لماذا تبدو مينيسوتا أهم من إيران لمستقبل الولايات المتحدة؟
توماس فريدمان
كان العام الماضي من أكثر الأعوام كآبة في مسيرتي الصحفية التي امتدت لما يقارب نصف قرن. لم يكن السبب فقط أنني شاهدت إدارة الرئيس دونالد ترامب وهي تقوّض تحالفات تاريخية عزيزة على الولايات المتحدة مع أوروبا الغربية وكندا، تلك التحالفات التي دعمت الحرية والديمقراطية والتجارة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. بل إن ما زاد الإحباط هو الجبن المذهل والجشع الواضح اللذان أبداهما قادة كبرى شركات المحاماة وشركات التكنولوجيا، عندما انقادوا للرئيس وقبلوا بحكومة من أشخاص -بصراحة- لم يكونوا ليوظفوا أياً منهم في شركاتهم الخاصة.
لكن خلال زيارة قضيتها في ولايتي الأم، مينيسوتا، رأيت شيئاً مختلفاً تماماً عمّا اعتدت رؤيته طوال عقود عملي الصحفي. رأيت ما يمكن وصفه بانتفاضة مدنية عفوية، قادها مواطنون عاديون بدافع بسيط للغاية: الشعور بالمسؤولية تجاه الجيران، أياً كانوا، وأياً كانت الطريقة التي وصلوا بها إلى هنا.
كانت واحدة من أكثر المعارك الأخلاقية شجاعة التي شاهدتها بين أمريكيين عاديين يرتدون ملابسهم اليومية.. أمهات مستعدات للتبرع بحليبهن لأطفال غرباء، وآباء مستعدون لنقل أبناء جيرانهم إلى المدارس لأن بعض الآباء لم يعودوا يجرؤون على مغادرة منازلهم خوفاً من عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية ،(ICE) جيران يستخدمون أجهزة الصراف الآلي لدعم مطاعم ومتاجر الحي التي قررت إغلاق أبوابها مؤقتاً حتى لا يتعرض طهاة المطاعم أو عمالها للاعتقال.
واللافت أن كل ذلك حدث بهدوء كامل. ففي وقت لدينا فيه رئيس يحرص على وضع اسمه على كل مبنى عام يمكنه الوصول إليه، كان هؤلاء المواطنون يفعلون ما يفعلونه بصمت. قال لي بيل جورج، وهو رجل أعمال مخضرم من مدينتي التوأم: “كان هناك مئات القادة لهذه الحركة، لكنني لا أعرف اسم قائد واحد منهم”.
كان الدافع ببساطة هو “الجيرة”، كثير ممن خرجوا لم يفعلوا ذلك لأنهم يؤيدون الهجرة غير الشرعية، بل لأنهم يرفضون القسوة التي تعاملت بها إدارة ترامب -ومعها ستيفن ميلر وكريستي نويم- مع أشخاص يعرفونهم شخصياً: جيران يعملون بجد، يدفعون الضرائب، يذهبون إلى الكنائس أو المساجد، ويساعدونك في إخراج سيارتك من الثلج في صباحات الشتاء القاسية.
إليكم نصيحة مجانية للرئيس ترامب ومستشاريه: سكان مينيسوتا بارعون في التعامل مع الشتاء، فلا تحاولوا مواجهتهم فيه. فهم لا يخشون البرد، بل إن هذا الطقس القاسي صقل لديهم روح الجيرة الفريدة. ليس في كل مكان، وليس في كل يوم، لكن في أماكن كثيرة وفي أيام كثيرة. روح بسيطة في جوهرها: مساعدة الجار اليوم لأنك تعلم أنه سيساعدك غداً.
مشاهدة ذلك عن قرب جعلتني أتذكر تصريحاً أدلى به ستيفن ميلر لشبكة CNN قال فيه إن العالم تحكمه القوة والإكراه والسلطة. حسناً يا ستيفن، ربما لا تعرف العالم الحقيقي بعد؛ لأن جيشك من عناصر الهجرة المدججين بالقوة والإكراه وجد نفسه في مواجهة أمهات وآباء يحملون كاميرات هواتفهم وصفارات إنذار، مستعدين للخروج في صباح بارد وهم يرتدون أردية الحمام والنعال المنزلية للدفاع عن جيرانهم.. لقد كانت النتيجة بسيطة: الجوار 1 – الترامبية 0.
ولفهم ما هو مميز حقاً فيما حدث هنا، ربما عليك أن تكون قد نشأت في مينيسوتا. ولدت عام 1953 في الجانب الشمالي من مينيابوليس، على بعد أميال قليلة من المكان الذي قتل فيه جورج فلويد. في طفولتي كان كل شيء يبدو ثنائياً: أبيض أو أسود، مسيحي أو يهودي. كانت الولاية آنذاك بيضاء بنسبة تقارب 99%. اليوم انخفضت تلك النسبة إلى نحو 76%، مع حضور متزايد للسكان السود واللاتينيين والآسيويين، خصوصاً الجالية الصومالية.
هذا التحول الديموغرافي الكبير أصبح جزءاً من واقع الولاية الاقتصادي. فالمهاجرون يشكلون اليوم نحو 11% من قوة العمل، ونحو 16% من العاملين في قطاع التصنيع. ويقدر خبراء الاقتصاد أن العمال والشركات التي أسسها مهاجرون تسهم بنحو 26 مليار دولار سنوياً في اقتصاد مينيسوتا.
في أحد الأيام استقللت سيارة أجرة لزيارة صديقي الصومالي الأمريكي حمزة ورفا في سانت بول. كانت سائقة التاكسي صومالية أيضاً. أخبرتني أن ابنها يخدم في القوات الجوية الأمريكية. فكرت حينها: سائقة صومالية تقلّ صحفياً يهودياً لزيارة صديق صومالي في مدينة يقودها عمدة من أصول لاوسية من قومية همونغ. مرحباً بكم في مينيسوتا عام 2026.
لكن هذه الخلفية الديموغرافية كانت أيضاً سبباً في إطلاق عملية “مترو سيرج”، عندما أرسلت إدارة ترامب نحو ثلاثة آلاف عنصر من أجهزة الهجرة إلى منطقة مينيابوليس – سانت بول لتنفيذ حملة اعتقالات واسعة بحق المهاجرين غير الشرعيين.
عند الإعلان عن العملية، هاجم ترامب المهاجرين الصوماليين واصفاً إياهم بأنهم “حثالة”. صحيح أن بعض أفراد الجالية تورطوا في فضيحة احتيال كبيرة على برامج الغذاء الحكومية، لكن محاولة تعميم ذلك على عشرات الآلاف من الصوماليين الأمريكيين في الولاية كانت -في رأيي- خطأً فادحاً وعنصرياً.
المفاجأة أن رد الفعل جاء مختلفاً تماماً عما توقعه البيت الأبيض. لم تكن الاحتجاجات مجرد تجمعات لليسار الراديكالي كما ظن ترامب، بل خرج آلاف من سكان الطبقة الوسطى البيضاء إلى الشوارع إلى جانب جيرانهم من المهاجرين. كانوا يشاهدون بأعينهم كيف يُقتاد أصحاب المتاجر الصغيرة والطهاة والنجارون من منازلهم ومطاعمهم.
قال لي دون سامويلز العضو السابق في مجلس المدينة: “كثير من السكان البيض كانوا يرددون بدهشة: لا أصدق أن هذا يحدث في أمريكا. أما السكان السود والملونون فكان ردهم: “هذا ما كنا نعيشه منذ زمن طويل”.
في خضم هذه الأزمة، نشأت موجة تضامن غير مسبوقة.. نظمت جماعات دينية يهودية ومسيحية صلوات مشتركة وجمعت خلال شهر واحد مليون دولار لمساعدة عائلات المهاجرين على دفع الإيجارات وشراء الطعام. كما ابتكر نشطاء أساليب احتجاج ساخرة أربكت السلطات الفيدرالية.
في المقابل، تكبدت المدينة خسائر اقتصادية كبيرة. فقد خسرت الشركات الصغيرة عشرات الملايين من الدولارات، وفقد العمال ملايين أخرى من الأجور، وارتفع عدد الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي.
ومع ذلك، حدث شيء غير متوقع، فقد أسهمت الأزمة في إعادة بناء جسور الثقة داخل المجتمع، خصوصاً بعد الانقسامات التي خلفها مقتل جورج فلويد عام 2020. كما قال عمدة مينيابوليس جاكوب فراي: لم تكن هذه مجرد حركة مقاومة، بل كانت تعبيراً عن مبدأ أبسط وأعمق: “أحب جارك”.
في النهاية، ما حدث في مينيسوتا ليس مجرد قصة محلية، إنه نموذج مصغر للتحدي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم: هل تستطيع تحويل تنوعها المتزايد إلى قوة توحيدية بدلاً من أن يكون سبباً للانقسام؟
إذا استطاعت مينيسوتا تحقيق ذلك، فربما تستطيع أمريكا أيضاً، وإذا استطاعت أمريكا تحقيقه، فقد يصبح هذا أعظم ما تقدمه للعالم في القرن الحادي والعشرين، تماماً كما كانت الديمقراطية قبل قرنين.
لأن الحقيقة اليوم، كما يقول صديقي دوف سيدمان، أن الاعتماد المتبادل بين البشر لم يعد خياراً، بل أصبح واقعاً. وكل التحديات الكبرى التي تواجه العالم -من الذكاء الاصطناعي إلى تغير المناخ والهجرة والأوبئة- تتطلب تعاوناً عالمياً غير مسبوق.
وفي مينيسوتا رأيت تلميحاً بسيطاً إلى كيف يمكن أن يبدأ ذلك: من الجيرة، من كلمة صغيرة اسمها “نحن”.