قطاع طاقة الرياح في الصين ودوره في دفع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة

تقارير وملفات - Foresight

لم يقتصر النمو المتسارع لقطاع طاقة الرياح في الصين على التوسع في السوق المحلية، بل امتد أثره ليصبح أحد المحركات الرئيسية للتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. وقد أسهمت القدرات الصناعية والتكنولوجية التي طورتها الصين في تعزيز مكانتها في سوق الطاقة المتجددة، ودعم انتشار تقنيات طاقة الرياح على المستوى الدولي.

وخلال فترة الخطة الخمسية الرابعة عشرة (2021–2025)، نجحت الصين في بناء أكبر منظومة صناعية لطاقة الرياح في العالم، مستندةً إلى سلسلة إمداد تُعد من الأكثر شمولًا وتكاملًا على مستوى العالم. ووفقًا للهيئة الوطنية للطاقة الصينية، أسهمت هذه القاعدة الصناعية المتقدمة في توفير زخم قوي لتوسع الطاقة المتجددة عالميًا، من خلال إتاحة المعدات والتقنيات بتكاليف اقتصادية تنافسية.

وفي عام 2025، تجاوزت القدرة الجديدة المركبة لطاقة الرياح البحرية في الصين 7 ملايين كيلوواط، أي ما يعادل 7 جيجاوات، وهو ما مثّل نحو 80% من إجمالي القدرات الجديدة المضافة عالميًا في هذا المجال. وتشير هذه المؤشرات إلى استمرار الزخم الذي يشهده قطاع الرياح البحرية، مع توقعات بمواصلة نموه خلال السنوات المقبلة.

وقد أتاح التطور المتقدم لمنظومة طاقة الرياح البحرية فرصًا واسعة لتعظيم الاستفادة من موارد الطاقة البحرية. كما تعكس الابتكارات التكنولوجية التي حققتها الصين في هذا المجال، ولا سيما تطوير توربينات رياح قادرة على مقاومة الأعاصير، مستوى التقدم الذي بلغته منظومتها الصناعية وقدرتها على تطوير حلول تتلاءم مع الظروف البيئية الصعبة.

وفي هذا السياق، أكد بان هوي مين، نائب مدير إدارة الطاقة الجديدة والمتجددة بالهيئة الوطنية للطاقة الصينية، أن قطاع طاقة الرياح في البلاد حافظ على وتيرة نمو مستقرة ومنظمة خلال العام، تجلت في زيادة القدرة المركبة، وارتفاع مساهمة طاقة الرياح في إجمالي توليد الكهرباء، واستمرار الاختراقات التكنولوجية، إلى جانب توسيع نطاق التعاون الدولي.

ومع اقتراب بدء تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026–2030)، تتبنى الصين استراتيجية شاملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في توسيع القدرات الإنتاجية، والارتقاء بجودة التنمية، وضمان إحلال مصادر الطاقة الجديدة محل المصادر التقليدية بصورة موثوقة ومستدامة.

التحديات الهيكلية أمام التوسع في طاقة الرياح

على الرغم من النمو الكبير الذي حققه القطاع، حذّر بان هوي مين من تصاعد مجموعة من التحديات الهيكلية التي قد تؤثر في استدامة توسعه. ووفقًا لما نقلته صحيفة «تشاينا ديلي»، تشمل هذه التحديات القيود المرتبطة بربط مشروعات طاقة الرياح بشبكات الكهرباء، والضغوط التي تواجه توافر عناصر الإنتاج، وتراجع العوائد الاقتصادية للمشروعات في ظل الانتقال الكامل نحو آليات السوق في تسعير الكهرباء، فضلًا عن عدم الاستفادة الكاملة من القيمة البيئية للطاقة النظيفة.

ولمواجهة هذه التحديات، شدد بان على أهمية تحسين التوزيع الجغرافي لمشروعات الطاقة، وتسريع تبني نماذج متكاملة لإنتاج الطاقة واستهلاكها، وتعزيز قدرة الشركات على التكيف مع أسواق الكهرباء التنافسية، إلى جانب توسيع التعاون الدولي بما يدعم التحول الأخضر على المستوى العالمي.

وتشير هذه التحديات إلى أن استمرار التوسع في الطاقة المتجددة لا يعتمد على زيادة القدرات المركبة وحدها، بل يتطلب أيضًا تطوير البنية التحتية للشبكات، وتحسين كفاءة تشغيل منظومة الكهرباء، وإيجاد نماذج اقتصادية تضمن استدامة الاستثمارات وتحقيق عوائد مناسبة للمشروعات.

تحديث شبكات الكهرباء والتحول نحو الحلول المتكاملة

من جانبهم، أكد قادة قطاع الطاقة ضرورة إجراء تحديثات شاملة في الأنظمة والبنية التحتية المرتبطة بإنتاج الكهرباء ونقلها، مشيرين إلى أن صعوبات الربط بالشبكات تمثل تحديًا مشتركًا تواجهه الدول على اختلاف مستويات تطورها في مجال الطاقة المتجددة.

وفي هذا الإطار، أوضح بن باكويل، الرئيس التنفيذي للمجلس العالمي لطاقة الرياح، أن البنية التحتية لنقل الكهرباء لا تزال تمثل أحد أكثر الاختناقات إلحاحًا أمام التوسع في الطاقة المتجددة. فعمليات تطوير شبكات الكهرباء في العديد من دول العالم لا تزال عاجزة عن مواكبة الزيادة المتسارعة في القدرات الإنتاجية للطاقة النظيفة.

وشدد باكويل على ضرورة توجيه استثمارات أكثر فاعلية إلى تقنيات الشبكات، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بتطوير منظومة الطاقة، وتحسين إدارة الطلب على الكهرباء. وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل الطبيعة المتغيرة لإنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، وما تفرضه من متطلبات إضافية لضمان استقرار الشبكات واستمرارية الإمدادات.

كما أشار إلى أن دور شركات طاقة الرياح لم يعد يقتصر على توريد المعدات، بل أصبح يتطلب تقديم حلول متكاملة تستجيب لاحتياجات الأسواق وتحديات تشغيل منظومة الطاقة.

وفي هذا السياق، يبرز التكامل بين طاقة الرياح والطاقة الشمسية وتقنيات تخزين الطاقة والشبكات الذكية باعتباره أحد المتطلبات الأساسية لتعزيز كفاءة منظومة الكهرباء. فمن شأن هذا التكامل أن يساعد على مواءمة الإنتاج مع الطلب، وتحسين موثوقية الإمدادات، وضمان أسعار كهرباء قابلة للاستدامة الاقتصادية في الأسواق التي تعتمد آليات تنافسية لتحرير قطاع الكهرباء.

طاقة الرياح وأمن الطاقة في الصين

وفيما يتعلق بالسوق الصينية، أكد ليانغ تشيبنغ، مدير اللجنة المهنية للطاقة المتجددة التابعة لجمعية أبحاث الطاقة الصينية، أن طاقة الرياح أصبحت أحد الركائز الأساسية لأمن الطاقة في الصين، وعنصرًا محوريًا في مسار تحولها نحو منظومة طاقة منخفضة الكربون.

ولمعالجة القيود المرتبطة بالربط بشبكات الكهرباء وتقلبات العوائد في أسواق الطاقة، دعا ليانغ إلى إعطاء الأولوية لتعزيز ما يُعرف بـ«الاعتمادية السعوية» أو «رصيد القدرة» (Capacity Credit) لطاقة الرياح، بما يعكس مساهمتها الفعلية في تلبية الطلب على الكهرباء خلال فترات الحاجة إليها. كما شدد على أهمية زيادة مساهمة هذا المصدر في تحسين الكفاءة الإجمالية لمنظومة الكهرباء.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن القيمة الاقتصادية لطاقة الرياح لا تتحدد بحجم الكهرباء المنتجة فحسب، بل ترتبط أيضًا بمدى قدرة المنظومة على الاعتماد عليها، وتوقيت إنتاجها، وإسهامها في تقليل الحاجة إلى مصادر أخرى لتوليد الكهرباء.

كذلك، أوصى ليانغ بتطوير نماذج مبتكرة للتوريد المباشر للكهرباء الخضراء، بهدف خفض تكاليف الطاقة على المستخدمين الصناعيين وتعزيز قدرتهم التنافسية. ودعا أيضًا إلى تشجيع الابتكار المشترك بين تقنيات الذكاء الاصطناعي وآليات تداول الكهرباء، بما يسهم في تحسين التنبؤ بالإنتاج والطلب، ورفع كفاءة إدارة الطاقة، وتطوير آليات أكثر مرونة للتسعير والتداول.

وأشار، في هذا السياق، إلى أهمية وضع مسارات واضحة لتحقيق عوائد مالية من «العلاوة الخضراء» (Green Premium)، وهي القيمة الإضافية التي قد يكون المستهلكون أو الشركات مستعدين لدفعها مقابل الحصول على طاقة منخفضة الانبعاثات أو خالية من الكربون، مقارنةً بمصادر الطاقة التقليدية. ومن شأن تطوير آليات واضحة لتحديد هذه القيمة وتحصيلها أن يعزز الجدوى الاقتصادية للاستثمار في مشروعات الطاقة النظيفة.

تعكس تجربة الصين في قطاع طاقة الرياح الفرص التي يتيحها التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، كما تكشف عن التحديات الهيكلية التي تصاحب الانتقال إلى منظومة طاقة منخفضة الكربون على نطاق واسع. فقد عزز التقدم التكنولوجي، وتكامل سلاسل الإمداد، والقدرات الصناعية المتنامية، مكانة الصين في السوق العالمية لطاقة الرياح، إلا أن استمرار هذا النمو يتوقف بصورة متزايدة على تحديث شبكات الكهرباء، وتطوير آليات السوق، وتحسين التكامل بين مصادر الطاقة المختلفة، وتحويل المنافع البيئية للطاقة النظيفة إلى قيمة اقتصادية ملموسة.

ولا تقتصر هذه التحديات على الصين وحدها، بل تمتد إلى مختلف الدول التي تسعى إلى توسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة. فنجاح التحول العالمي في مجال الطاقة لن يتحدد بزيادة قدرات إنتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية فحسب، وإنما سيتوقف أيضًا على تطوير البنية التحتية لنقل الكهرباء، وتوسيع قدرات تخزين الطاقة، وتعزيز مرونة أسواق الكهرباء، وتبني حلول متكاملة تضمن موثوقية الإمدادات بالتوازي مع خفض الانبعاثات الكربونية.

وبناءً على ذلك، فإن المرحلة المقبلة من تطور قطاع طاقة الرياح ستتطلب الانتقال من التركيز على التوسع الكمي في القدرات الإنتاجية إلى نموذج أكثر تكاملًا، يجمع بين الكفاءة التكنولوجية، والجدوى الاقتصادية، ومرونة الشبكات، والاستدامة البيئية. ويُعد تحقيق هذا التوازن شرطًا أساسيًا لتعزيز مساهمة طاقة الرياح في أمن الطاقة ودعم التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون.