بث تجريبي

تحولات السياسة الاجتماعية في إيران: قراءة في تراجع حضور شرطة الأخلاق

دراسات وأبحاث - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

أثار التراجع الملحوظ في تطبيق قواعد الحجاب الإلزامي داخل عدد من المدن الإيرانية، وفي مقدمتها العاصمة طهران، تساؤلات متزايدة حول طبيعة هذا التحول ودلالاته السياسية. فبعد سنوات ارتبط فيها الحجاب الإلزامي بكونه أحد أبرز رموز السلطة الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية، أصبح المشهد اليوم مختلفًا بصورة لافتة؛ إذ باتت أعداد متزايدة من النساء يظهرن في الأماكن العامة دون غطاء للرأس أو بملابس أكثر تحررًا، بينما تراجع الوجود الميداني للدوريات المعروفة باسم "شرطة الأخلاق"، دون أن يصاحب ذلك أي تعديل رسمي في القوانين المنظمة لهذا الملف.

ويشير هذا الواقع إلى أن التغير لا يتعلق بإلغاء الإطار القانوني، وإنما بطريقة تطبيقه، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز قضية الحجاب ذاتها، لتلامس كيفية إدارة النظام الإيراني للتوازن بين الحفاظ على شرعيته الأيديولوجية واحتواء الضغوط الاجتماعية والسياسية المتزايدة.

ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، لم يكن الحجاب مجرد مسألة دينية أو اجتماعية، بل تحول إلى أحد أبرز الرموز التي تعكس هوية النظام وطبيعته الأيديولوجية. وعلى مدار العقود الماضية، ارتبط تطبيق الحجاب الإلزامي بمفهوم "حماية القيم الإسلامية"، فيما اعتبرته مؤسسات الدولة جزءًا من مسؤوليتها في تنظيم المجال العام.

لكن مع مرور الوقت، تجاوز الجدل حول الحجاب أبعاده الدينية ليصبح مؤشرًا على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعلى حدود تدخل السلطة في الحياة الشخصية. ومع اتساع الفجوة بين الأجيال، وارتفاع مستويات التعليم، والانفتاح الإعلامي، أصبح هذا الملف يمثل أحد أبرز ساحات الاحتكاك بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما في المدن الكبرى.

شكّلت الاحتجاجات التي اندلعت عام 2022 عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها على خلفية مخالفة قواعد الحجاب، نقطة تحول مهمة في مسار العلاقة بين الدولة والمجتمع الإيراني.

فعلى الرغم من تمكن السلطات من احتواء الاحتجاجات أمنيًا، فإن آثارها السياسية والاجتماعية بدت أكثر عمقًا واستدامة. إذ كشفت تلك الاحتجاجات أن قضية الحجاب لم تعد مجرد خلاف حول نمط اللباس، بل أصبحت مرتبطة بمطالب أوسع تتعلق بالحريات العامة، ودور الدولة، وطبيعة العقد الاجتماعي داخل الجمهورية الإسلامية.

ومنذ ذلك الحين، بدأ يتشكل واقع جديد يتمثل في اتساع ظاهرة عدم الالتزام بالحجاب الإلزامي في العديد من المدن، بما جعل تطبيق القانون أكثر تعقيدًا وكلفة من الناحية الأمنية والسياسية.

ورغم استمرار القوانين الخاصة بالحجاب دون تعديل، فإن المؤشرات الميدانية توحي بأن السلطات اختارت، في المرحلة الحالية، تخفيف مستوى التطبيق العملي، دون الإعلان عن تغيير رسمي في السياسة.

ويعكس هذا النهج محاولة للحفاظ على التوازن بين اتجاهين متعارضين؛ فمن جهة، لا ترغب القيادة الإيرانية في الظهور بمظهر المتراجع عن أحد المبادئ التي شكلت جزءًا من هوية النظام منذ تأسيسه، ومن جهة أخرى، تدرك أن العودة إلى أساليب التشدد السابقة قد تعيد إنتاج حالة الاحتقان الداخلي في توقيت بالغ الحساسية.

ومن ثم، يبدو أن الدولة تتبنى صيغة تقوم على الإبقاء على النص القانوني، مع منح الأجهزة التنفيذية هامشًا أوسع من المرونة في التطبيق، بما يسمح بخفض الاحتكاك المباشر مع المجتمع دون تحمل الكلفة السياسية لإلغاء القانون.

لا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الأوسع الذي تمر به إيران، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، فخلال السنوات الأخيرة، واجهت البلاد تحديات متراكمة، شملت العقوبات الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب الاحتجاجات الاجتماعية المتكررة، ثم التطورات العسكرية والإقليمية التي فرضت على مؤسسات الدولة إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح تقليل مصادر الاحتقان الداخلي خيارًا عمليًا بالنسبة لأي نظام سياسي، خصوصًا إذا كانت المواجهة الخارجية تتطلب قدرًا أكبر من التماسك المجتمعي.

ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن تخفيف تطبيق قواعد الحجاب لا يعكس بالضرورة تحولًا فكريًا داخل مؤسسات الحكم، بقدر ما يمثل إدارة أكثر براغماتية للضغوط الداخلية، بهدف تجنب فتح جبهة اجتماعية جديدة في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وأمنية معقدة. فثمة من يرى أنه يمثل اعترافًا ضمنيًا بصعوبة فرض أنماط السلوك الاجتماعي بالقوة، بعد أن أثبتت الاحتجاجات واتساع نطاق عدم الالتزام أن أدوات الضبط التقليدية فقدت جزءًا من فعاليتها.

في المقابل، يرى آخرون أن ما يجري لا يرقى إلى مستوى التحول البنيوي، وإنما يعكس تكيفًا تكتيكيًا مؤقتًا فرضته الظروف السياسية والاقتصادية، وأن الدولة ما زالت تحتفظ بالإطار القانوني والمؤسسي الذي يسمح لها بإعادة تشديد الإجراءات متى رأت أن البيئة السياسية أصبحت أكثر ملاءمة.

ويعزز هذا الطرح استمرار صدور أحكام قضائية في بعض القضايا المرتبطة بعدم الالتزام بالحجاب، واستمرار تطبيق القيود داخل بعض المؤسسات الرسمية والمراقد الدينية، بما يشير إلى أن التخفيف الحالي لا يشمل جميع المناطق أو جميع المؤسسات بالدرجة نفسها.

تكشف التطورات الأخيرة أيضًا عن وجود تفاوت واضح بين المحافظات الإيرانية في مستوى تطبيق قواعد الحجاب ففي العاصمة طهران وعدد من المدن الكبرى، يبدو هامش الحرية الاجتماعية أكبر مقارنة بالمدن ذات الطابع المحافظ، مثل مشهد، حيث لا تزال بعض القيود تُطبق داخل المؤسسات الدينية والأماكن ذات الحساسية الرمزية.

ويعكس هذا التفاوت إدراك السلطات لاختلاف الخصوصيات الاجتماعية والثقافية بين المحافظات، ومحاولة تجنب فرض نموذج موحد قد يؤدي إلى ردود فعل متباينة في البيئات المحلية المختلفة.

بصرف النظر عن طبيعة القرار الرسمي، فإن السنوات الأخيرة كشفت عن تغيرات اجتماعية عميقة داخل إيران،، فالأجيال الشابة باتت أكثر اتصالًا بالعالم الخارجي، وأكثر تأثرًا بوسائل الإعلام الرقمية، وأكثر استعدادًا للتعبير عن مواقفها تجاه القضايا الاجتماعية والثقافية.

وفي هذا السياق، لم يعد الحجاب يمثل بالنسبة لقطاع واسع من الإيرانيين قضية دينية فحسب، بل أصبح رمزًا للنقاش الأوسع حول العلاقة بين الفرد والدولة، وحدود السلطة في تنظيم المجال العام.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود إجماع اجتماعي حول هذه القضية، إذ لا تزال قطاعات محافظة واسعة تؤيد استمرار الحجاب الإلزامي، ما يجعل الملف أحد أكثر القضايا حساسية في المشهد الإيراني.

المعطيات الحالية تشير إلى أن السلطات الإيرانية تسعى إلى إدارة هذا الملف بمنطق "الاحتواء الهادئ" بدلًا من المواجهة المباشرة. ومن المرجح أن يستمر هذا النهج طالما بقيت الأولويات الأمنية والاقتصادية في صدارة اهتمامات الدولة.

ومع ذلك، فإن مستقبل هذه السياسة سيظل مرتبطًا بعدة عوامل، من بينها مستوى الاستقرار الداخلي، وطبيعة التحديات الإقليمية، ومسار الاقتصاد الإيراني، إضافة إلى قدرة النظام على إيجاد صيغة توازن بين الحفاظ على ثوابته الأيديولوجية والاستجابة للتحولات الاجتماعية المتسارعة.

وفي المقابل، لا يبدو أن المجتمع الإيراني سيتخلى بسهولة عن المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما قد يجعل أي محاولة للعودة إلى مستويات التشدد السابقة أكثر تعقيدًا وكلفة مما كانت عليه في الماضي.

بشكل عام فإن إن تراجع الوجود الميداني لشرطة الأخلاق لا يعني بالضرورة حدوث تحول قانوني في سياسة الدولة الإيرانية تجاه الحجاب، لكنه يعكس، على الأرجح، تغيرًا في أسلوب إدارة هذا الملف في ظل بيئة داخلية وإقليمية أكثر تعقيدًا. ويبدو أن القيادة الإيرانية تسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على الإطار القانوني الذي يشكل جزءًا من هوية النظام، وبين تقليص الاحتكاك اليومي مع المجتمع لتخفيف الضغوط الداخلية.

وعليه، فإن التطورات الحالية قد لا تمثل نهاية الجدل حول الحجاب في إيران، بقدر ما تعكس مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، تتسم بقدر أكبر من البراغماتية السياسية، دون أن تحسم بصورة نهائية مستقبل هذا الملف أو اتجاهاته على المدى البعيد.