بلوشستان وأزمة الاندماج الوطني في إيران: الهوية المهمشة وتحديات الدولة المركزية
تُعد قضية بلوشستان واحدة من أكثر الملفات القومية تعقيدًا في إيران المعاصرة، ليس فقط بسبب خصوصية الإقليم الجغرافية والديموغرافية، بل لأنها تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بقدرة الدولة الإيرانية على بناء نموذج متوازن للاندماج الوطني يستوعب التنوع العرقي والمذهبي داخل حدودها. فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية، لا تزال محافظة سيستان وبلوشستان الواقعة جنوب شرقي البلاد تمثل إحدى أكثر المناطق هشاشة من الناحية التنموية والأمنية، الأمر الذي جعلها ساحة دائمة للتوتر بين المركز والأطراف، ومختبراً حقيقياً لقدرة الدولة على إدارة التنوع وتحقيق التماسك الوطني.
بلوشستان: الجغرافيا التي تصنع السياسة
لا تنبع أهمية بلوشستان من كونها إقليماً حدودياً فحسب، بل من موقعها الجيوسياسي الذي يجعلها إحدى أهم العقد الاستراتيجية في الحسابات الإيرانية. فمحافظة سيستان وبلوشستان، التي تبلغ مساحتها نحو 181 ألف كيلومتر مربع، تعد ثاني أكبر محافظات إيران من حيث المساحة، وتمثل ما يقارب 11% من إجمالي مساحة البلاد. كما تمتد على حدود تتجاوز ألف كيلومتر مع باكستان وأفغانستان، وهما دولتان عانتا لعقود طويلة من الاضطرابات الأمنية والصراعات المسلحة وضعف السيطرة الحكومية على المناطق الحدودية، الأمر الذي جعل الإقليم يشكل إحدى أكثر الجبهات الأمنية حساسية بالنسبة لطهران.
وتكتسب المنطقة أهمية استثنائية بسبب إطلالتها على خليج عمان وبحر العرب، حيث تضم الشريط الساحلي الإيراني الوحيد المتصل مباشرة بالمحيط الهندي خارج نطاق الخليج العربي ومضيق هرمز. وفي ظل التهديدات المتكررة للملاحة في الخليج، تنظر إيران إلى هذا المنفذ البحري باعتباره رئة استراتيجية تسمح لها بالوصول إلى الأسواق العالمية بعيداً عن الاختناقات الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز.
كما ترتبط أهمية الإقليم بميناء تشابهار الذي يعد المشروع البحري الأهم في شرق إيران. فمنذ مطلع الألفية الجديدة سعت طهران إلى تحويل الميناء إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة يربط المحيط الهندي بآسيا الوسطى وأفغانستان. وقد ازداد الاهتمام الدولي بالميناء بعد انخراط الهند في تمويل وتطوير أجزاء من بنيته التحتية، إذ تنظر نيودلهي إليه باعتباره منفذاً استراتيجياً للوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى دون المرور بالأراضي الباكستانية. وفي المقابل، يمثل تشابهار أحد عناصر المنافسة الجيوسياسية مع ميناء جوادر الباكستاني الواقع على بعد أقل من 100 كيلومتر من الحدود الإيرانية، والذي تطوره الصين ضمن مشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني المرتبط بمبادرة الحزام والطريق.
ولا تقتصر أهمية الإقليم على الموانئ فقط، بل تمتد إلى دوره في أمن الحدود ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية. فالموقع الحدودي المفتوح نسبياً جعل المنطقة ممراً رئيسياً لشبكات تهريب الوقود والمخدرات والأسلحة، خاصة في ظل قربها من أفغانستان التي ظلت لعقود أكبر منتج عالمي للأفيون. وتشير تقديرات إيرانية متكررة إلى أن جزءاً كبيراً من عمليات مكافحة تهريب المخدرات التي تنفذها قوات الأمن الإيرانية يتركز في المناطق الحدودية لسيستان وبلوشستان، وهو ما يفسر الحضور الأمني والعسكري الكثيف في المحافظة مقارنة بمناطق أخرى من البلاد.
إضافة إلى ذلك، تمتلك المحافظة إمكانات اقتصادية كبيرة غير مستغلة بالكامل، تشمل الثروة السمكية والموانئ البحرية والموارد المعدنية وموقعها المؤهل لتكون مركزاً لوجستياً إقليمياً. إلا أن هذه الإمكانات ظلت لفترات طويلة رهينة الاعتبارات الأمنية وضعف الاستثمارات والبنية التحتية، الأمر الذي حدّ من قدرتها على التحول إلى محرك تنموي حقيقي للسكان المحليين.
غير أن المفارقة الأساسية تكمن في أن هذه الأهمية الاستراتيجية لم تنعكس على واقع السكان المحليين. فعلى الرغم من احتضان المحافظة لأحد أهم المشروعات الاستراتيجية الإيرانية، ظلت سيستان وبلوشستان لعقود تتصدر مؤشرات الحرمان التنموي داخل البلاد. وتُظهر التقارير الحكومية الإيرانية باستمرار أن المحافظة من بين الأعلى في معدلات الفقر والبطالة والأمية، كما تعاني من نقص الخدمات الصحية وشح المياه وضعف شبكات النقل والبنية التحتية مقارنة بالمعدل الوطني.
وقد ساهمت أزمة المياه بشكل خاص في تعميق التحديات الاقتصادية والاجتماعية، إذ تعرضت منطقة سيستان خلال العقود الأخيرة لتراجع حاد في تدفقات نهر هلمند القادم من أفغانستان، ما أدى إلى تدهور الزراعة ونزوح أعداد من السكان من المناطق الريفية. ونتيجة لذلك، تداخلت المشكلات البيئية مع التحديات الاقتصادية والسياسية، لتصبح جزءاً من معادلة عدم الاستقرار في الإقليم.
ومن هنا نشأ أحد أهم مظاهر التوتر بين الدولة والمجتمع المحلي؛ فبينما تنظر طهران إلى بلوشستان باعتبارها بوابة استراتيجية للأمن القومي والتجارة الدولية، ينظر كثير من سكان الإقليم إلى واقعهم اليومي بوصفه دليلاً على استمرار التهميش والإقصاء التنموي. وقد أدى هذا التناقض بين القيمة الجيوسياسية للإقليم ومستوى التنمية البشرية فيه إلى ترسيخ شعور متنامٍ لدى قطاعات واسعة من البلوش بأن الدولة تستثمر في جغرافية الإقليم أكثر مما تستثمر في سكانه، وهو شعور يمثل أحد الجذور العميقة لأزمة الاندماج الوطني في المنطقة.
البعد القومي والمذهبي للأزمة
ينتمي معظم البلوش في إيران إلى القومية البلوشية ويتحدثون اللغة البلوشية التي تنتمي إلى مجموعة اللغات الإيرانية الغربية، كما يدين أغلبهم بالمذهب السني الحنفي في دولة يشكل فيها الشيعة الإثنا عشرية الأغلبية الساحقة وتقوم شرعية النظام السياسي فيها على مرجعية دينية شيعية. وقد جعل هذا التداخل بين البعدين القومي والمذهبي من القضية البلوشية واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل البنية الداخلية الإيرانية، إذ تتقاطع فيها إشكاليات الهوية الإثنية مع إشكاليات التمثيل المذهبي في آن واحد.
وتنبع خصوصية الحالة البلوشية من أن الشعور بالاختلاف لا يرتبط باللغة أو الانتماء القومي فقط، بل يتداخل مع إحساس جزء من المجتمع البلوشي بوجود فجوة مذهبية تفصلهم عن المركز السياسي والديني للدولة. فعلى خلاف الأذريين الذين ينتمون في معظمهم إلى المذهب الشيعي، أو بعض القوميات الأخرى التي نجحت بدرجات متفاوتة في الاندماج ضمن مؤسسات النظام، يجد البلوش أنفسهم في موقع أقلية قومية ومذهبية في الوقت ذاته، وهو ما يضاعف من تعقيدات علاقتهم مع الدولة المركزية.
وتعود جذور هذا الشعور إلى عقود طويلة من التفاوت في مستويات التنمية والتمثيل السياسي. فعلى الرغم من مشاركة شخصيات بلوشية في البرلمان وبعض المؤسسات المحلية، فإن حضور أبناء الإقليم في المناصب العليا داخل مؤسسات الدولة السيادية والأمنية والعسكرية ظل محدوداً مقارنة بحجمهم السكاني وموقع إقليمهم الاستراتيجي. كما ظلت المطالب المتعلقة بتوسيع مشاركة أبناء المحافظة في إدارة شؤونها المحلية حاضرة باستمرار في الخطاب السياسي والاجتماعي داخل المنطقة.
ويبرز البعد الثقافي بدوره كأحد محاور الجدل بين الدولة والمجتمع المحلي. فبينما تؤكد السلطات الإيرانية التزامها بمبدأ وحدة الدولة الوطنية، تطالب النخب البلوشية بمساحة أوسع للاعتراف بالخصوصية الثقافية واللغوية للإقليم، سواء من خلال تطوير التعليم المحلي أو تعزيز حضور اللغة البلوشية في المجالات الثقافية والإعلامية. وعلى الرغم من أن الدستور الإيراني يتيح نظرياً استخدام اللغات المحلية إلى جانب اللغة الفارسية، فإن التطبيق العملي ظل محل نقاش وانتقاد من جانب العديد من النخب غير الفارسية.
كما أن العامل الديني لعب دوراً مهماً في تشكيل الوعي السياسي البلوشي خلال العقود الأخيرة. فقد تحولت بعض المؤسسات الدينية السنية في الإقليم إلى فضاءات للتعبير عن المطالب الاجتماعية والسياسية، وبرز عدد من رجال الدين السنة بوصفهم شخصيات ذات تأثير واسع داخل المجتمع المحلي. وفي هذا السياق اكتسب مولوي عبد الحميد، إمام وخطيب زاهدان، مكانة خاصة باعتباره أحد أبرز الأصوات التي تعبر عن مطالب السكان المتعلقة بالمساواة والعدالة والتنمية، خصوصاً خلال مرحلة الاحتجاجات التي شهدتها إيران منذ عام 2022.
وقد مثلت أحداث زاهدان في سبتمبر/أيلول 2022، والتي عُرفت لاحقاً باسم "الجمعة الدامية"، نقطة تحول مفصلية في العلاقة بين الدولة والمجتمع البلوشي. فقد أسفرت المواجهات التي أعقبت الاحتجاجات عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وتحولت إلى رمز لدى قطاعات واسعة من البلوش لما يعتبرونه تعبيراً عن التهميش السياسي والأمني الذي تعانيه المحافظة. ومنذ ذلك الحين أصبحت زاهدان إحدى أبرز ساحات الاحتجاج المستمرة داخل إيران، الأمر الذي أعاد القضية البلوشية إلى واجهة النقاش الوطني والدولي.
ولا يمكن فهم تصاعد الوعي القومي البلوشي بمعزل عن التطورات الإقليمية المحيطة. فمع تنامي وسائل الاتصال الحديثة ووسائط التواصل الاجتماعي، ازدادت الروابط الثقافية بين التجمعات البلوشية المنتشرة في إيران وباكستان وأفغانستان والمهجر، وهو ما أسهم في تعزيز الشعور بالهوية المشتركة عبر الحدود. ورغم أن المطالب السائدة داخل المجتمع البلوشي الإيراني تتركز في قضايا التنمية والمواطنة والحقوق الثقافية أكثر من تركيزها على الانفصال، فإن السلطات الإيرانية تنظر بحذر إلى أي خطاب قومي عابر للحدود خشية تحوله إلى مصدر تهديد للوحدة الوطنية.
ومن هنا تحولت الهوية البلوشية تدريجياً من مجرد انتماء ثقافي أو قبلي إلى إطار سياسي واجتماعي يعبر عن مجموعة واسعة من المطالب المتعلقة بالعدالة التنموية والمساواة السياسية والاعتراف الثقافي. وبذلك أصبحت القضية البلوشية تمثل نموذجاً واضحاً للتداخل بين سؤال الهوية وسؤال المواطنة في إيران المعاصرة، حيث لا تنبع الأزمة من الاختلاف القومي أو المذهبي بحد ذاته، بل من طبيعة العلاقة بين هذا الاختلاف وبين بنية الدولة المركزية وآليات توزيع السلطة والثروة داخلها.
جذور أزمة الاندماج الوطني
لا يمكن فهم الواقع البلوشي بمعزل عن طبيعة الدولة الإيرانية الحديثة التي تشكلت خلال القرن العشرين على أساس مركزية سياسية وثقافية قوية. فقبل صعود الدولة البهلوية عام 1925 كانت مناطق واسعة من إيران، ومنها بلوشستان، تتمتع بدرجات متفاوتة من الحكم المحلي والروابط القبلية التقليدية، بينما كانت سلطة المركز محدودة نسبياً في العديد من الأقاليم الطرفية. غير أن مشروع بناء الدولة الحديثة الذي أطلقه رضا شاه بهلوي استند إلى فكرة إنشاء دولة قومية مركزية قادرة على بسط نفوذها على كامل الأراضي الإيرانية وتوحيد السكان تحت مظلة هوية وطنية واحدة.
وفي هذا السياق، تبنت الدولة سياسات هدفت إلى تعزيز اللغة الفارسية بوصفها لغة وطنية جامعة، وإلى توسيع نفوذ المؤسسات المركزية على حساب البنى المحلية والقبلية. وقد أسهمت هذه السياسات في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ مؤسساتها الحديثة، لكنها في الوقت نفسه خلقت توترات مع عدد من القوميات غير الفارسية التي رأت أن خصوصياتها الثقافية واللغوية لا تحظى بالاعتراف الكافي داخل المشروع الوطني الجديد.
وبالنسبة للبلوش، جاءت عملية دمج الإقليم في الدولة الحديثة مصحوبة بتراجع الأدوار التقليدية للزعامات القبلية والمحلية، وتزايد حضور الأجهزة الحكومية والأمنية التابعة للمركز. ومنذ ذلك الحين بدأت تتشكل علاقة معقدة بين الدولة والمجتمع المحلي، تقوم من جهة على الاندماج القانوني والسياسي داخل الدولة الإيرانية، ومن جهة أخرى على شعور متزايد بأن عملية بناء الدولة تمت على حساب الخصوصية المحلية للإقليم.
وعندما قامت الجمهورية الإسلامية عام 1979، كان من المتوقع أن يؤدي الخطاب الإسلامي العابر للهويات القومية إلى تخفيف حدة التوترات الإثنية، إلا أن الواقع أظهر استمرار العديد من الإشكاليات السابقة. فالنظام الجديد أعاد تعريف الهوية السياسية للدولة على أساس ديني-ثوري، لكنه حافظ في الوقت نفسه على قدر كبير من المركزية السياسية والإدارية التي ميزت الدولة الإيرانية الحديثة. وهكذا استمرت العلاقة الإشكالية بين المركز والأطراف، وإن اتخذت أشكالاً مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في العهد البهلوي.
وقد تعززت هذه الإشكالية بسبب التداخل بين البعدين القومي والمذهبي في الحالة البلوشية. ففي حين نجحت الدولة بدرجات متفاوتة في استيعاب بعض القوميات غير الفارسية التي تشترك مع الأغلبية في الانتماء المذهبي الشيعي، ظل البلوش يشعرون بأنهم يواجهون تحديين متوازيين يتمثلان في الاختلاف القومي والاختلاف المذهبي في آن واحد. ولذلك أصبحت قضايا الهوية والثقافة والتنمية والتمثيل السياسي مترابطة في الوعي الجمعي للسكان المحليين.
ومن هنا تشكلت فجوة ثقة متزايدة بين المركز والأطراف. وتظهر هذه الفجوة في الجدل المستمر حول تدريس اللغة البلوشية وتوسيع حضورها في المجال العام، وفي النقاشات المتعلقة بمشاركة أبناء الإقليم في المناصب الإدارية والأمنية العليا، وفي الانتقادات الموجهة إلى طريقة توزيع الاستثمارات العامة بين المحافظات الإيرانية. كما تتجلى في الشعور السائد لدى قطاعات من البلوش بأن الاعتبارات الأمنية كثيراً ما تطغى على الاعتبارات التنموية في تعامل الدولة مع الإقليم.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند مقارنتها بتجارب قوميات أخرى داخل إيران. فالأذريون، على سبيل المثال، نجحوا في تحقيق مستويات أعلى من الاندماج السياسي والاقتصادي نتيجة عوامل متعددة، من بينها ثقلهم الديموغرافي وموقعهم الاقتصادي وانتماؤهم إلى المذهب الشيعي. أما الأكراد والعرب والبلوش، فقد واجهوا بدرجات متفاوتة إشكاليات تتعلق بالتنمية والهوية والتمثيل السياسي، وإن اختلفت ظروف كل حالة عن الأخرى. وهو ما يشير إلى أن الأزمة لا ترتبط فقط بخصوصية المجتمع البلوشي، بل بطبيعة العلاقة التاريخية بين الدولة المركزية والمناطق الطرفية في إيران.
وفي جوهرها، تكشف أزمة الاندماج الوطني في بلوشستان عن معضلة أعمق تواجه الدولة الإيرانية المعاصرة، تتمثل في كيفية التوفيق بين ضرورات الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها من جهة، ومتطلبات الاعتراف بالتنوع الثقافي والقومي من جهة أخرى. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن الاستقرار طويل الأمد لا يتحقق عبر المركزية الصارمة وحدها، بل عبر بناء صيغة وطنية تسمح بدمج الهويات المحلية في إطار المواطنة المشتركة. ومن هذا المنظور، تبدو القضية البلوشية أقل ارتباطاً بالنزعات الانفصالية وأكثر ارتباطاً بسؤال المشاركة والاعتراف والعدالة التنموية داخل الدولة الإيرانية الحديثة.
التنمية الغائبة كعامل لإعادة إنتاج الاحتجاج
على خلاف التصورات التي تختزل أزمة بلوشستان في بعدها الأمني، فإن جوهر المشكلة يرتبط بدرجة كبيرة بإشكالية التنمية غير المتوازنة التي رافقت علاقة الإقليم بالدولة الإيرانية الحديثة. فعلى الرغم من الموقع الاستراتيجي للمحافظة واحتضانها لمشروعات حيوية مثل ميناء تشابهار، ظلت سيستان وبلوشستان لعقود من بين أكثر المحافظات الإيرانية معاناة من الفقر والبطالة وضعف الخدمات العامة. ويكشف هذا التناقض بين الأهمية الجيوسياسية للإقليم ومستوى التنمية البشرية فيه عن أحد أهم مصادر الاحتقان الاجتماعي والسياسي داخل المجتمع البلوشي.
وتشير البيانات والتقارير الإيرانية الرسمية بصورة متكررة إلى أن المحافظة تحتل مراتب متأخرة في مؤشرات التنمية مقارنة بالمعدل الوطني، سواء فيما يتعلق بالدخل أو فرص العمل أو الخدمات الصحية والتعليمية. كما تعاني مناطق واسعة من المحافظة من ضعف شبكات الطرق والكهرباء وخدمات المياه والصرف الصحي، الأمر الذي جعل السكان يشعرون بأنهم لم يستفيدوا بالقدر الكافي من الموارد التي تضخها الدولة في المشروعات الاستراتيجية الكبرى.
ويكتسب عامل المياه أهمية خاصة في تفسير الأزمة التنموية. فقد أدى تراجع تدفقات نهر هلمند من أفغانستان خلال العقود الأخيرة إلى تدهور واسع في النشاط الزراعي، خاصة في منطقة سيستان الشمالية. كما تسبب جفاف بحيرة هامون، التي كانت تشكل أحد أهم الموارد الاقتصادية والبيئية في المنطقة، في فقدان آلاف الأسر لمصادر دخلها التقليدية. ونتيجة لذلك شهدت بعض المناطق الريفية موجات هجرة داخلية متزايدة نحو المدن أو نحو المحافظات الأخرى، الأمر الذي عمّق من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية القائمة.
وفي ظل محدودية الفرص الاقتصادية الرسمية، اتجهت شرائح واسعة من السكان إلى الاقتصاد غير الرسمي بوصفه وسيلة للبقاء. ومن أبرز مظاهر ذلك ظاهرة "السوختبري" أو نقل الوقود عبر الحدود إلى باكستان، وهي مهنة أصبحت مصدر رزق لآلاف الأسر البلوشية. وعلى الرغم من أن السلطات الإيرانية تنظر إلى هذه الأنشطة باعتبارها شكلاً من أشكال التهريب، فإن كثيراً من أبناء المنطقة يرون فيها نتيجة مباشرة لغياب البدائل الاقتصادية وفرص العمل المستقرة. وقد تحولت حوادث مقتل أو إصابة عدد من ناقلي الوقود خلال المواجهات الحدودية إلى مصدر متكرر للاحتجاج والتوتر بين السكان والأجهزة الأمنية.
كما أن الموقع الحدودي للمحافظة أسهم في نشوء اقتصاد موازٍ يعتمد على التجارة غير الرسمية والأنشطة العابرة للحدود مع باكستان وأفغانستان. وبينما يوفر هذا الاقتصاد دخلاً لقطاعات من السكان، فإنه يعكس في الوقت ذاته هشاشة البنية الاقتصادية المحلية وعجزها عن استيعاب القوى العاملة ضمن قطاعات إنتاجية مستقرة. ومن ثم أصبحت الأنشطة الحدودية غير الرسمية بديلاً عن التنمية لا تعبيراً عنها.
وتبرز مفارقة أخرى تتمثل في أن مدينة تشابهار شهدت خلال السنوات الأخيرة استثمارات كبيرة نسبياً في الموانئ والبنية التحتية، إلا أن آثار هذه المشروعات لم تنعكس بالدرجة نفسها على المناطق الداخلية للمحافظة. وهو ما خلق شعوراً لدى كثير من السكان بأن التنمية تتركز في المشروعات الاستراتيجية المرتبطة بمصالح الدولة والجغرافيا الاقتصادية، بينما تستمر المناطق السكنية والريفية في مواجهة المشكلات التقليدية ذاتها المتعلقة بالفقر والخدمات وفرص العمل.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الاحتجاجات المتكررة في المحافظة بوصفها انعكاساً لحالة من "الحرمان النسبي"، أي الشعور بأن مستوى التنمية والخدمات المتاح للسكان لا يتناسب مع أهمية الإقليم وإسهامه في المصالح الوطنية للدولة. ولذلك فإن المطالب التي يرفعها السكان غالباً ما تتركز حول قضايا العمل والتنمية والبنية التحتية والعدالة في توزيع الموارد، أكثر مما تتركز حول شعارات انفصالية أو مطالب سياسية راديكالية.
ومن ثم فإن التنمية لا تمثل مجرد مطلب اقتصادي في الحالة البلوشية، بل تشكل أحد أهم مفاتيح معالجة الأزمة السياسية والأمنية في الإقليم. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن المناطق الحدودية متعددة الهويات تصبح أكثر قابلية للاندماج والاستقرار عندما تقترن سياسات الأمن بسياسات تنموية قادرة على تحسين مستويات المعيشة وتعزيز الشعور بالمواطنة المتساوية.
وبعبارة أخرى، أصبحت التنمية والأمن وجهين لأزمة واحدة؛ فضعف التنمية يولد الاحتقان الاجتماعي، والاحتقان يغذي الاضطرابات الأمنية، فيما تؤدي هذه الاضطرابات بدورها إلى إحجام الاستثمارات وتباطؤ التنمية. ونتيجة لذلك تدخل المحافظة في حلقة مفرغة يصعب كسرها دون تبني مقاربة شاملة تضع العدالة التنموية في قلب استراتيجية الدولة تجاه بلوشستان، بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات الأمنية قصيرة المدى.
الأمننة المفرطة للقضية البلوشية
بحكم موقع بلوشستان الحدودي ووجود جماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود، تنظر طهران إلى الإقليم باعتباره إحدى أكثر مناطق البلاد حساسية للأمن القومي. فالمحافظة تقع عند تقاطع بيئة إقليمية مضطربة تشمل أفغانستان وباكستان، كما تشكل ممراً لعدد من الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بتهريب المخدرات والأسلحة والوقود والهجرة غير النظامية. وقد دفع ذلك الدولة الإيرانية إلى تبني مقاربة أمنية مكثفة تجاه الإقليم، تقوم على تعزيز الوجود العسكري والأمني وتوسيع صلاحيات الأجهزة المختصة بمراقبة الحدود ومكافحة التهديدات المحتملة.
ويعود هذا التوجه أيضاً إلى الخبرة التاريخية التي راكمتها الدولة الإيرانية في التعامل مع الجماعات المسلحة البلوشية. فمنذ مطلع الألفية الجديدة برزت جماعات مثل "جند الله" بقيادة عبد الملك ريغي، التي نفذت سلسلة من الهجمات ضد قوات الأمن الإيرانية قبل تفكيكها عام 2010. غير أن انتهاء نشاط "جند الله" لم يؤد إلى اختفاء التحدي الأمني بالكامل، إذ ظهرت لاحقاً تنظيمات أخرى مثل "جيش العدل" التي واصلت تنفيذ هجمات متفرقة ضد أهداف عسكرية وأمنية في المحافظة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة للمنطقة ومن تعقيدات الحدود الإيرانية-الباكستانية.
وقد عززت هذه التطورات قناعة المؤسسة الأمنية الإيرانية بأن بلوشستان تمثل جبهة أمنية متقدمة، وليست مجرد محافظة طرفية تعاني مشكلات تنموية. كما ازداد هذا الإدراك بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، وما رافق ذلك من مخاوف إيرانية تتعلق بضبط الحدود ومنع تسلل الجماعات المتطرفة أو شبكات التهريب إلى الداخل الإيراني.
إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن المقاربة الأمنية تحولت مع مرور الوقت من أداة لمعالجة التهديدات المباشرة إلى إطار عام للتعامل مع الإقليم بأكمله. فبدلاً من الفصل بين النشاط المسلح وبين المطالب الاجتماعية والثقافية للسكان المحليين، جرى في كثير من الأحيان التعامل مع القضايا التنموية أو الاحتجاجية من خلال منظور أمني بالدرجة الأولى. ونتيجة لذلك أصبحت المطالب المتعلقة بالفقر والبطالة والخدمات العامة والتمثيل السياسي تُقرأ أحياناً في سياق المخاوف المرتبطة بالاستقرار والأمن القومي.
وقد برزت حدود هذه المقاربة بوضوح خلال الاحتجاجات التي شهدتها زاهدان ومدن أخرى في المحافظة منذ عام 2022. فعلى الرغم من أن جانباً كبيراً من مطالب المحتجين ارتبط بقضايا العدالة والمساءلة والحقوق المدنية، فإن التعامل الأمني مع الاحتجاجات أسهم في تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع المحلي. وتحولت أحداث "الجمعة الدامية" في زاهدان إلى محطة مفصلية في الذاكرة الجماعية للبلوش، ليس فقط بسبب حجم الخسائر البشرية، بل لأنها عززت لدى كثير من السكان الشعور بأن الدولة تتعامل مع الإقليم من منظور أمني أكثر مما تتعامل معه بوصفه جزءاً من النسيج الوطني الإيراني.
ومن منظور أوسع، تكشف التجربة البلوشية عن إحدى الإشكاليات الكلاسيكية في إدارة المناطق الطرفية متعددة الهويات؛ فكلما تصاعدت المخاوف الأمنية توسعت صلاحيات المؤسسات الأمنية، وكلما توسع الحضور الأمني تراجعت المساحات المتاحة للحوار السياسي والتنمية المجتمعية. وفي هذه الحالة تصبح الدولة أكثر قدرة على ضبط الاستقرار قصير المدى، لكنها أقل قدرة على معالجة الأسباب البنيوية للتوتر.
كما أن الأمننة المفرطة تؤدي إلى إعادة تعريف المشكلات الاجتماعية باعتبارها تهديدات أمنية. فالفقر يتحول إلى قضية استقرار، والبطالة تصبح مصدراً محتملاً للتطرف، والاحتجاجات تُفسَّر باعتبارها تحدياً للنظام العام. ونتيجة لذلك تتراجع الأولوية الممنوحة للسياسات التنموية والإصلاحية لصالح الإجراءات الأمنية، وهو ما يفاقم المشكلات التي تسعى هذه الإجراءات إلى احتوائها.
ومن هنا تنشأ حلقة مفرغة يصعب كسرها؛ إذ يؤدي التهميش الاقتصادي والاجتماعي إلى تنامي مشاعر السخط، ويقود السخط إلى احتجاجات أو توترات أمنية، فترد الدولة بمزيد من الإجراءات الأمنية، الأمر الذي يعزز الشعور بالإقصاء وعدم الثقة. وفي ظل استمرار هذه الدورة تصبح الأزمة قابلة لإعادة إنتاج نفسها بصورة دورية حتى في الفترات التي تنخفض فيها مستويات العنف المباشر.
لذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الدولة الإيرانية في بلوشستان لا يتمثل فقط في احتواء الجماعات المسلحة أو ضبط الحدود، بل في القدرة على الانتقال من مقاربة أمنية ضيقة إلى مقاربة شاملة توازن بين متطلبات الأمن القومي وضرورات التنمية والاندماج السياسي. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الاستقرار المستدام في المناطق الحدودية متعددة الهويات لا يتحقق بالقوة الأمنية وحدها، بل عبر بناء الثقة وتعزيز المشاركة السياسية وتحقيق العدالة التنموية. وفي هذا الإطار تبدو أزمة بلوشستان أقرب إلى كونها أزمة اندماج وطني جرى التعامل معها أمنياً، أكثر من كونها مجرد أزمة أمنية تحتاج إلى مزيد من الإجراءات الأمنية.
البعد الإقليمي والدولي
تتجاوز قضية بلوشستان الحدود الإيرانية، فالقومية البلوشية موزعة بين إيران وباكستان وأفغانستان، ما يمنحها بعداً عابراً للحدود يجعل التطورات السياسية والأمنية في أي جزء من بلوشستان الكبرى ذات تأثير محتمل على الأجزاء الأخرى. ويُعد إقليم بلوشستان الباكستاني، بحكم حجمه السكاني والجغرافي، مركز الثقل الديموغرافي للحضور البلوشي، بينما يشكل الجزء الإيراني إحدى أهم العقد الاستراتيجية بسبب موقعه البحري وممراته الحدودية. أما أفغانستان، وإن كان الحضور البلوشي فيها أقل عدداً، فإنها تظل مؤثرة عبر ملف الحدود والهجرة وتدفقات التهريب والمياه.
ويتضاعف البعد العابر للحدود مع تطور وسائل الاتصال الحديثة ووسائط التواصل الاجتماعي، التي سهلت نشوء فضاء ثقافي وإعلامي بلوشي يتجاوز الحدود السياسية للدول الثلاث. فالهويات القومية لم تعد مرتبطة بالمجال المحلي فقط، بل باتت تتغذى أيضاً من شبكات إعلامية ونشاطات في الشتات البلوشي، الأمر الذي يمنح الخطاب الهوياتي قدرة أكبر على الانتشار والتعبئة، حتى وإن ظلت المطالب السائدة داخل بلوشستان الإيرانية تدور غالباً حول التنمية والحقوق والمواطنة أكثر من الانفصال.
ويقع الإقليم كذلك في قلب تفاعلات جيوسياسية متشابكة تتجاوز البعد القومي. فمن جهة، يمثل الساحل الممتد على بحر العرب وخليج عمان جزءاً من التنافس على الممرات البحرية بين القوى الإقليمية والدولية. ومن جهة أخرى، تتقاطع في المنطقة مصالح الصين والهند وإيران وباكستان في مشاريع الموانئ والنقل والطاقة. فميناء تشابهار الإيراني يُنظر إليه في نيودلهي بوصفه منفذاً استراتيجياً إلى أفغانستان وآسيا الوسطى دون المرور بالأراضي الباكستانية، بينما يمثل ميناء جوادر الباكستاني أحد أهم مشاريع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني ضمن مبادرة الحزام والطريق. ونتيجة لذلك، أصبح الساحل البلوشي جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بالتنافس على طرق التجارة والربط الإقليمي.
ولا يقل البعد الأمني أهمية عن البعد الاقتصادي. فالحدود الإيرانية مع باكستان وأفغانستان تُعد من أكثر حدود المنطقة نشاطاً في تهريب المخدرات والوقود والأسلحة والهجرة غير النظامية، كما شهدت في السنوات الأخيرة هجمات متبادلة وعمليات عسكرية مرتبطة بجماعات مسلحة تنشط عبر الحدود. وقد أدى هذا الواقع إلى دفع طهران وإسلام آباد إلى تكثيف التعاون الأمني من جهة، وإلى تبادل الاتهامات أحياناً بشأن عدم كفاية ضبط المناطق الحدودية من جهة أخرى. كما أن عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021 أضافت طبقة جديدة من التعقيد، سواء في ما يتعلق بأمن الحدود أو بتدفقات اللاجئين أو بالنزاع حول مياه نهر هلمند الذي يؤثر مباشرة في منطقة سيستان شمال المحافظة.
ومن منظور الدولة الإيرانية، فإن استقرار بلوشستان ليس شأناً محلياً معزولاً، بل جزء من معادلة الأمن القومي وحماية المشروعات الاستراتيجية المرتبطة بالموانئ والطاقة والربط الإقليمي. ولهذا تُقرأ أي اضطرابات داخل الإقليم أحياناً ضمن سياق أوسع يتعلق باحتمال استغلالها من قبل جماعات مسلحة أو أطراف إقليمية أو قوى دولية منافسة. غير أن هذه المقاربة الأمنية والجيوسياسية تصطدم في كثير من الأحيان بالمطالب المحلية للسكان، الذين يركزون على قضايا العمل والخدمات والتنمية والتمثيل السياسي والاعتراف الثقافي.
ومن هنا يبرز التحدي الحقيقي أمام الدولة الإيرانية: كيفية التمييز بين المخاوف الاستراتيجية المشروعة وبين المطالب الاجتماعية والثقافية التي يرفعها البلوش. فكلما جرى دمج المطالب المحلية في سردية التهديد الأمني العابر للحدود، ازدادت صعوبة بناء الثقة بين المركز والمجتمع المحلي. وفي المقابل، فإن تجاهل البعد الإقليمي والحدودي للقضية لا يبدو خياراً واقعياً في منطقة تتشابك فيها الهويات القومية مع الممرات التجارية والحدود الأمنية وصراعات النفوذ في بحر العرب والمحيط الهندي. ولذلك تبدو القضية البلوشية نموذجاً واضحاً لحالة تتداخل فيها الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية بحيث يصعب فصل أحدها عن الآخر عند تحليل أزمة الاندماج الوطني في إيران.
هل تواجه إيران أزمة اندماج وطني؟
تكشف حالة بلوشستان أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه إيران لا يتعلق بوجود التنوع القومي أو المذهبي بحد ذاته، وإنما بكيفية إدارة هذا التنوع داخل إطار الدولة الوطنية. فإيران تُعد واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط تنوعاً من الناحية الإثنية واللغوية، إذ تضم إلى جانب الفرس قوميات رئيسية أخرى مثل الأذريين والأكراد والعرب والبلوش والتركمان واللور، فضلاً عن تعددية مذهبية ودينية تشمل الشيعة والسنة ومكونات دينية أخرى. ومن ثم فإن استقرار الدولة الإيرانية تاريخياً لم يكن مرتبطاً بغياب التنوع، بل بقدرتها على دمج هذا التنوع ضمن إطار سياسي موحد.
ورغم نجاح الدولة الإيرانية الحديثة في الحفاظ على وحدة أراضيها ومنع تفككها على غرار ما حدث في بعض الدول متعددة القوميات، فإن هذا النجاح لم يؤدِ بالضرورة إلى إنهاء الإشكاليات المرتبطة بالعلاقة بين المركز والأطراف. فخلال العقود الماضية شهدت مناطق عدة ذات أغلبية غير فارسية، مثل كردستان وخوزستان وبلوشستان، موجات متكررة من الاحتجاجات والتوترات المرتبطة بقضايا التنمية والهوية والتمثيل السياسي. ويشير ذلك إلى أن التحدي لا يكمن في وحدة الدولة بحد ذاتها، بل في طبيعة الصيغة التي تُدار بها هذه الوحدة.
ومن هذا المنطلق، تبدو أزمة بلوشستان انعكاساً لسؤال أكبر يتعلق بمستقبل العقد الوطني الإيراني نفسه. فالنموذج الذي ساد منذ تأسيس الدولة الحديثة في عهد رضا شاه، واستمر بدرجات متفاوتة بعد الثورة الإسلامية، قام على مركزية سياسية وإدارية قوية هدفت إلى حماية وحدة الدولة ومنع النزعات الانفصالية. وقد نجح هذا النموذج في ترسيخ سلط
