بث تجريبي

سيناء ضفائر الآمال والآلم قرأة فى فكر جمال حمدان

ثقافة - د. سحر حسن أحمد
د. سحر حسن أحمد
باحثة في التاريخ الحديث والمعاصر

سيناء هى أرض الميعاد ، سيناء هى أرض البطولات والأمجاد ، لا شك أن من يزور سيناء وتطأ قدماه تلك الأرض المقدسة إلا وينتابه إحساس بأنها قطعه من روحه ، فمن منا لم يذهب إلى سيناء التى خُضبت كل حبة رمل منها بدماء المصريين . ولا غرو أن سيناء – المدخل الشرقى لمصر – هى أهم وأخطر بوابة لها ؛ إذ تقع شبة جزيرة سيناء بين ذراعى البحر الأحمر إلى شرقى دلتا النيل ، وشمال غربى بلاد العرب ، إلى الغرب والجنوب الغربى لشرق الأردن وفلسطين وسوريا ( بلاد الشام) . بهذا ، تُعد سيناء نقطة اتصال بين الجنوب الغربى لقارة آسيا والشمال الشرقى لقارة إفريقيا ، ومن ثم فإن نتيجة هذا التنوع فى الموقع تنوعت ثرواتها أيضاً .

وعن أهمية سيناء فترتبط أهمية المنطقة كطريق للموصلات بموقعها الجغرافى وتزيد أهميتها أو تنقص تبعاً للبيئة الجغرافية وكذلك تبعاً لما يكون لتلك المنطقة ذاتها من أهمية تجعل الاتصال مقصوداً لذاته أو تجعلها مقصورة على مجرد المرور بها إلى غاية أخرى خارج حدودها . ولم تقتصر أهمية سيناء على كونها من أهم طرق الموصلات بل كان دوماً يحدث الإغارة على دلتا النيل من خلالها ؛ إذ كان البدو يقطعون شبة الجزيرة ليغيروا على دلتا مصر الغنية فى شكل موجات فردية أو جماعات قليلة ، أو فى صورة غزوات كبيرة منظمة مثل " غزو الهكسوس لمصر .

كما لم يقتصر الأمر على مرور الغزاة والبدو والرعاة ، ولكن شبة جزيرة سيناء شهدت - منذ أقدم الأزمان وفى العصور الوسطى وحتى فى التاريخ الحديث- غزوات جيوش منظمة ، حتى أن مصر نفسها كثيراً ما اتخذتها طريقاً لتوسعتها الخارجية ،  من قبيل . حين يشتد البأس بمصر فتمد نفوذها على بلاد الشام وتبسط سلطانها على أراضى الجزيرة وتخضع الأشوريين والبابليين . وكذلك عندما قام رمسيس الأكبر ( من ملوك الأسرة التاسعة عشرة) بتأديب واخضاع الحيثيين إلى مصر عن طريق سيناء . وحتى فى أثناء حكم الإسكندر والبطالسة ومن بعدهم فى حكم المماليك والعثمانيين ظلت حركة الجيوش مستمرة عبر شبه جزيرة سيناء من مصر وإليها ، وإذا جاءنا إلى عصر محمد على فقد قام بتوسعاته الخارجية وصولاً إلى بلاد الأناضول عن طريقها . وحين وقعت مصر تحت نير الاحتلال البريطانى أصبحت سيناء حلقة الوصل بينها وبين أملاك الدولة العثمانية – تلك الأخيرة التى حاولت الاستيلاء على جزء من سيناء ( أزمة طابا 1906 ) ولم تفلح – وفى عصر الرئيس الراحل عبد الناصر شنت إسرئيل الحرب على مصر من خلاها واستولت على الضفة الشرقية فى النكسة عام 1967.

وقد أكد المحافظ الأسبق لسيناء جارفس بك فى مقدمة كتاب له عن شبة جزيرة سيناء على أهميتها الحربية إذ  صور تلك الأهمية فى كونها خط الدفاع عن حدود مصر الشرقية . ولما تم حفر قناة السويس تغير الوضع وأصبح خط الدفاع هو القناة .

هذا من جانب أهميتها الحربية أما أهميتها كطريق تجارى فكانت من أهم الطرق لمرور القوافل التجارية ونقل البضائع بين قارتىّ آسيا وإفريقيا وكان بها الكثير من الموانى من قبيل ، ميناء القلزم ، ميناء السويس ، ميناء الطور ، ميناء عيذاب، ميناء القيصر . وهناك أهمية أخرى لسيناء ألا وهى ، أن سيناء من أقدم طرق الحج. فكان الحج من قفط أو قوص بالنيل إلى ميناء عيذاب أو القيصر على البحر الأحمر ومنها إلى ميناء جده فى بلاد الحجاز أو بالسفن الشراعية من السويس إلى ميناء جدة وكان هناك طرق أخرى فى سيناء كطريق درب الحج .

وأخيراً لاننسى أن سيناء كانت ومازالت تحمل الكثير من الآثار مثل نقوش سرابيط الخادم والمغارة ، ودير سانت كاترين ، وقصة سيدنا موسى واليهود بدءً بالبعث وانتهاءً بالخروج وبها عيون موسى – حمام فرعون – جبل موسى – جبل المناجاة – هضبة التيه...... الخ .

وعودة إلى بدء ، السؤال الذى يطرح نفسة لماذا كتابات جمال حمدان ؟ فالإجابة تكمن فى أهمية ما كتب حمدان عن سيناء ، فقد تناول سيناء من الجانب الاستراتيجى ، وهذا يُعد من أهم ما كُتب عن سيناء ؛ إذ يمتلك رؤية استرتيجية متكاملة للمقومات الكلية لكل تكوين جغرافى وبشرى وحضارى ، وكذلك رؤية للتكوينات وعوامل قواتها وضعفها . كما أنه لم يتوقف عند تحليل الأحداث بل كان لدية بعد مستقبلى وقدرة على استشراق المستقبل . ولكن اسمحوا لى أن أطرح سؤلاً أخر ، من هو صاحب تلك الرؤية ؟ إنه جمال محمود صالح حمدان ، وهو من أهم علماء الجغرافيا بمصر . ابن قرية ناى بمحافظة القليوبية ، وُلدَّ فى 4 فبراير 1928.

يُعد حمدان أحد أبرز المثقفين المسلمين الذين برعوا فى توظيف أبحاثهم ودراساتهم من أجل خدمة قضايا الأمة . وعلى الرغم من هذا فقد عانى جمال  من التجاهل والنسيان لأكثر من ثلاثين عاماً قضاها منزوياً فى شقته الضيقة يُنقب ويُحلل ويُعيد تركيب الوقائع والبديهيات وعندما مات بشكل مأساوى بدأ الحديث عن قدرته الهائلة والخارقة على التفرغ للبحث والتأليف بعيداً عن مغريات الحياة، كما لو كان هذا الانزواء قراراً اختيارياً وليس عزلة فُرضت علية نتيجة مواقفه الوطنية ، وعدم قدرة المؤسسات الفكرية والمثقفين العرب على التعامل والتعاطى مع أفكاره التى كانت سابقة لعصره بزمان طويل . لذا قدم لنا جمال حمدان العديد والعديد من المؤلفات فنجده أنتج حوالى 29 كتاب و79 بحثاً ومقالة . وكان على رأس هذه المؤلفات كتابه الفريد من نوعه " شخصية مصر .. دراسة فى عبقرية المكان والزمان"  والذى تناول فى مقدمته نظرته لعلم الجغرافيا ؛ إذ شكَّل بمفرده مدرسة راقيه فى التفكير الاستراتيجى المنظم ، حيث مزج فيه بصورة غير مسبوقة مابين علم الجغرافيا وعلوم التاريخ والاقتصاد والسياسة ليُخرج لنا مكوناً جديداً اسماه " جغرافيا الحياة " . هذا ، كما أبان أن علم الجغرافيا هو علم بمادتها وفن بمعالجتها وفلسفة بنظريتها . وتلك الرؤية ثلاثية الأبعاد فى التعامل مع الظواهر الجغرافية تنقل علم الجغرافيا من دور المعرفة إلى دور التفكير ومن جغرافيا الحقائق الثابته إلى جغرافيا الأفكار الرفيعة . ومن ثم نجد أن الجغرافيا هى عين التاريخ المبصرة وأن التاريخ هو عين الجغرافيا المبصرة.

ولاغرو أن كاتب كجمال حمدان حظى بالعديد من الجوائز داخل مصر وخارجها ؛ إذ حصل على جائزة الدولة التشجعية فى العلوم الاجتماعية فى عام 1959 ، وجائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية فى عام 1986، وكذلك وسام  العلوم من الطبقة الأولى عن كتاب شخصية مصر فى عام 1988 . وجائزة التقدم العلمى فى عام 1992 من دولة الكويت . كما أنه تم ترشيحه لأكثر من منصب ولكنه رفض كل ما عُرض عليه مُفضلاً التفرغ للبحث العلمى .

وإذا تحدثنا عن وفاته فقد مات حمدان عن عمر يُناهز الخمس وستين عاماً أثر حريق اندلاع فى شقته فى 13 أبريل 1993 ، لكن تقرير الطب الشرعى أثبت أنه لم يمت نتيجة الحريق ولم يمت مختنقاً بالغاز ، كما اكتشف المقربون له اختفاء مسودات بعض الكتب التى كان بصدد الانتهاء من  تأليفها وعلى رأسها ثلاثة كتب عن اليهودية والصهيونية والعالم العربى ، لذا هناك شك كبير بأن الوفاة كانت بفعل فاعل.

ومن ثم فعندما يتحدث جمال حمدان عن سيناء فى كتابه شخصية مصر فى فصله العاشر ، ثم يُنشر بعد ذلك فى كتاب منفصل بذاته تحت عنوان سيناء - فى دار الهلال - ، ثم يُطوره هو فيما بعد ويُعيد نشره تحت عنوان "سيناء فى الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا " الذى نشرته مكتبة مدبولى . فهذا يُبين أهمية سيناء لدى حمدان والتى سوف نوضحها من خلال ما كتبه.

لا شك أن سيناء بوابة مصر الشرقية أو المدخل الشرقى لها هى بوابة الأمن القومى المصرى ، إذ كانت مصدر كل الغزوات والحملات العدوانية التى تعرضت لها مصر ، فهى منطقة فريدة من نوعها فريدة فى مناخها ، فريدة فى طبيعتها ، فريدة فى موقعها . كما أنها تمتلك المصدر الأول لثروة مصر المعدنية والبترولية ، كما أنها تُعد أيضاً من أكبر كنوز السياحة فى مصر ، حيث يتوفر فيها جميع أنواع السياحة ( الدينية ، الثقافية ، التاريخية، العلاجية ، الترفهية........الخ ) .  

وتكمن أهمية سيناء من وجهة نظر جمال حمدان فيما ذكره هو " فإذا عدنا لنضع المدخل الشمالى تحت عدسة مكبرة ، فسنجد أنه إن يكن مثلث سيناء هو العقدة التى تلحم إفريقيا بآسيا ، فإن المثلث الشمالى منها والذى يحده جنوباً الخط من السويس إلى رفح بالتقريب هو حلقة الوصل المباشر بين مصر والشام ، وبمزيد من التحديد فإن المستطيل القاعدى الشمالى والواقع إلى الشمال من خط عرض 30 درجة تقريباً ، هو إقليم الحركة والمرور والوصل بامتياز . فى حين أن المثلث الجنوبى أسفل هذا الخط هو منطقة العزلة والالتجاء والفصل . فالأول يحمل شرايين الحركة والمحورية والحبل السرى بين القارتين ، والثانى منطقة الطرد التى آوت إليها بعض العناصر المستضعفة المضطهدة " . كما أوضح فى موضع آخر " إنها المفصل أو المفصلة أو العقدة الطبيعية التى تلحم أفريقيا بآسيا " .

ومن هنا يتضح رؤية حمدان المستقبلية التى كتبها منذ زمن بعيد ، والتى تشابهت مع ما يحث الأن فى التجاء بعض العناصر الإرهابية إلى سيناء وتنفيد أعمال إجرامية – تحت ستار الدين وبمساندة دولية كبرى من قبل الطامعين فيها – لفصل شبة جزيرة سيناء عن مصر الوطن الأم ، وهذا ما يحدث الآن فى سيناء . لذا نادى حمدان بل أكد على ضرورة تعمير سيناء كى لانتركها للمستغلين والطامعين ؛ إذ " إنه التعمير . نعم ، التعمير البشرى والتبشير العمرانى ، فالفراغ العمرانى هو وحده الذى يُشجع الجشع ويدعو  الأطماع الحاقدة إلى ملء الفراغ ، لذا فهناك إجماع تام على ضرورة نقل الكثافة السكانية المكتظة فى الوادى إلى أطراف الدولة وحددها بما فيها وعلى ر أسها سيناء، إن التعمير هو التمصير" . وكان حمدان محق فى هذا فتعمير سيناء هو الحل الأمثل للحفاظ عليها ، وخاصة أنها تختزل فى جيلوجيتها جيلوجية مصر كلها.

وهناك إشكالية تُجدد نفسها بين الحين والآخر عن كون سيناء آسيوية أم إفريقية ، فقد حسم حمدان الرد عليها علمياً ، إذ ذكر " إن سيناء على المستوى الطبيعى إفريقية أكثر مما هى آسيوية ، ومصرية أكثر وأكثر منها عربية " وأضاف " إن مصر كما هى فى إفريقيا بالجغرافيا فإنها فى آسيا بالتاريخ" كما أشار فى موضع آخر " إن سيناء إنما هى امتداد أو تصغير لصحراء مصر الشرقية أكثر مما هى امتداد أو تصغير للجزيرة العربية ، وهى أقرب فى الجيولوجيا والطبوغرافيا والمناخ والمياة والنبات إلى الأولى منها إلى الثانية ، فلا هى جزء لا يتجزأ من قارة آسيا ولا هى من بلاد العرب أو شبة القارة العربية .... فسيناء جغرافياً وتاريخياً جزأ لا يتجزأ قط من صميم التراب الوطنى والوطن الأب – قد تكون غالباً أو دائماً أرض رعاه – ولكنها قط لم تكن أرضاً بلا صاحب ، فمنذ فجر التاريخ وسيناء مصرية  " إلى أن يُضيف " إن تراب سيناء قد امتزج بالدم المصرى المدافع ، ربما أكثر من أى رقعة أخرى مماثلة من التراب الوطنى ، وحيث كان ماء النيل يروى الوادى كان الدم المصرى يروى رمال سيناء". إذاً فإن حمدان حسم تلك القضية كما أشار بإنها مصرية صميمة .

أما عن كون سيناء أخطر وأهم بوابة لمصر ( بوابة الأمن القومى المصرى)، فقد تحدث حمدان " إن من يُسيطر على فلسطين يُهدد خط دفاع سيناء الأول ، ومن يُسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط يتحكم فى سيناء ، ومن يُسيطر على سيناء  يتحكم فى خط دفاع مصر الأخير ، ومن يُسيطر على خط دفاع مصر الأخير يُسيطر على الوادى " ، ولذا نؤكد على ما قاله حمدان فى  ضرورة الحفاظ على سيناء والدفاع عنها لأن الدفاع عنها يُعنى الدفاع عن مصر كلها .

كما وصفها حمدان " بإنها ليست صندوق من الرمال كما يتوهم البعض ، إنما هى صندوق من الذهب ، مجازاً كما هى حقيقة ، استرتيجياً كما هى اقتصادياً ، فمنذ الفراعنة وكانت منجم مصر للذهب والمعادن النفيسة ، وهى الآن بئر بترولها الكبرى والثمينة أى صندوق من الذهب الاسود بالفعل ، وأما استرتيجيا فإن من المهم أن نُدرك  أن سيناء ليست مجرد فراغ أو حتى عازل ، إنها عمق جغرافى وإنذار مُبكر يمكن أن نشترى فيه الزمان بالمكان ، إنها ككل للدفاع عن مصر الدلتا والوادى" .

قد يؤخد على حمدان ملحظتىِّ ، الأولى اعتماده على مراجع قديمه بعض الشئ ، إذ أن أقرب المراجع التى اعتمد عليها ترجع إلى الستينيات . كما أن أغلبها يعود إلى العشرينيات والثلاثينيات ، وهذا يُعد نقص . والثانية ، أن حمدان كان يُشير فى مقدمه كتابه شخصية مصر فى أكثر من موضع من الجزء الأول إلى أهمية الدراسات الميدانية بالنسبة لعالم الجغرافيا ، كما أشار إلى أن الدراسات النظرية فقط تكون ناقصة ، وقد تُعطى انطباعاً مخالفاً للواقع ، وعلى الرغم من ذلك لم يقم هو بذلك بالنسبة لسيناء وهذا أيضاً يُعد نقص.

وفى كلمة أخيرة ، وكما قالوا سيناء أكبر من صحراء أو أرض مقدسة أو مصدر من مصادر السياحة أوحتى ثلث مساحة مصر . سيناء هى الحامية الأساسية للأمن القومى المصرى وضياعها أو وقوعها فى يد قوى معادية هو الخطر الأعظم على مصر .