حزب الله بعد حسن نصر الله: قيادة نعيم قاسم وأزمة السلاح والدولة في لبنان

تقارير وملفات - Foresight

شكّل اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في 27 سبتمبر 2024، ثم مقتل هاشم صفي الدين، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أبرز المرشحين لخلافته، نقطة تحوّل في تاريخ الحزب. فلم تقتصر تداعيات الضربات الإسرائيلية على فقدان شخصيتين قياديتين بارزتين، بل امتدت إلى بنية القيادة والسيطرة، والقدرة على إدارة المواجهة العسكرية، وموقع الحزب داخل النظام السياسي اللبناني، وطبيعة علاقته بإيران.

في 29 أكتوبر 2024، أعلن الحزب اختيار نعيم قاسم أمينًا عامًا جديدًا، بعد عقود قضاها نائبًا لنصر الله وأحد أبرز المسؤولين عن الجوانب التنظيمية والسياسية والفكرية للحركة. مثّل الاختيار رهانًا على الخبرة المؤسسية والاستمرارية في مرحلة استثنائية، لكنه فتح في الوقت نفسه سؤالًا يتجاوز شخصية القائد الجديد: هل يستطيع حزب الله الحفاظ على تماسكه ونفوذه في ظل تراجع قدراته العسكرية، وتزايد الضغوط الداخلية لاستعادة الدولة احتكار السلاح، واستمرار التحديات الإقليمية؟

لم تعد المسألة، بعد مرور عامين على اغتيال نصر الله، مقتصرة على قدرة قاسم على ملء موقع سلفه. فالأزمة تتعلق أيضًا بمدى صلاحية النموذج الذي تأسس عليه الحزب، والقائم على الجمع بين القوة المسلحة، والتمثيل السياسي، وشبكات الخدمات الاجتماعية، والارتباط الاستراتيجي بإيران.

وحتى أكتوبر 2026، لا تشير المعطيات إلى اختفاء حزب الله من المشهد اللبناني، لكنها تكشف عن بيئة أكثر تعقيدًا بالنسبة إليه، تتراجع فيها حرية حركته وتتزايد فيها كلفة الخيارات العسكرية والسياسية. وقد أعادت المواجهات اللاحقة، والخلاف بشأن الانسحاب الإسرائيلي وسلاح الحزب، طرح العلاقة بين أمن الحدود اللبنانية وسيادة الدولة ومستقبل دور المقاومة المسلحة.

نعيم قاسم.. من بناء المؤسسة إلى إدارة الأزمة

النشأة والتكوين الفكري

وُلد نعيم قاسم في بيروت عام 1953، ونشأ في أسرة شيعية تنحدر من بلدة كفرفيلا في جنوب لبنان. تلقّى تعليمه في المدارس الرسمية، ثم درس الكيمياء في الجامعة اللبنانية، حيث حصل على شهادة جامعية ودرجة الماجستير عام 1977. وعمل لاحقًا مدرسًا للكيمياء، بالتوازي مع اهتمامه بالدراسات الإسلامية والفقهية.

يجمع تكوين قاسم بين التعليم الأكاديمي والعمل الديني والنشاط السياسي المبكر. وقد شارك في الحركة الطلابية الإسلامية، وانخرط في حركة أمل في مراحلها الأولى، قبل أن يبتعد عنها في أعقاب اختفاء مؤسسها الإمام موسى الصدر عام 1978، ثم يتجه إلى التيار الذي تشكّل لاحقًا في إطار حزب الله.

أسهم حدثان رئيسيان في تشكيل مساره السياسي: الثورة الإيرانية عام 1979، التي عززت حضور نموذج ولاية الفقيه بوصفه أساسًا للحكم الإسلامي لدى التيارات المؤيدة له، والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي أوجد ظروفًا ساعدت على تجمّع قوى إسلامية شيعية متعددة تحت تأثير الدعم الإيراني.

في هذا السياق، برز قاسم ضمن الجيل المؤسس للحزب، وإن كان دوره مختلفًا عن دور القادة الذين تصدروا المواجهة العسكرية. فقد ارتبط اسمه ببناء الهياكل التنظيمية، وتطوير البرامج التثقيفية، وترسيخ الانضباط الداخلي، وربط النشاط السياسي والاجتماعي بالمرجعية الفكرية للحركة.

ولا يعني ذلك أن قاسم كان صاحب القرار الوحيد في تشكيل الحزب أو أن دوره التنظيمي يمكن فصله عن أدوار المؤسسين الآخرين؛ لكنه كان من الشخصيات التي ساهمت في تحويل حركة ناشئة إلى تنظيم قادر على الاستمرار عبر مؤسسات متعددة.

من الرجل الثاني إلى الأمين العام

تولى قاسم منصب نائب الأمين العام عام 1991، واستمر فيه أكثر من ثلاثة عقود، بما أتاح له متابعة التحولات السياسية والتنظيمية التي مر بها الحزب في مراحل مختلفة، من الحرب الأهلية إلى المشاركة البرلمانية، ومن المواجهة مع إسرائيل إلى التدخل في الحرب السورية.

وعلى خلاف نصر الله، الذي امتلك حضورًا جماهيريًا وخطابيًا واسعًا، ارتبطت صورة قاسم بالإدارة والتنظيم والتأطير الفكري. وقد منحته هذه الخبرة معرفة عميقة بآليات الحزب، لكنها لا تعني بالضرورة امتلاكه القدرات القيادية نفسها التي اشتهر بها سلفه.

فقيادة تنظيم مسلح وسياسي في ظروف مستقرة نسبيًا تختلف عن قيادته بعد خسارة عدد من أبرز مسؤوليه، وتضرر شبكات اتصاله وقدراته العملياتية، وازدياد الضغوط لإعادة النظر في دوره الداخلي والإقليمي.

من هنا، يمكن فهم اختيار قاسم باعتباره محاولة للحفاظ على الاستمرارية المؤسسية في لحظة اضطراب، لا دليلًا بذاته على أن الحزب تجاوز أزمته أو استعاد قدراته السابقة.

حزب الله بين العمل المسلح والمشاركة السياسية

من أبرز المحطات التي ارتبطت باسم قاسم النقاش الداخلي حول المشاركة في النظام السياسي اللبناني بعد اتفاق الطائف عام 1989. فقد واجه الحزب معضلة تتعلق بكيفية التعامل مع دولة يقوم نظامها على تقاسم السلطة بين الطوائف، بينما يستند مشروعه الفكري إلى مرجعية إسلامية عابرة للحدود الوطنية. وانتهى الحزب إلى المشاركة في الانتخابات النيابية عام 1992، مع الاحتفاظ بسلاحه وبخطابه المقاوم.

مثّل هذا الخيار تحولًا مهمًا؛ إذ لم يعد الحزب مجرد حركة مسلحة تعمل خارج المؤسسات، بل أصبح فاعلًا سياسيًا يشارك في البرلمان، ويعقد التحالفات الانتخابية، ويدخل في التفاهمات الحكومية، ويوسّع حضوره في قطاعات اجتماعية وخدمية.

وقد ساعده الجمع بين العمل السياسي والقدرات العسكرية وشبكات الرعاية الاجتماعية على بناء قاعدة دعم واسعة، خصوصًا في أوساط من رأوا فيه قوة قادرة على مواجهة إسرائيل وتمثيل مصالح قطاعات شيعية شعرت تاريخيًا بالتهميش السياسي والاقتصادي.

لكن هذا النموذج حمل تناقضًا بنيويًا ظل حاضرًا في الحياة اللبنانية: كيف يمكن لحزب أن يشارك في مؤسسات الدولة، بينما يحتفظ بقرار مستقل في شأن الحرب والسلم وبترسانة عسكرية لا تخضع بالكامل لقيادة الجيش؟

يرى مؤيدو الحزب أن سلاحه يوفّر قدرة ردع لا تستطيع الدولة اللبنانية توفيرها بمفردها، بالنظر إلى محدودية موارد الجيش واختلال ميزان القوى مع إسرائيل. ويعتبرون أن التخلي عن هذا السلاح قبل ضمان الانسحاب الإسرائيلي ومنع الاعتداءات يعرّض لبنان لمخاطر أمنية إضافية.

في المقابل، يرى منتقدوه أن استمرار وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة يقوّض السيادة، ويمنح تنظيمًا حزبيًا قدرة على اتخاذ قرارات ذات تبعات وطنية من دون توافق مؤسساتي شامل. كما يشيرون إلى أن الحروب المتكررة تفرض تكاليف اقتصادية وإنسانية على جميع اللبنانيين، بمن فيهم من لا يشاركون في قرار الحزب العسكري.

ولا يمكن اختزال هذا الخلاف في مواجهة بين مؤيدين للمقاومة ومعارضين لها؛ فهو يتعلق أيضًا بتوزيع السلطة، وحدود القرار الوطني، وقدرة الدولة على حماية المواطنين، والضمانات المطلوبة لمنع تكرار الحرب.

العلاقة مع إيران.. بين المرجعية العقائدية والارتباط الاستراتيجي

تحتل إيران موقعًا مركزيًا في البنية الفكرية والاستراتيجية لحزب الله. ولا تقتصر العلاقة بين الطرفين على التعاون السياسي أو الدعم العسكري والمالي، بل ترتبط أيضًا بتبنّي قيادة الحزب مفهوم ولاية الفقيه، الذي يمنح المرشد الإيراني مكانة مرجعية في الشؤون الدينية والسياسية ضمن التصور الذي يتبناه الحزب.

ويؤكد قاسم أن المشاركة في النظام اللبناني لا تتعارض، من وجهة نظره، مع هذه المرجعية. فهو يميّز بين المبادئ الاستراتيجية والعقائدية العامة، وبين إدارة الشؤون المحلية والتكتيكية التي تتولاها القيادة اللبنانية.

غير أن هذا التفسير لا ينهي الجدل حول حدود استقلالية القرار. فالمسألة لا تتعلق فقط بما إذا كان الحزب يمتلك مؤسسات لبنانية خاصة، وإنما أيضًا بمدى قدرته على اتخاذ قرارات الحرب والتصعيد والتسوية بعيدًا عن حسابات طهران.

من منظور الحزب، يمثل الدعم الإيراني عنصرًا في بناء القدرة على الردع، وتوفير الموارد، ومواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي. ومن منظور منتقديه، يجعل هذا الارتباط لبنان عرضة لأن يصبح جزءًا من صراعات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع أولويات الدولة أو مصالح جميع مواطنيها.

أما بعد مقتل نصر الله وصفي الدين، فإن حجم التحول في طبيعة العلاقة مع إيران يظل مسألة تحتاج إلى أدلة تفصيلية، ولا يكفي وصفها بأنها انتقلت بصورة نهائية من الشراكة إلى التبعية المباشرة. ومع ذلك، فإن الخسائر القيادية والعسكرية، إلى جانب صعوبة الحفاظ على قنوات الإمداد والتمويل، تجعل إعادة تنظيم العلاقة بين القيادة اللبنانية والمراكز الإيرانية مسألة ذات أهمية متزايدة.

ويُضاف إلى ذلك أن استمرار الدعم الإيراني لا يعني تلقائيًا قدرة الحزب على استعادة نفوذه السابق؛ فالموارد الخارجية لا تعوّض وحدها خسارة الخبرات الميدانية، ولا تحل معضلات الشرعية الداخلية وإعادة الإعمار والعلاقة مع مؤسسات الدولة.

حرب 2024 وتداعياتها على بنية الحزب

أظهرت الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قيادة حزب الله في خريف 2024 حجم المخاطر المرتبطة بتركيز جانب كبير من الخبرة القيادية والعسكرية في شبكة محددة من المسؤولين. فقد أدى مقتل نصر الله وعدد من القادة البارزين إلى إرباك منظومة القيادة، وفرض على الحزب إعادة ترتيب مسؤولياته في وقت كان يواجه فيه ضغطًا عسكريًا متواصلًا.

ولا يعني ذلك أن الحزب فقد جميع قدراته أو أن مؤسساته انهارت بالكامل. فالتنظيمات التي تمتلك قواعد اجتماعية وشبكات إدارية وخبرات متراكمة تستطيع أحيانًا امتصاص خسارة قياداتها العليا. لكن القدرة على البقاء التنظيمي تختلف عن القدرة على استعادة الردع، أو استعادة حرية الحركة، أو فرض الشروط السياسية التي اعتاد الحزب التفاوض انطلاقًا منها.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات من القوة:

  • القوة العسكرية: تشمل التسليح والقدرات العملياتية والاستخبارات والاتصالات والقدرة على إعادة بناء سلاسل القيادة.
  • القوة السياسية: تتعلق بالتمثيل البرلماني، والتحالفات، والقدرة على التأثير في قرارات الحكومة ومؤسسات الدولة.
  • القوة الاجتماعية: ترتبط بثقة البيئة المؤيدة، والقدرة على توفير الخدمات والتعويضات وإعادة الإعمار، ومدى قبول المجتمع للتكاليف المترتبة على خيارات الحزب.

قد يحتفظ الحزب بنفوذ في أحد هذه المستويات، بينما يتراجع في مستويين آخرين. ولهذا لا يكفي قياس مستقبله بعدد المقاتلين أو الأسلحة المتبقية، كما لا يكفي الاستناد إلى استمراره في العمل السياسي للاستنتاج بأنه استعاد موقعه السابق.

قاسم وخيار الاستمرارية

عقب مقتل نصر الله، ركز قاسم في خطاباته على أن التنظيم قادر على الاستمرار رغم خسارة قياداته. ويمكن فهم هذا الخطاب بوصفه محاولة لطمأنة القاعدة المؤيدة، ومنع الخصوم من استنتاج أن الضربات العسكرية أنهت قدرة الحزب على العمل.

كذلك اتجه الخطاب إلى تقديم الصمود والاستمرار باعتبارهما معيارين للنجاح، بدلًا من ربط النتيجة بتحقيق تفوق عسكري واضح أو تغيير ميزان القوى الإقليمي.

ولهذا التحول بعدان. فمن جهة، يتيح للحزب الحفاظ على تماسكه المعنوي في ظروف صعبة، ويمنع تحويل الخسائر الميدانية تلقائيًا إلى انهيار سياسي. ومن جهة أخرى، قد يوسّع الفجوة بين الخطاب والواقع إذا استمر تراجع القدرة على حماية المناطق المؤيدة أو ردع الهجمات أو توفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار.

وبالتالي، فإن وصف البقاء بأنه انتصار قد يؤدي وظيفة تعبئة داخلية، لكنه لا يحسم التقييم الموضوعي لنتائج الحرب. فهذا التقييم يتطلب النظر إلى الخسائر البشرية والمادية، والقدرات العسكرية المتبقية، وموقع الحزب في مؤسسات الدولة، وحجم تأثيره في القرارات الاستراتيجية.

لبنان بعد نصر الله.. إعادة فتح ملف السيادة والسلاح

أعادت الحرب مسألة احتكار الدولة للسلاح إلى صدارة النقاش السياسي اللبناني. فقبل عام 2024، كان نفوذ حزب الله العسكري والسياسي يحدّ من قدرة خصومه على تحويل مطلب نزع السلاح إلى سياسة حكومية قابلة للتنفيذ. أما بعد الضربات التي تعرض لها، فقد ازدادت فرص الدفع نحو تعزيز دور الجيش وتوسيع سلطة المؤسسات الرسمية على الأمن والدفاع.

لكن هذا التحول لا يعني أن الدولة اللبنانية باتت قادرة تلقائيًا على فرض إرادتها في جميع المناطق أو تنفيذ نزع السلاح من دون مخاطر. فالجيش يعمل في ظل قيود تتعلق بالموارد والتسليح والقدرات اللوجستية، كما أن النظام السياسي اللبناني قائم على توازنات طائفية تجعل القرارات الأمنية الكبرى شديدة الحساسية.

وفي عام 2025، أقرّت الحكومة اللبنانية مسارًا يهدف إلى وضع الأسلحة خارج إطار الدولة تحت سلطتها، مع تكليف الجيش إعداد خطة للتنفيذ. إلا أن تطبيق هذا المسار واجه خلافات بشأن نطاقه وجدوله الزمني، فضلًا عن الاعتراضات التي أبداها حزب الله على الطريقة التي يجري بها التعامل مع سلاحه.

وفي عام 2026، ازداد ارتباط ملف السلاح بالمفاوضات المتعلقة بأمن الحدود والوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان. وأظهر الاتفاق الإطاري الذي أُعلن عنه في يونيو 2026 أن الانسحاب الإسرائيلي التدريجي والتحقق من نزع سلاح الجماعات غير الحكومية أصبحا جزءًا من مسار تفاوضي واحد، برعاية أمريكية. غير أن آليات التنفيذ ظلت موضع خلاف، كما استمر التباين بين موقف الحكومة اللبنانية وموقف الحزب.

تكشف هذه التطورات عن معضلة سياسية وأمنية مترابطة: كيف يمكن للدولة أن تستعيد احتكار السلاح في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية، وكيف يمكن ضمان أمن الجنوب من دون الإبقاء على مركز عسكري مستقل عن المؤسسات الرسمية؟

من وجهة نظر الحزب، ينبغي أن يسبق الانسحاب الإسرائيلي وضمان أمن الأراضي اللبنانية أي اتفاق بشأن السلاح، لأن التخلي عن وسائل الردع في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي قد يخلق فراغًا أمنيًا. أما مؤيدو تعزيز سلطة الدولة فيرون أن استمرار السلاح المستقل يعرقل بناء استراتيجية دفاع وطنية، ويُبقي قرار التصعيد خارج الرقابة الدستورية الكاملة.

ولا يمكن حل هذه المعضلة بمجرد إعلان أحد الطرفين انتصاره السياسي. فهي تحتاج إلى ترتيبات عملية تتناول الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، والرقابة على الحدود، وآليات التحقق، وضمانات عدم الاعتداء، ومستقبل القدرات العسكرية غير التابعة للدولة.

هل استعاد لبنان زمام المبادرة؟

من المؤكد أن هامش المناورة المتاح لخصوم حزب الله ومؤسسات الدولة اتسع مقارنة بمرحلة نصر الله. لكن الانتقال من هذا الاستنتاج إلى القول إن الدولة استعادت سيادتها كاملة سيكون سابقًا لأوانه.

فالسيادة لا تُقاس فقط بقدرة الحكومة على إصدار القرارات، بل أيضًا بقدرتها على تنفيذها بصورة مستدامة، وحماية الحدود، ومنع الاعتداءات الخارجية، والحفاظ على الاستقرار الداخلي. وإذا لم تقترن إعادة تنظيم السلاح بتعزيز قدرات الجيش والتوصل إلى ترتيبات أمنية قابلة للتطبيق، فقد يؤدي الضغط غير المحسوب إلى زيادة التوتر بدلًا من حسم الخلاف.

في المقابل، لا يمكن اعتبار صعوبات التنفيذ مبررًا دائمًا لاستمرار وضع استثنائي تكون فيه سلطة استخدام القوة موزعة بين الدولة وتنظيم مسلح مستقل عنها.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للمؤسسات اللبنانية يتمثل في قدرتها على الجمع بين السيادة والفاعلية الأمنية، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو منح أي طرف حق تعطيل الدولة بصورة دائمة.

الثنائي الشيعي.. تحالف مستمر أم إعادة توزيع للأدوار؟

يمثل التحالف بين حزب الله وحركة أمل، بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري، أحد الأعمدة الأساسية للتمثيل السياسي الشيعي في لبنان منذ عقود. وقد جمع هذا التحالف بين القوة العسكرية والتنظيمية لحزب الله، وشبكات أمل السياسية والبرلمانية وقدرتها على التواصل مع مختلف القوى اللبنانية والخارجية.

ومع تراجع هامش الحركة المتاح لحزب الله، تزداد أهمية الدور الذي يستطيع بري أداءه بوصفه وسيطًا بين الحزب ومؤسسات الدولة، وبين القوى الشيعية وخصومها، وبين لبنان والأطراف الخارجية.

لكن من غير الدقيق افتراض أن هذا التباين سيؤدي حتمًا إلى انقسام التحالف. فهناك مصالح مشتركة تدفع الطرفين إلى الحفاظ على التنسيق، أبرزها حماية التمثيل السياسي الشيعي ومنع تهميشه في أي ترتيبات جديدة. وفي المقابل، قد تختلف تقديراتهما بشأن حدود المواجهة، وأولويات التفاوض، وكلفة استمرار العزلة السياسية.

يمكن أن يؤدي هذا الوضع إلى تقسيم عملي للأدوار: يتمسك حزب الله بموقفه العقائدي والعسكري، بينما يركز بري على الوساطة وإدارة التسويات السياسية. غير أن نجاح هذا النهج يتوقف على قدرة الطرفين على احتواء الخلافات ومنعها من التحول إلى تنافس على النفوذ داخل البيئة الشيعية نفسها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب. فالدعم الاجتماعي وإعادة الإعمار لم يعودا مجرد أدوات لتعزيز الشعبية، بل أصبحا اختبارًا لقدرة القوى السياسية على الاستجابة لحاجات السكان في ظل أزمة اقتصادية عميقة.

مستقبل أمل بعد بري

يثير استمرار نفوذ بري سؤالًا آخر يتعلق بمرحلة ما بعده. فقد ارتبطت رئاسته لحركة أمل ومجلس النواب، منذ عقود، بشبكة من العلاقات السياسية والتفاهمات التي يصعب بالضرورة نقلها كاملة إلى أي خلف.

لكن الحديث عن خلافة محددة أو صراع حتمي داخل الحركة يظل افتراضيًا ما لم تدعمه تطورات واضحة. والأرجح أن أي انتقال قيادي سيختبر قدرة أمل على الموازنة بين ثلاثة متطلبات: الحفاظ على وحدتها التنظيمية، وصون تمثيلها السياسي، والإبقاء على قنوات التواصل مع القوى اللبنانية والإقليمية.

إذا نجحت الحركة في تطوير آليات مؤسسية أكثر وضوحًا للخلافة، فقد تحافظ على موقعها وتواصل أداء دور الوسيط. أما إذا أدى الانتقال إلى تنافس داخلي حاد، فقد تتقلص قدرتها على أداء هذا الدور، وهو ما سينعكس على توازن القوى داخل الطائفة الشيعية وعلى العلاقة مع حزب الله.

المجتمع الشيعي وتكاليف الحرب

لا يمكن فهم مستقبل حزب الله من خلال علاقته ب