الارتدادات الصادمة من الخليج: الحرب الإيرانية وتأثيرها في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة
ملخص
أدى اندلاع الأعمال العسكرية بين تحالف الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28 فبراير/شباط 2026، وما تبعه من إغلاق القوات الإيرانية مضيق هرمز، إلى إحداث صدمة اقتصادية وطاقوية تُعد من الأكبر في التاريخ الحديث.
تتناول هذه الدراسة التأثيرات العالمية متعددة الأبعاد لحرب إيران عام 2026 عبر خمسة محاور مترابطة هي: اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وانتقال الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الدولي، والتداعيات المتسلسلة على سلاسل الإمداد والأمن الغذائي، والتقلبات التي أصابت الأسواق المالية والتوقعات الاقتصادية الكلية، وأخيرًا الآثار الهيكلية بعيدة المدى على مسار التحول العالمي في مجال الطاقة.
وبالاستناد إلى بيانات صادرة عن صندوق النقد الدولي، ووكالة الطاقة الدولية، وبنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، ومعهد بروكينغز، إلى جانب مصادر موثوقة أخرى، توضح الدراسة أن ما بدأ باعتباره نزاعًا عسكريًا إقليميًا سرعان ما تحول إلى أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية في التاريخ الحديث، بعدما أدى إلى خروج نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، من الأسواق العالمية.
وتجادل الدراسة بأن الأزمة كشفت عن هشاشة هيكلية عميقة في اعتماد الاقتصاد العالمي على ممر بحري واحد بالغ الأهمية، وفي الوقت ذاته سرعت من وتيرة التحول العالمي نحو مصادر الطاقة البديلة، لكنها في المقابل تهدد بتفاقم معدلات الفقر والركود التضخمي وانعدام الأمن الغذائي، خصوصًا في الدول النامية.
1. المقدمة
لطالما أفضت الصراعات الإقليمية إلى تداعيات تتجاوز حدودها لتطال الاقتصاد العالمي، إلا أن حرب إيران عام 2026 تنتمي إلى فئة مختلفة وأكثر خطورة من الأزمات.
فعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية منسقة ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026 ضمن عملية حملت الاسم الرمزي «الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury)، وردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه «أكبر تحدٍ لأمن الطاقة العالمي في التاريخ».
ولم يكن هذا الوصف مبالغة خطابية؛ فمضيق هرمز، الذي يفصل شبه الجزيرة العربية عن إيران ويربط الخليج العربي بخليج عُمان، يُعد أهم نقطة اختناق بحرية في منظومة الطاقة العالمية. فقد مر عبره خلال عام 2025 نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، إضافة إلى ما يقارب 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال في العالم، وهي تدفقات تقلصت إلى مستويات شبه معدومة خلال أيام قليلة من اندلاع الحرب.
وتتناول هذه الدراسة التداعيات الاقتصادية للحرب عبر خمسة محاور مترابطة:
- التأثير المباشر في أسواق النفط والغاز العالمية.
- انتقال الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الدولي.
- انعكاسات الأزمة على سلاسل الإمداد والزراعة والأمن الغذائي.
- تأثيراتها في الأسواق المالية والتوقعات الاقتصادية الكلية.
- تداعياتها الهيكلية على مستقبل التحول العالمي في قطاع الطاقة.
ومن خلال هذا التحليل، ترى الدراسة أن حرب إيران عام 2026 لم تكن مجرد صدمة مؤقتة في أسعار الطاقة، بل كشفت عن اختلالات هيكلية متجذرة في الاقتصاد العالمي، تتمثل في التركيز المفرط لإنتاج الطاقة في منطقة واحدة، والاعتماد المبالغ فيه على ممر بحري وحيد، وضعف قدرة النظام الاقتصادي الدولي على استيعاب صدمات الإمداد الناجمة عن الأزمات الجيوسياسية بهذا الحجم.
وتنظم الدراسة على النحو الآتي: يستعرض القسم الثاني أهمية مضيق هرمز بوصفه عقدة استراتيجية للبنية التحتية العالمية، والعوامل التي قادت إلى إغلاقه الفعلي، بينما يناقش القسم الثالث التداعيات المباشرة على أسواق النفط والغاز. أما القسم الرابع فيحلل الآثار الاقتصادية الكلية، بما في ذلك التضخم ومخاطر الركود التضخمي، ويخصص القسم الخامس لدراسة تأثير الأزمة في سلاسل الإمداد وأسواق الأسمدة والأمن الغذائي. ويناقش القسم السادس استجابة الأسواق المالية والبنوك المركزية والمؤسسات الدولية، قبل أن يتناول القسم السابع انعكاسات الأزمة على مسار التحول العالمي في الطاقة، وصولًا إلى استخلاص أبرز الدروس الهيكلية التي أفرزتها الأزمة.
2. مضيق هرمز: تشريح نقطة الاختناق الاستراتيجية
لطالما اعتُبر مضيق هرمز أكثر ممرات الطاقة حساسية من الناحية الاستراتيجية على مستوى العالم. ففي أضيق نقاطه، لا يتجاوز عرض المضيق نحو 33 ميلًا بحريًا، بينما لا يزيد عرض ممرات الملاحة الصالحة لعبور السفن في كل اتجاه على ميلين بحريين فقط. غير أن هذه الضيق الجغرافي يكتسب أهمية اقتصادية استثنائية بسبب الحجم الهائل من موارد الطاقة التي تعبره يوميًا.
ووفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فقد مر عبر المضيق خلال عام 2024 نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية، وهو ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل البترولية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقول بحرًا في العالم. ولا تقتصر أهمية المضيق على النفط الخام؛ إذ يمثل أيضًا الممر الرئيس لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطري، الذي يشكل وحده نسبة كبيرة من الإمدادات العالمية، حيث يمر عبر المضيق سنويًا نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
ولا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز على تجارة الهيدروكربونات، بل تمتد إلى كونه المسار الرئيس لتصدير الأسمدة المنتجة في المجمعات البتروكيماوية الخليجية، والمنتجات النفطية المكررة، بما في ذلك الديزل والبنزين ووقود الطائرات، إضافة إلى الهيليوم وعدد من السلع الصناعية الأخرى.
ففي عام 2025 وحده، صدّرت دول الخليج عبر المضيق نحو 3.3 ملايين برميل يوميًا من المنتجات النفطية المكررة، فضلًا عن 1.5 مليون برميل يوميًا من غاز البترول المسال. ومن ثم، فإن أي تعطيل للمضيق لا يقتصر أثره على أسواق النفط الخام، بل يُحدث صدمات متتابعة في سلاسل الإمداد العالمية الخاصة بالطاقة والزراعة والإنتاج الصناعي.
وقد غيّرت حرب عام 2026 بصورة جذرية حسابات المخاطر المتعلقة بالملاحة عبر المضيق. فبعد الضربات الجوية الأمريكية–الإسرائيلية الأولى في 28 فبراير/شباط، دفعت إيران بقواتها البحرية التابعة لـالحرس الثوري، التي نشرت طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية وزوارق هجومية سريعة لاستهداف السفن التي تحاول العبور.
وبحلول 4 مارس/آذار 2026، أعلنت إيران رسميًا إغلاق مضيق هرمز، وفي غضون أيام قليلة، سجل مركز عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) أكثر من اثني عشر هجومًا على سفن داخل المضيق ومحيطه.
إلا أن الإغلاق لم يكن عسكريًا فحسب؛ إذ تمثل العامل الأكثر تأثيرًا في سوق التأمين البحري. فبمجرد انسحاب شركات الشحن، وشركات النفط الكبرى، ومؤسسات التأمين من تغطية الرحلات عبر المضيق، تحولت شركات التأمين عمليًا إلى الأداة التي فرضت الإغلاق الاقتصادي للممر الملاحي.
وكما أشار مركز ستيمسون، فإن "بيئة التأمين أصبحت الآلية التي كرّست الخوف الجيوسياسي داخل السوق". فقد ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى أعلى مستوياتها خلال ست سنوات، الأمر الذي جعل معظم الرحلات التجارية غير مجدية اقتصاديًا، وأدى إلى إغلاق فعلي للمضيق حتى بالنسبة للسفن التي كانت قادرة من الناحية الفنية على العبور.
وكانت التداعيات على الدول الخليجية المصدرة للنفط فورية وعميقة. فالعراق والكويت وقطر والبحرين، التي لا تمتلك مسارات تصدير بديلة، واجهت احتمال امتلاء مرافق التخزين البرية خلال فترة قصيرة، وما يترتب على ذلك من اضطرارها إلى خفض الإنتاج أو وقفه.
أما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فتمتلكان قدرة محدودة على تجاوز المضيق عبر خط الأنابيب العابر لشبه الجزيرة العربية (Tapline) وخط أنابيب أبوظبي للنفط الخام، غير أن طاقتهما المشتركة، التي تتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يوميًا، ظلت بعيدة عن تعويض حجم الصادرات التي تعطلت بسبب إغلاق المضيق.
ونتيجة لذلك، تراجع إنتاج دول أوبك بأكثر من 30% منذ بداية الحرب.
كما قدّر بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس أن التوقف الكامل لصادرات النفط الخليجية من شأنه أن يحرم الأسواق العالمية من نحو 20% من إجمالي الإمدادات النفطية، مع الإشارة إلى أن حوالي 80% من هذه الكميات كانت تتجه عادة إلى الأسواق الآسيوية، وهو ما يفسر حجم الاضطرابات التي شهدتها اقتصادات القارة بعد اندلاع الأزمة.
3. أسواق النفط والغاز العالمية: صدمة الأسعار واضطراب الإمدادات
أكدت الاستجابة الفورية للأسواق عقب اندلاع الحرب الإيرانية مدى الحساسية الهيكلية لأسعار الطاقة العالمية تجاه أي اضطراب يصيب مضيق هرمز. فقد ارتفعت أسعار خام برنت بنسبة تراوحت بين 10 و13% خلال الأيام الأولى من الصراع، لتصل إلى نحو 80–82 دولارًا للبرميل بحلول 2 مارس/آذار 2026. ولم تمض سوى أيام قليلة حتى تجاوزت الأسعار حاجز 100 دولار للبرميل في 9 مارس/آذار، للمرة الأولى منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
وحذرت المؤسسات المالية العالمية من أن استمرار تعطل الإمدادات حتى الربع الثاني من العام قد يدفع الأسعار إلى 170 دولارًا للبرميل، بما يفضي إلى صدمة ركود تضخمي ذات أبعاد تاريخية. بل إن بعض المسؤولين الأمريكيين ومحللي وول ستريت لم يستبعدوا سيناريو وصول الأسعار إلى 200 دولار للبرميل، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ أسواق النفط.
وفي هذا السياق، أعد بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس نموذجًا اقتصاديًا أظهر أن إغلاق مضيق هرمز، بما يؤدي إلى خروج نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية خلال الربع الثاني من عام 2026، من شأنه رفع سعر خام غرب تكساس الوسيط (WTI) إلى نحو 98 دولارًا للبرميل، مع خفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي الحقيقي بمقدار 2.9 نقطة مئوية على أساس سنوي.
ويشير النموذج إلى أنه حتى إذا أُعيد فتح المضيق بعد ربع سنة فقط، فإن الاقتصاد العالمي سيظل يعاني آثارًا طويلة الأمد على النمو، وهو ما يتوافق مع التجارب التاريخية التي أعقبت حرب أكتوبر 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية–الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990.
إلا أن أزمة عام 2026 تختلف جذريًا عن جميع تلك السوابق؛ إذ لم يشهد تاريخ أسواق النفط من قبل انقطاعًا متزامنًا لهذا الحجم من الإمدادات اليومية.
أزمة الغاز الطبيعي المسال
ولم تكن سوق الغاز الطبيعي المسال أقل تأثرًا، بل ربما واجهت أزمة أكثر تعقيدًا من الناحية الهيكلية. فعلى خلاف النفط الخام، لا توجد مسارات بديلة كافية لنقل الغاز الطبيعي المسال، كما لا تتوافر احتياطيات استراتيجية بالحجم نفسه.
وقد تعرض مجمع رأس لفان في قطر، وهو أكبر منشأة لإسالة الغاز الطبيعي في العالم، لهجوم بطائرة مسيرة إيرانية في 2 مارس/آذار 2026، ما دفع شركة قطر للطاقة إلى إعلان حالة القوة القاهرة.
وتكمن خطورة هذا التطور في أن منشأة رأس لفان وحدها توفر نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، وبالتالي فإن توقفها، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، أدى إلى خروج ما يقرب من خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية من الأسواق في وقت واحد.
كما أدى توقف حركة الناقلات عبر المضيق إلى انخفاض صادرات قطر والإمارات من الغاز الطبيعي المسال بأكثر من 300 مليون متر مكعب يوميًا منذ الأول من مارس، وهو ما يعادل فقدان أكثر من ملياري متر مكعب أسبوعيًا من الإمدادات العالمية.
ارتفاعات حادة في أسعار الغاز والوقود
انعكست هذه التطورات بسرعة على الأسواق الأوروبية والآسيوية.
فقد تضاعفت تقريبًا أسعار الغاز وفق مؤشر TTF الهولندي، وهو المعيار الأوروبي الرئيس، لتتجاوز 60 يورو لكل ميجاواط/ساعة بحلول منتصف مارس، وظلت حتى منتصف يونيو أعلى بنحو 35% من مستوياتها قبل الحرب.
وفي آسيا ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 54%، بينما بلغت الزيادة في أوروبا 63% خلال أسبوع واحد فقط من اندلاع الأزمة.
وكان اللافت أن أسعار الغاز الأوروبية تجاوزت نظيرتها الآسيوية، في ظاهرة غير مألوفة تاريخيًا، تعكس هشاشة أوضاع التخزين الأوروبي، الذي لم يكن يتجاوز 30% من طاقته بعد شتاء قاسٍ في 2025–2026.
أما بالنسبة للمستهلكين، فقد كانت آثار الأزمة ملموسة بصورة مباشرة.
ففي الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار البنزين بمقدار 1.16 دولار للجالون منذ بداية الحرب، واقتربت في بعض الولايات من خمسة دولارات للجالون، بينما تجاوزت ستة دولارات في سبع مقاطعات بولاية كاليفورنيا بحلول نهاية مارس.
وفي كندا، ارتفعت أسعار الوقود بنحو 30% بين شهري مارس وأبريل، في حين قفزت أسعار وقود الطائرات في أمريكا الشمالية بنسبة 95% مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
أزمة غير مسبوقة في الإمدادات
وقدّرت شركة Kpler المتخصصة في تحليلات أسواق السلع أن خام برنت سيفتتح تعاملات 3 مارس/آذار ضمن نطاق يتراوح بين 85 و90 دولارًا للبرميل، مع توقع قفزات كبيرة في هوامش أرباح وقود الديزل والطائرات.
كما خلصت مؤسسة Guinness Global Investors إلى أن الحرب الإيرانية أخرجت نحو 12 مليون برميل يوميًا من النفط من الأسواق العالمية، وهي صدمة في جانب العرض لا يبدو أن لها حلًا سريعًا.
وأكدت كل من وكالة الطاقة الدولية ومحللو الأسواق أن الأزمة الحالية تختلف جذريًا عن أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022. ففي تلك الأزمة أمكن إعادة توجيه جزء من صادرات النفط والغاز إلى أسواق بديلة، أما في عام 2026 فقد واجه العالم قيدًا ماديًا حقيقيًا؛ إذ ظل النفط والغاز يُنتجان داخل منشآت الخليج، لكنهما ببساطة لم يعودا قادرين على الوصول إلى الأسواق العالمية بسبب انقطاع طريقهما البحري الوحيد.
4. الآثار الاقتصادية الكلية: التضخم، والركود التضخمي، والنمو العالمي
لم تقتصر الصدمة الناجمة عن الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة، بل سرعان ما انتقلت إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، لتولد حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي.
ففي تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أبريل/نيسان 2026، أكد صندوق النقد الدولي أن الحرب في الشرق الأوسط "أوقفت الزخم الإيجابي" الذي كان يُتوقع أن يشهده الاقتصاد العالمي خلال العام. فقبل اندلاع الصراع، كان الصندوق يستعد لرفع توقعاته للنمو العالمي، مدفوعًا بازدهار الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، وانحسار التوترات التجارية، وتحسن أوضاع الأسواق المالية.
غير أن الحرب دفعت الصندوق إلى خفض توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2026 بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 3.1%، مقارنة بـ 3.4% في عام 2025، في الوقت الذي رفع فيه توقعاته لمعدل التضخم العالمي إلى 4.4%، بزيادة بلغت 0.6 نقطة مئوية عن تقديراته السابقة الصادرة في يناير.
ثلاثة سيناريوهات للاقتصاد العالمي
استندت هذه التوقعات إلى أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، والذي يفترض أن تكون الحرب قصيرة الأمد وأن ترتفع أسعار الطاقة بنسبة معتدلة تبلغ نحو 19% فقط.
لكن صندوق النقد الدولي رسم سيناريوهين أكثر تشاؤمًا:
السيناريو المتوسط: إذا استقرت أسعار النفط حول 100 دولار للبرميل طوال عام 2026، فمن المتوقع أن يتراجع النمو العالمي إلى نحو 2.5%.
السيناريو الأسوأ: إذا استمرت اضطرابات الإمدادات حتى عام 2027 واضطرت البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، فقد ينخفض النمو العالمي إلى نحو 2% فقط.
ووصف الصندوق هذا المستوى بأنه "اقتراب خطير من الركود العالمي"، مشيرًا إلى أن الاقتصاد العالمي لم يسجل معدل نمو يقل عن 2% سوى أربع مرات فقط منذ عام 1980.
ولم يكن صندوق النقد وحده في هذا التقييم؛ إذ ألغت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أيضًا خططها السابقة لرفع توقعات النمو عقب اندلاع الحرب.
كيف انتقلت موجة التضخم؟
يرى صندوق النقد الدولي أن التضخم انتقل إلى الاقتصاد العالمي عبر ثلاث قنوات رئيسية.
أولًا: صدمة العرض
أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة تكاليف إنتاج ونقل معظم السلع والخدمات، وهو ما انعكس مباشرة على الأسعار النهائية للمستهلكين، كما تسبب في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
ثانيًا: دوامة الأجور والأسعار
مع ارتفاع تكاليف المعيشة، سعى العمال إلى المطالبة بزيادات في الأجور، بينما رفعت الشركات أسعار منتجاتها لتعويض ارتفاع التكاليف، الأمر الذي يهدد بحدوث حلقة تضخمية مستمرة يصعب احتواؤها، خاصة إذا أصبحت توقعات التضخم راسخة لدى الأسواق.
ثالثًا: اضطراب الأسواق المالية
ساهمت الحرب كذلك في زيادة حالة عدم اليقين، ومع توقع تشديد السياسات النقدية، أعادت الأسواق تسعير الأصول المالية بصورة حادة، وهو ما أدى إلى:
- انخفاض تقييمات الأصول.
- ارتفاع علاوات المخاطر.
- خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة.
- ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي.
- تشديد الأوضاع المالية عالميًا.
- تراجع الطلب الكلي.
أوروبا في قلب الأزمة
كانت أوروبا من أكثر المناطق عرضة لتداعيات الحرب، إذ دخلت الأزمة وهي تعاني أصلًا من انخفاض غير مسبوق في مخزونات الغاز، إضافة إلى اعتماد صناعاتها الثقيلة بصورة كبيرة على الطاقة المستوردة.
وفي 19 مارس/آذار 2026، قرر البنك المركزي الأوروبي تأجيل خططه لخفض أسعار الفائدة، بعدما رفع توقعاته للتضخم وخفض توقعاته للنمو الاقتصادي.
كما حذر البنك من أن استمرار الحرب قد يدفع ألمانيا وإيطاليا إلى الدخول في ركود تقني بحلول نهاية عام 2026، بينما يُتوقع أن يتجاوز معدل التضخم في المملكة المتحدة 5%، وهو الأعلى في أوروبا.
وفي الوقت نفسه، فرضت شركات الصناعات الكيميائية والصلب في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة رسومًا إضافية وصلت إلى 30% لتعويض الارتفاع الكبير في تكاليف الكهرباء والمواد الخام.
وحذر محللون اقتصاديون من أن استمرار الأزمة قد يقود إلى فقدان دائم لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة داخل أوروبا، نتيجة انتقالها إلى مناطق أقل تكلفة.
أما في ألمانيا، فقد خُفضت توقعات النمو الاقتصادي إلى 0.6% فقط.
وللتخفيف من آثار الأزمة، علّقت الحكومة الألمانية الضرائب على الوقود بتكلفة بلغت 1.6 مليار يورو، بينما أرجأت الحكومة البريطانية زيادة كانت مقررة في رسوم الوقود، في حين خصصت البرازيل نحو 2.9 مليار ريال برازيلي شهريًا لدعم أسعار البنزين والديزل.
الشرق الأوسط كان الأكثر تضررًا
بحسب صندوق النقد الدولي، كانت منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى الأكثر تأثرًا بالحرب مقارنة بجميع مناطق العالم.
فقد خُفضت توقعات النمو لعام 2026 إلى 1.9%، أي أقل بنقطتين مئويتين من التوقعات السابقة.
كما توقع الصندوق انكماش اقتصادات عدد من الدول الواقعة في قلب الأزمة، من بينها:
