرة البلاد على الموازنة بين حماية أمنها القومي وتوسيع دورها الإقليمي، من دون الانجرار إلى التزامات عسكرية مفتوحة. وسيعتمد أثر هذه الخطوة على ما إذا كانت ستظل تدخلًا محدودًا لدعم دولة مجاورة في ظرف استثنائي، أم ستشكل بداية لتوجه أوسع يمنح الجزائر دورًا أمنيًا مباشرًا في إدارة أزمات الساحل.

وفي الحالتين، تكشف الخطوة عن حقيقة أساسية مفادها أن أمن الجزائر بات مرتبطًا بصورة متزايدة بمسارات الاستقرار في محيطها الجنوبي، وأن إدارة هذه العلاقة ستتطلب مزيجًا من التعاون الأمني والدبلوماسية الفاعلة وحماية المصالح الاقتصادية، ضمن مقاربة توازن بين متطلبات الأمن الوطني ومخاطر التوسع في التدخل الخارجي.