مضيق هرمز بين استمرار الملاحة وتصاعد المخاطر: هل تعكس حركة السفن تراجعاً فعلياً في تدفقات الطاقة؟

تقارير وملفات - Foresight

لا تبدو حركة الملاحة في مضيق هرمز متوقفة، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تجري بالوتيرة التي كانت عليها قبل اندلاع الحرب. وتكشف البيانات المتاحة عن واقع أكثر تعقيداً من ثنائية «المضيق مفتوح» أو «المضيق مغلق»: فالسفن لا تزال تعبر الممر المائي الاستراتيجي، وإمدادات النفط والغاز ما زالت تتحرك، لكن عدد العابر منها تراجع بصورة ملحوظة، بالتزامن مع ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية التي تواجه الناقلات.

وتشير بيانات حركة السفن إلى أن عدد السفن التي عبرت المضيق الأربعاء بلغ نحو 10 سفن، وهو ارتفاع طفيف مقارنة باليوم السابق، لكنه يظل أقل بكثير من مستويات تجاوزت 20 سفينة يومياً في بداية الأسبوع. كما سجلت حركة الدخول إلى المضيق تفوقاً على حركة الخروج خلال اليومين الماضيين، وهي إشارة تستحق المتابعة في ضوء طبيعة التدفقات التجارية والطاقة عبر هذا الممر.

وتعطي بيانات مجموعة بورصات لندن صورة مشابهة عن انخفاض النشاط الملاحي؛ إذ سجلت 8 سفن فقط عبرت المضيق الثلاثاء، موزعة بالتساوي بين السفن الداخلة والخارجة، مقارنة بـ14 سفينة في اليوم السابق. وكان من بينها خمس ناقلات نفط وناقلة للغاز الطبيعي المسال جرى تحميلها في رأس لفان بقطر وكانت متجهة إلى ميناء قاسم في باكستان.

غير أن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر. فبيانات أنظمة التتبع البحري لا تعكس بالضرورة جميع حركة السفن، إذ يمكن لبعض السفن إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بنظام التعرف الآلي، ما يجعلها خارج نطاق الرصد المباشر. وبالتالي، فإن انخفاض السفن المرصودة لا يعني بالضرورة انخفاضاً مماثلاً في إجمالي الحركة الفعلية.

الملاحة مستمرة.. لكن تكلفة المخاطر ترتفع

في المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأمريكية أن حركة الملاحة لا تزال مستمرة عبر المضيق، وأن التجارة وإمدادات الطاقة تواصل المرور من خلاله. ووفق الرواية الأمريكية، لا تتطابق هذه الصورة مع التصريحات الإيرانية التي تتحدث عن إغلاق المضيق أو فرض سيطرة كاملة عليه.

لكن استمرار المرور لا يعني أن الوضع عاد إلى طبيعته. فالمؤشر الأهم في المرحلة الحالية قد لا يكون مجرد عدد السفن التي تعبر هرمز، وإنما مستوى المخاطر التي ترافق هذا العبور.

وتشير مصادر متخصصة في الأمن البحري إلى أن الهجمات على الناقلات خلال الأسبوع الماضي وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب. وفي أحدث الوقائع، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض ناقلة لهجوم بمقذوفات على بعد نحو 51 ميلاً بحرياً شمال مدينة الشمال القطرية، مع ورود تقارير عن إصابات.

وتضع هذه التطورات حركة الطاقة الخليجية أمام معادلة صعبة: فالدول المنتجة لديها مصلحة في الحفاظ على تدفق صادراتها، بينما يؤدي ارتفاع المخاطر الأمنية إلى زيادة الضغوط على شركات الشحن والناقلات والتأمين، وقد يدفع بعض المشغلين إلى إعادة تقييم مساراتهم أو توقيتات رحلاتهم.

أهمية هرمز تتجاوز أرقام السفن

تكمن حساسية الوضع في أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري مزدحم، بل أحد أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة العالمية. فقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير، كانت تمر عبره يومياً نحو 125 سفينة تجارية كبيرة، بينها ناقلات النفط والغاز وسفن الحاويات والبضائع السائبة.

والأهم أن الشحنات العابرة للمضيق كانت تمثل نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال. لذلك، فإن أي اضطراب مستدام في حركة الملاحة لا يبقى تأثيره محصوراً في منطقة الخليج، وإنما يمكن أن يمتد إلى أسواق الطاقة العالمية وأسعار الشحن والتأمين وتكاليف النقل.

ومن هنا، فإن الانخفاض الحاد في عدد السفن المرصودة لا ينبغي تفسيره منفرداً باعتباره دليلاً على انقطاع صادرات الطاقة. فالأرقام الحالية تشير إلى استمرار التدفقات، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن تحول في طبيعة التشغيل الملاحي: حركة أقل، مخاطر أعلى، وضرورة أكبر لمراقبة المسارات والناقلات والبيانات الفعلية للصادرات.

الخلاصة: المضيق لم يُغلق، لكنه لم يعد يعمل في الظروف نفسها

الصورة التي ترسمها البيانات المتاحة أكثر دقة من القول إن مضيق هرمز «مغلق» أو «يعمل بصورة طبيعية». فالملاحة مستمرة، وبعض شحنات النفط والغاز تواصل عبور المضيق، لكن حجم الحركة المرصودة انخفض بصورة كبيرة عن مستويات ما قبل الحرب، في وقت تصاعدت فيه الهجمات والمخاطر الأمنية.

وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي أمام أسواق الطاقة لا يتمثل فقط في احتمال توقف المضيق، وإنما في مدى قدرة منظومة الشحن على الحفاظ على تدفق الطاقة تحت ظروف أمنية أكثر خطورة. وإذا استمرت هذه البيئة لفترة طويلة، فقد تصبح تكلفة المخاطر نفسها عاملاً مؤثراً في حركة التجارة وأسعار الطاقة، حتى من دون حدوث إغلاق رسمي للمضيق.

وهنا تكمن أهمية متابعة ثلاثة مؤشرات بالتوازي: عدد السفن العابرة، حجم شحنات النفط والغاز الفعلية، ومستوى الهجمات والمخاطر الأمنية. فاجتماع هذه المؤشرات هو الذي سيحدد ما إذا كان التراجع الحالي في حركة الملاحة يمثل اضطراباً مؤقتاً أم بداية تحول أكثر عمقاً في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.