طالبان وأوروبا: من العزلة إلى البراغماتية
مثّلت الزيارة غير المسبوقة التي قام بها وفد من حركة طالبان إلى بروكسل في يونيو 2026 محطة سياسية لافتة تتجاوز في دلالاتها مسألة الخدمات القنصلية أو ترتيبات إعادة المهاجرين الأفغان من أوروبا. فالحدث، الذي وصفته طالبان بأنه "تاريخي"، يعكس تحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والسلطات الحاكمة في أفغانستان، كما يكشف عن بداية مرحلة جديدة من البراغماتية السياسية التي تدفع الطرفين إلى تجاوز كثير من الاعتبارات الأيديولوجية السابقة لصالح حسابات الأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يرفض الاعتراف الرسمي بحكومة طالبان التي عادت إلى السلطة في أغسطس 2021، فإن مجرد استقبال ممثلين عنها في بروكسل وإجراء محادثات مباشرة معهم يكشف عن فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي الأوروبي والمقتضيات العملية التي فرضتها التطورات الميدانية خلال السنوات الخمس الماضية.
من العزلة الدولية إلى فرض الأمر الواقع
عندما سيطرت طالبان على كابول عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في أغسطس 2021، ساد اعتقاد واسع بأن الحركة ستواجه عزلة دولية طويلة الأمد بسبب سجلها في قضايا حقوق الإنسان وحقوق المرأة والحريات السياسية. وبالفعل، امتنعت معظم الدول الغربية عن الاعتراف بالحكومة الجديدة، كما جُمدت أصول مالية أفغانية بمليارات الدولارات وفرضت قيود واسعة على التعامل الرسمي مع سلطات كابول.
إلا أن السنوات اللاحقة أثبتت أن عزل طالبان بالكامل لم يكن خياراً عملياً بالنسبة للمجتمع الدولي. فالحركة أصبحت السلطة الفعلية المسيطرة على دولة يزيد عدد سكانها على أربعين مليون نسمة، وتقع في موقع جيوسياسي بالغ الأهمية يربط جنوب آسيا بآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
ومع مرور الوقت، انتقلت العديد من الدول الغربية من سياسة المقاطعة الكاملة إلى سياسة الانخراط المحدود. فقد فتحت الأمم المتحدة وقنوات أوروبية وأمريكية مختلفة مسارات اتصال مباشرة مع سلطات كابول لإدارة ملفات المساعدات الإنسانية والأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة. كما استضافت الدوحة خلال السنوات الماضية عدة اجتماعات دولية شاركت فيها طالبان إلى جانب الأمم المتحدة وقوى دولية كبرى، في مؤشر واضح على أن المجتمع الدولي بات يتعامل مع الحركة بوصفها سلطة أمر واقع يصعب تجاوزها.
طالبان والبحث عن الشرعية الوظيفية
تدرك طالبان أن الاعتراف الرسمي من الدول الغربية لا يزال هدفاً بعيد المنال، لكنها في المقابل نجحت تدريجياً في تحقيق ما يمكن تسميته بـ"الشرعية الوظيفية". فالعالم لا يعترف بها سياسياً، لكنه يتعامل معها يومياً في ملفات الأمن والتجارة والمساعدات الإنسانية والهجرة.
ومن هذا المنطلق، تنظر الحركة إلى ملف الخدمات القنصلية باعتباره أكثر من مجرد قضية إدارية تخص الجاليات الأفغانية في الخارج. فهو جزء من معركة أوسع تهدف إلى استعادة السيطرة على التمثيل الدبلوماسي الأفغاني في أوروبا والعالم، وإثبات أنها الجهة الوحيدة القادرة على تمثيل الدولة الأفغانية.
ولا تزال غالبية السفارات الأفغانية في أوروبا تُدار من قبل دبلوماسيين عُيّنوا قبل سقوط الحكومة السابقة، الأمر الذي تعتبره طالبان أحد أبرز مظاهر استمرار عزلتها السياسية. ولذلك فإن أي تقدم في ملف الخدمات القنصلية يمثل بالنسبة للحركة خطوة إضافية نحو تثبيت شرعيتها الدولية بشكل تدريجي.
الهجرة... المحرك الحقيقي للتقارب الأوروبي
رغم التركيز الإعلامي على البعد الدبلوماسي للزيارة، فإن ملف الهجرة يبدو العامل الأكثر تأثيراً في الحسابات الأوروبية.
فمنذ عام 2015 شكل المواطنون الأفغان إحدى أكبر مجموعات طالبي اللجوء في أوروبا، ومع عودة طالبان إلى السلطة شهدت دول الاتحاد الأوروبي موجات جديدة من طلبات اللجوء والهجرة غير النظامية.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الضغوط السياسية داخل العديد من الدول الأوروبية، خصوصاً مع صعود الأحزاب اليمينية والشعبوية في ألمانيا وفرنسا وهولندا والنمسا وإيطاليا، التي جعلت من ملف الهجرة قضية محورية في برامجها الانتخابية.
وفي هذا السياق، أصبحت مسألة إعادة المهاجرين الأفغان الذين رُفضت طلبات لجوئهم أو الذين أدينوا بجرائم جنائية تمثل أولوية متزايدة للحكومات الأوروبية. وهو ما يفسر تركيز المحادثات الأخيرة على قضايا تحديد هوية المرحلين وإصدار وثائق السفر وتنظيم عمليات العودة.
ومن ثم فإن زيارة بروكسل لا يمكن فصلها عن سعي أوروبا لإيجاد شريك عملي داخل أفغانستان يساعدها على إدارة ملف الهجرة الذي بات يمثل أحد أكبر التحديات السياسية والأمنية داخل القارة.
الاقتصاد الأفغاني: العامل الخفي وراء الانفتاح الأوروبي
إلى جانب الهجرة، يلعب الوضع الاقتصادي الأفغاني دوراً مهماً في إعادة تشكيل الموقف الأوروبي.
فمنذ عودة طالبان إلى السلطة تعرض الاقتصاد الأفغاني لهزة عميقة. وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن البلاد فقدت جزءاً كبيراً من ناتجها المحلي خلال السنوات الأولى بعد الانسحاب الأمريكي، فيما يعتمد ملايين الأفغان على المساعدات الإنسانية للبقاء.
كما تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن أكثر من نصف السكان ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية منتظمة، بينما تستمر معدلات الفقر والبطالة عند مستويات مرتفعة للغاية.
وتدرك العواصم الأوروبية أن استمرار التدهور الاقتصادي قد يؤدي إلى موجات هجرة جديدة نحو القارة، الأمر الذي يجعل دعم الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي في أفغانستان مصلحة أوروبية مباشرة، بغض النظر عن المواقف السياسية من طالبان.
المنافسة الجيوسياسية: الصين وروسيا تملآن الفراغ
لا يمكن فهم التحول الأوروبي بعيداً عن التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في أفغانستان.
فمنذ الانسحاب الأمريكي، سارعت الصين إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في البلاد، مستفيدة من احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة والليثيوم والنحاس التي تُقدر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات. كما كثفت روسيا ودول آسيا الوسطى علاقاتها مع كابول، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.
وتدرك أوروبا أن استمرار سياسة العزلة المطلقة قد يؤدي إلى خسارة أي نفوذ متبقٍ لها في أفغانستان، ويفسح المجال أمام موسكو وبكين لترسيخ حضورهما في واحدة من أكثر المناطق أهمية من الناحية الجيوسياسية.
ومن هنا يبدو الانفتاح الأوروبي المحدود جزءاً من محاولة للحفاظ على موطئ قدم سياسي ودبلوماسي في الساحة الأفغانية، وليس مجرد استجابة لقضايا الهجرة أو الخدمات القنصلية.
مكافحة الإرهاب... أولوية غربية مستمرة
رغم تراجع الاهتمام الإعلامي بالملف الأفغاني، لا تزال العواصم الغربية تنظر إلى أفغانستان باعتبارها ساحة مهمة في الحرب العالمية على الإرهاب.
فبعد الانسحاب الأمريكي برز تنظيم "داعش – ولاية خراسان" باعتباره أحد أخطر التهديدات الأمنية في البلاد، ونفذ سلسلة من الهجمات الدموية ضد أهداف حكومية ومدنية.
ورغم نجاح طالبان في الحد من بعض أنشطة التنظيم، فإن الأجهزة الأمنية الغربية لا تزال تتعامل بحذر مع احتمال عودة الجماعات المتطرفة إلى استغلال الأراضي الأفغانية لتهديد المصالح الدولية.
ولهذا فإن الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة مع سلطات كابول أصبح يُنظر إليه في أوروبا والولايات المتحدة باعتباره ضرورة أمنية، وليس مجرد خيار دبلوماسي.
أوروبا بين المبادئ والضرورات
تكشف محادثات بروكسل عن معضلة حقيقية تواجه الاتحاد الأوروبي. فمن ناحية، لا تستطيع المؤسسات الأوروبية تجاهل الانتقادات المتعلقة بحقوق المرأة والتعليم والحريات العامة في أفغانستان. ومن ناحية أخرى، تفرض المصالح الأمنية ومتطلبات إدارة الهجرة ومواجهة الإرهاب نوعاً من الانخراط العملي مع السلطات القائمة.
ولهذا السبب تحرص بروكسل على الفصل بين التعاون الفني والاعتراف السياسي. فالاتحاد الأوروبي يرفض حتى الآن منح طالبان شرعية رسمية، لكنه في الوقت ذاته يجد نفسه مضطراً للتعامل معها في قضايا تمس الأمن الأوروبي مباشرة.
غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن استمرار التعاون الفني لفترات طويلة غالباً ما يؤدي إلى نشوء وقائع سياسية جديدة يصعب تجاهلها لاحقاً.
هل يتجه الغرب نحو تطبيع تدريجي؟
السؤال الأهم الذي تثيره زيارة بروكسل لا يتعلق بالخدمات القنصلية أو إعادة المهاجرين فحسب، بل بمستقبل العلاقة بين الغرب وطالبان.
فخلال السنوات الخمس الماضية انتقلت الحركة من كونها خصماً عسكرياً للغرب إلى سلطة أمر واقع تدير دولة كاملة وتفرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه في قضايا الأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي.
ولا يعني ذلك أن الاعتراف الرسمي بات وشيكاً، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن سياسة العزل الكامل التي اتبعتها الدول الغربية بعد عام 2021 بدأت تتآكل تدريجياً تحت ضغط الوقائع الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية.
أخيرا، تكشف زيارة وفد طالبان إلى بروكسل عن تحول مهم في طبيعة العلاقة بين الحركة والاتحاد الأوروبي. فبينما تسعى طالبان إلى توسيع هامش شرعيتها الدولية وتعزيز حضورها الدبلوماسي، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى التعامل مع السلطة القائمة في كابول انطلاقاً من اعتبارات الأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي.
وبين حسابات الشرعية التي تبحث عنها طالبان والبراغماتية التي تحكم السلوك الأوروبي، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد لا تنتهي باعتراف سياسي كامل في المدى القريب، لكنها تؤسس تدريجياً لنمط من التعايش الدبلوماسي والتعاون العملي يفرضه الواقع أكثر مما تصنعه القناعات. وفي هذا السياق، قد تكون زيارة بروكسل أقل أهمية بوصفها حدثاً بروتوكولياً، وأكثر أهمية بوصفها مؤشراً على بداية إعادة صياغة العلاقة بين أوروبا وأفغانستان في عالم باتت تحكمه المصالح الاستراتيجية بقدر ما تحكمه المبادئ السياسية.
