انفجارات في الخرطوم وتصاعد حرب المسيّرات في السودان

تقارير وملفات - شبكة الاستشراف

هزّت انفجارات قوية العاصمة السودانية الخرطوم، السبت، وسط أنباء عن تصاعد أعمدة الدخان من محيط منشأة عسكرية شمال مدينة بحري، في وقت تشهد فيه جبهات القتال بإقليمي دارفور وكردفان تصعيداً متزايداً في استخدام الطائرات المسيّرة، بالتزامن مع تقارير عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في هجمات طالت مناطق مدنية وأسواقاً ومنشآت اقتصادية.

ويأتي هذا التصعيد في ظل اتساع نطاق العمليات الجوية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، مع تزايد الاعتماد على المسيّرات بعيدة المدى لاستهداف المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية، بما يعكس تحولاً متزايداً في طبيعة الحرب من المواجهات المباشرة إلى الضربات الجوية التي تمتد آثارها إلى مناطق بعيدة عن خطوط القتال التقليدية.

انفجارات في محيط منشأة عسكرية شمال بحري

وأفاد شهود عيان بسماع دوي انفجارات في مناطق متفرقة من ولاية الخرطوم، مشيرين إلى تصاعد أعمدة الدخان من محيط سلاح الأسلحة التابع للجيش السوداني في منطقة الكدرو، شمال مدينة بحري.

ولم يصدر تعليق رسمي فوري بشأن أسباب الانفجارات أو طبيعة الأضرار الناجمة عنها، بينما تداولت منصات التواصل الاجتماعي روايات عن احتمال تعرض الموقع لهجوم بطائرة مسيّرة، من دون تأكيد مستقل لهذه المعلومات.

ويأتي الحادث في وقت كثفت فيه «قوات الدعم السريع»، خلال الأشهر الماضية، استخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى لاستهداف مواقع عسكرية ومطارات ومنشآت تابعة للجيش، بما في ذلك أهداف داخل العاصمة الخرطوم.

ويشير اتساع نطاق هذه الهجمات إلى استمرار قدرة طرفي الحرب على نقل المواجهة إلى مناطق تتجاوز خطوط الاشتباك المباشر، بما يزيد الضغوط الأمنية على المدن والمنشآت الحيوية.

غارات جوية على مواقع «الدعم السريع» في نيالا

وفي إقليم دارفور، أعلن الجيش السوداني تنفيذ غارات جوية مكثفة استهدفت مواقع عسكرية ومراكز قيادة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، مؤكداً أن الضربات أسفرت عن مقتل العشرات من عناصر القوات وتدمير عدد من مراكز القيادة.

وقال مكتب المتحدث الرسمي باسم الجيش، في بيان صدر ليل الجمعة ـ السبت، إن القوات الجوية نفذت «ضربات مركزة» على تمركزات «الدعم السريع» داخل المدينة، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية ضد تجمعاتها ومراكز قيادتها.

ونشر الجيش، عبر صفحته على «فيسبوك»، صوراً قال إنها توثق غارات استهدفت ثلاثة مواقع تابعة للقوات في نيالا، من دون توفر تحقق مستقل من حصيلة الخسائر المعلنة.

وتكتسب هذه الضربات أهمية خاصة بالنظر إلى أن «قوات الدعم السريع» تتخذ من نيالا مقراً لحكومتها الموازية، ما يجعل استهداف مواقع القيادة فيها تطوراً لافتاً في مسار المواجهة بين الطرفين، سواء على المستوى العسكري أو في ما يتعلق بمحاولة إضعاف البنية الإدارية والعسكرية للقوات في مناطق نفوذها.

اتهامات بقصف سوق للمواشي وسقوط ضحايا

في المقابل، اتهم تحالف «تأسيس»، الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الجيش السوداني بشن غارات جوية استهدفت سوقاً للمواشي في مدينة نيالا، الجمعة، في هجوم قالت مصادر محلية وشهود عيان إنه أسفر عن مقتل أكثر من 30 شخصاً وإصابة عشرات آخرين.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من حصيلة الضحايا أو ملابسات الهجوم، كما لم تتوافر معلومات مستقلة كافية لتحديد طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف.

وتعكس هذه الاتهامات تصاعد المخاوف بشأن امتداد الضربات الجوية إلى الأسواق والتجمعات المدنية، في ظل استمرار العمليات العسكرية وصعوبة وصول فرق التحقق والإغاثة إلى عدد من المناطق المتضررة.

ويزيد تكرار الاتهامات المتبادلة بشأن استهداف المدنيين من تعقيد المشهد الإنساني، خصوصاً مع تضرر المرافق العامة وتعطل الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من البلاد، فيما تبقى الحاجة ملحة إلى التحقق من الوقائع ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تثبتها التحقيقات المستقلة.

هجوم بمسيّرة على سوق لتعدين الذهب في جنوب كردفان

وفي تطور موازٍ، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية، وهي مؤسسة حكومية، تعرض سوق منجم باجون لتعدين الذهب في ولاية جنوب كردفان لهجوم بطائرات مسيّرة، الجمعة، متهمة «قوات الدعم السريع» بتنفيذه.

وقالت الشركة، في بيان نشرته على «فيسبوك»، إن الهجوم تسبب في أضرار مادية جسيمة، موضحة أن التقارير الأولية لم تسجل سقوط قتلى أو مصابين.

وأضافت أنها تتابع تداعيات الهجوم بالتنسيق مع الجهات المختصة لحصر الخسائر وتقييم الأضرار التي لحقت بالسوق.

ويأتي استهداف سوق التعدين في وقت تشهد فيه ولاية جنوب كردفان تصاعداً في المواجهات البرية والهجمات الجوية، بالتزامن مع سعي طرفي الحرب إلى تعزيز مواقعهما والسيطرة على مناطق استراتيجية ومصادر اقتصادية مهمة.

ويثير استهداف منشآت التعدين مخاوف من اتساع التداعيات الاقتصادية للحرب، خصوصاً في المناطق التي يعتمد سكانها على التعدين الأهلي والتجارة المرتبطة به مصدراً للدخل. كما قد يؤدي تضرر هذه الأنشطة إلى زيادة الضغوط المعيشية على المجتمعات المحلية التي تواجه أصلاً تراجعاً في الخدمات وفرص العمل.

المسيّرات توسع دائرة الخطر على المدنيين

ويأتي التصعيد الأخير بعد أيام من تقارير عن غارات استهدفت مناطق للتعدين الأهلي في أقصى شمال السودان، قرب الحدود المصرية، وسط أنباء عن سقوط عشرات الضحايا، في تطور أعاد تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه العاملين في قطاع التعدين التقليدي.

وخلال الأشهر الماضية، أصبحت الطائرات المسيّرة الاستراتيجية والانتحارية من أبرز أدوات القتال في الحرب السودانية، مع اعتماد الطرفين المتزايد عليها لتنفيذ ضربات ضد أهداف بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة.

ولم تعد الهجمات مقتصرة على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى مناطق مدنية في دارفور وكردفان، حيث تعرضت أسواق ومستشفيات ومدارس ومنشآت خدمية للقصف، وسط تحذيرات أممية متكررة من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.

ووثقت الأمم المتحدة هجمات متعددة باستخدام المسيّرات أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين خلال الأشهر الماضية، في مؤشر إلى اتساع رقعة المناطق المعرضة للقصف وتزايد صعوبة حماية السكان في ظل استمرار العمليات العسكرية.

ويثير هذا التحول تساؤلات بشأن قدرة الأطراف المتحاربة على الحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين، ولا سيما في المناطق التي تتداخل فيها الأهداف العسكرية مع الأسواق والتجمعات السكانية والمنشآت الاقتصادية.

تصعيد عسكري وتداعيات إنسانية متفاقمة

وتكشف التطورات المتزامنة في الخرطوم ونيالا وجنوب كردفان عن اتساع رقعة العمليات الجوية وتعدد الأهداف التي تطالها الضربات، في وقت يسعى فيه كل طرف إلى إضعاف قدرات خصمه وتعزيز سيطرته الميدانية.

وفي حين يعلن الجيش استهداف مراكز القيادة والتمركزات العسكرية لـ«قوات الدعم السريع»، تتواصل الاتهامات بشأن وقوع هجمات على أسواق ومناطق مدنية ومنشآت اقتصادية، وسط صعوبات في التحقق المستقل من كثير من الوقائع والحصائل.

ومع استمرار الاعتماد على المسيّرات بعيدة المدى، تتزايد المخاطر التي تواجه المدنيين حتى في المناطق البعيدة عن خطوط القتال المباشرة، فيما تضيف الأضرار التي تلحق بالأسواق ومنشآت التعدين والخدمات الأساسية أعباء اقتصادية جديدة إلى الأزمة السودانية.

وفي ظل غياب مؤشرات واضحة على تراجع التصعيد، تبقى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية والتحقق المستقل من الهجمات المبلغ عنها من أبرز التحديات، بالتوازي مع الحاجة إلى تحرك يحد من استهداف المناطق السكنية والمنشآت المدنية ويمنع اتساع دائرة الحرب وتداعياتها.