الشرق الأوسط في دوامة الأزمات: لماذا تتكاثر الحروب ولا تنتهي؟
لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة تشهد حروبًا متكررة، وإنما أصبح واحدًا من أكثر الأقاليم تعقيدًا في العالم من حيث تداخل الأزمات وتعدد مستويات الصراع. فالحرب التي تبدأ داخل حدود دولة سرعان ما تتجاوزها إلى دول الجوار، والنزاع السياسي يتحول إلى صراع مسلح، والصراع المسلح يستدعي قوى إقليمية ودولية، ثم تتحول المواجهة إلى أزمة اقتصادية أو إنسانية أو أمنية عابرة للحدود. وما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا أن هذه الأزمات لم تعد منفصلة عن بعضها بعضًا؛ فالحرب في غزة ترتبط بأمن لبنان وسوريا والعراق واليمن، والتوتر بين إسرائيل وإيران ينعكس على أمن الخليج وأسواق الطاقة والممرات البحرية، بينما تتقاطع الحرب في السودان مع أمن مصر والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتبقى أزمات المياه والطاقة والغذاء والهجرة عوامل تضغط على دول المنطقة حتى في غياب الحرب المباشرة. ولهذا يمكن النظر إلى الشرق الأوسط المعاصر باعتباره يعيش مرحلة من «الأزمات المركبة»، حيث تتفاعل عوامل سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وجيوسياسية بحيث يصبح من الصعب معالجة أزمة واحدة بمعزل عن بقية الأزمات.
وتكشف التطورات الأخيرة أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقود السابقة. فقد كان الصراع العربي الإسرائيلي لعقود طويلة يمثل المحور الأساسي للنظام الأمني في الشرق الأوسط، وكانت الحروب الكبرى تدور أساسًا بين دول وجيوش نظامية. أما اليوم، فقد أصبح المشهد أكثر تعددًا؛ إذ تتجاور الحروب الأهلية مع النزاعات الحدودية، وتتداخل الجيوش النظامية مع الجماعات المسلحة، وتعمل القوى الإقليمية من خلال حلفاء محليين، بينما تتدخل القوى الدولية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تحديد موازين القوة. ولم تختفِ القضية الفلسطينية من مركز النظام الإقليمي، بل عادت إلى صدارته بقوة بعد حرب غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، غير أن هذه الحرب كشفت في الوقت نفسه أن القضية الفلسطينية أصبحت جزءًا من شبكة أمنية أوسع بكثير من حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التقليدي. فامتداد المواجهة إلى لبنان، وتصاعد الهجمات في البحر الأحمر، واستهداف مواقع مرتبطة بإيران في سوريا والعراق، ثم الانتقال إلى مواجهات مباشرة بين إسرائيل وإيران، كلها أظهرت أن حدود الجبهات في الشرق الأوسط أصبحت أكثر سيولة من أي وقت مضى.
ويتمثل أحد أبرز التحولات في انتقال المواجهة بين إيران وإسرائيل من نمط «حرب الظل» إلى المواجهة المباشرة. فقد اعتمد الطرفان لسنوات طويلة على أدوات غير مباشرة؛ فإيران بنت شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن والأراضي الفلسطينية، بينما اعتمدت إسرائيل على التفوق العسكري والاستخباراتي والضربات المحدودة والعمليات السرية. وكان هذا النموذج يسمح للطرفين بإدارة الصراع دون الانزلاق بسهولة إلى حرب شاملة. لكن المعادلة بدأت تتغير مع الهجمات المباشرة المتبادلة، وأصبح احتمال المواجهة المفتوحة أكثر حضورًا في الحسابات الاستراتيجية للمنطقة. وتكمن خطورة هذا التحول في أنه لا يتعلق بإيران وإسرائيل وحدهما، لأن أي حرب مباشرة بين قوتين إقليميتين بهذا الحجم يمكن أن تمتد سريعًا إلى دول تقع في محيطهما الجغرافي، أو إلى جماعات مسلحة مرتبطة بهما، أو إلى الممرات البحرية والمنشآت النفطية والطاقة والبنية التحتية الحيوية. وبذلك لم تعد الحرب بين طرفين محددين بالضرورة، بل أصبحت قادرة على إعادة تشكيل البيئة الأمنية والاقتصادية لمنطقة بأكملها.
وتبرز دول الخليج في قلب هذه المعادلة الجديدة. فقد حاولت معظم الدول الخليجية خلال السنوات الأخيرة الانتقال من سياسة التركيز على الأمن العسكري وحده إلى بناء اقتصادات أكثر تنوعًا، وجذب الاستثمارات والسياحة، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة الجديدة. غير أن الحروب المتصاعدة أثبتت أن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن فصله عن الأمن الإقليمي. فمضيق هرمز، على سبيل المثال، ليس مجرد ممر بحري بين إيران ودول الخليج، وإنما أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وأي اضطراب كبير في الملاحة فيه يمكن أن ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد والأسواق المالية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن المنشآت النفطية والموانئ والمطارات ومحطات الطاقة لم تعد مجرد أصول اقتصادية، وإنما أصبحت جزءًا من البنية الاستراتيجية للدولة، الأمر الذي يجعل حماية الاقتصاد جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي.
وفي الوقت نفسه، تظل غزة واحدة من أكثر حلقات الأزمة تعقيدًا، ليس فقط بسبب حجم الخسائر والدمار، وإنما لأن الحرب خلقت سؤالًا سياسيًا يتجاوز وقف إطلاق النار. فحتى إذا توقفت العمليات العسكرية، ستظل هناك أسئلة شديدة الصعوبة حول مستقبل القطاع، والجهة التي ستديره، وترتيبات الأمن، ودور السلطة الفلسطينية، والعلاقة مع إسرائيل، والجهة التي ستتحمل تكلفة إعادة الإعمار. ومن هنا أصبحت إعادة إعمار غزة جزءًا من المعادلة السياسية نفسها، وليست مجرد عملية إنسانية أو اقتصادية. فإعادة بناء المدن والبنية التحتية والمساكن والمستشفيات والمدارس تحتاج إلى موارد ضخمة، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى بيئة سياسية وأمنية تسمح بإعادة البناء والاستثمار. ولذلك فإن أي تسوية مستقبلية ستواجه معضلة تتمثل في أن السلام يحتاج إلى إعادة الإعمار، بينما تحتاج إعادة الإعمار بدورها إلى درجة من الاستقرار السياسي والأمني لا يمكن تحقيقها من دون تسوية أوسع.
ولا تختلف الحالة اللبنانية كثيرًا في جوهرها، وإن كانت تأخذ شكلًا مختلفًا. فقد تراكمت في لبنان خلال السنوات الماضية أزمات سياسية واقتصادية ومؤسسية وأمنية جعلت الدولة نفسها أكثر هشاشة في مواجهة الصدمات الخارجية. وجاءت المواجهات مع إسرائيل لتضيف طبقة جديدة من الخسائر إلى اقتصاد يعاني أصلًا من أزمة مالية عميقة. لكن السؤال اللبناني الأهم لا يتعلق فقط بحجم الأضرار أو تكلفة إعادة الإعمار، وإنما بطبيعة الدولة نفسها وقدرتها على احتكار قرار الحرب والسلام. فوجود قوة مسلحة كبيرة خارج السيطرة الكاملة للمؤسسات الرسمية يجعل أي تسوية أمنية مرتبطة بالحدود مع إسرائيل جزءًا من سؤال أوسع يتعلق بتوزيع القوة داخل الدولة اللبنانية، وبالعلاقة بين الدولة والقوى السياسية والطائفية، وبالدور الذي تلعبه القوى الإقليمية في تحديد اتجاهات السياسة اللبنانية. ولذلك فإن إعادة بناء لبنان لا يمكن أن تكون مجرد مشروع اقتصادي؛ فهي تتطلب أيضًا إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على اتخاذ القرارات السيادية.
أما سوريا، فقد دخلت بعد سقوط نظام بشار الأسد مرحلة تاريخية جديدة، لكن انتهاء حكم النظام السابق لم يعنِ انتهاء الأزمة السورية. فالدولة التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب تواجه تحديات ضخمة تتعلق بإعادة بناء مؤسساتها، وتوحيد المجال الأمني والعسكري، وإدارة التعدد السياسي والإثني، والتعامل مع القوى المسلحة، وترتيب العلاقة مع الأكراد، وضمان أمن الحدود، والتعامل مع المصالح المتعارضة للقوى الإقليمية والدولية. كما أن سقوط النظام السابق أعاد توزيع النفوذ بدل أن يلغي التنافس عليه. فتركيا تراقب مستقبل القوى الكردية على حدودها، وإسرائيل تنظر إلى التطورات السورية من منظور أمنها الحدودي ومنع تشكل تهديدات عسكرية جديدة، بينما تواجه إيران خسارة جزء مهم من شبكة النفوذ التي بنتها داخل سوريا على مدى سنوات، وتسعى الدول العربية إلى إعادة إدماج سوريا في محيطها العربي. ولهذا فإن مستقبل سوريا سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنطقة على الانتقال من منطق النفوذ العسكري إلى منطق بناء الدولة، لأن استمرار سوريا كساحة تنافس بين القوى الخارجية سيجعل استقرارها الداخلي أكثر هشاشة مهما تغيرت الحكومات أو التحالفات.
وفي اليمن تبدو العلاقة بين الحرب الداخلية والتنافس الإقليمي أكثر وضوحًا. فقد بدأت الحرب بوصفها صراعًا على السلطة والدولة، لكنها تحولت تدريجيًا إلى جزء من المنافسة بين القوى الإقليمية، ثم اكتسبت أهمية دولية بسبب الموقع الجغرافي لليمن وسيطرة الحوثيين على مناطق واسعة منه. فباب المندب ليس مجرد مضيق بحري بالنسبة إلى اليمن، وإنما أحد أهم الممرات التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي وقناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة البحرية حوله ينعكس على التجارة الدولية وتكاليف الشحن وأسعار الطاقة. وهنا تظهر إحدى السمات الرئيسية للأزمات الشرق أوسطية المعاصرة: الجغرافيا لم تعد مجرد عامل ثابت في الصراع، وإنما أصبحت أداة من أدوات القوة. فالدولة أو الجماعة التي تسيطر على موقع استراتيجي قد تستطيع التأثير في اقتصاد دول بعيدة عنها دون أن تمتلك اقتصادًا كبيرًا أو جيشًا تقليديًا متفوقًا.
وفي العراق، تبدو الصورة مختلفة نسبيًا. فبعد سنوات من الحرب والاحتلال والإرهاب، نجح العراق في استعادة قدر من الاستقرار السياسي والأمني، وبدأ في التركيز بصورة أكبر على التنمية والبنية التحتية والعلاقات الاقتصادية. لكن موقعه الجغرافي يجعله شديد الحساسية أمام أي تصعيد إقليمي؛ فهو يقع بين إيران وتركيا ودول الخليج وسوريا، ويستضيف في الوقت نفسه مصالح وقوى مرتبطة بالولايات المتحدة وإيران. ولهذا يواجه العراق معضلة مستمرة تتمثل في حماية سيادته ومنع أراضيه من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وتكشف التجربة العراقية في الوقت نفسه أن الخروج من دورة الحرب ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى وقت طويل وإلى بناء مؤسسات قادرة على تحويل الاستقرار الأمني إلى استقرار سياسي واقتصادي. فالدولة لا تخرج من الحرب بمجرد توقف إطلاق النار، وإنما عندما تصبح مؤسساتها أقوى من القوى التي كانت تستفيد من غيابها.
وهنا نصل إلى العامل الأكثر عمقًا في تفسير أزمات الشرق الأوسط: أزمة الدولة نفسها. فالكثير من الحروب التي تبدو في ظاهرها طائفية أو إثنية أو جيوسياسية ترتبط في جانب أساسي منها بضعف المؤسسات السياسية وقدرتها على إدارة التنافس على السلطة والثروة. وعندما تفشل المؤسسات في توفير قنوات سلمية للتنافس، يصبح السلاح وسيلة سياسية. وعندما تفقد الدولة احتكارها للقوة، تظهر جماعات مسلحة تنافسها على النفوذ. وعندما تصبح الدولة عاجزة عن حماية مصالح جميع مواطنيها، تبدأ الهويات الطائفية أو الإثنية أو المناطقية في الحلول محل الهوية الوطنية. وفي هذه اللحظة يصبح التدخل الخارجي أكثر سهولة، لأن الأطراف الداخلية تبحث عن داعمين خارجيين، فيما تجد القوى الإقليمية والدولية في الانقسامات المحلية فرصة لتوسيع نفوذها.
ولهذا فإن اختزال أزمات الشرق الأوسط في الطائفية وحدها لا يقدم تفسيرًا كافيًا. فالطائفية قد تصبح أداة لتنظيم الصراع، لكنها ليست بالضرورة مصدره الأول. ففي العديد من الحالات، تبدأ المنافسة باعتبارها صراعًا على السلطة أو الموارد أو النفوذ، ثم تُعاد صياغتها من خلال الهويات الطائفية والإثنية. كما أن التحالفات يمكن أن تتغير عندما تتغير المصالح، وقد تتحالف جماعات تنتمي إلى هويات مختلفة في مواجهة خصم مشترك. ولذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس لماذا يتقاتل الناس بسبب هوياتهم، وإنما لماذا تصبح الهوية أكثر قدرة من المؤسسات على تنظيم توزيع القوة والموارد.
ويتصل ذلك مباشرة بالاقتصاد. فالفقر وحده لا يفسر الحروب، كما أن الثروة لا تمنعها بالضرورة. فقد تخوض دول غنية حروبًا طويلة، بينما تستطيع دول فقيرة الحفاظ على قدر من الاستقرار. العامل الأكثر أهمية هو طبيعة المؤسسات الاقتصادية والسياسية وكيفية توزيع الموارد. فعندما تتركز الموارد في يد مجموعة محدودة، تصبح السيطرة على الدولة نفسها هدفًا للصراع. وعندما تتحول الوظائف الحكومية إلى أدوات للمحسوبية، يصبح الوصول إلى السلطة طريقًا للوصول إلى الثروة. وعندما تصبح الحرب مصدر دخل لبعض الجماعات المسلحة وشبكات الاقتصاد غير الرسمي، يصبح استمرار الصراع في مصلحة أطراف لديها قدرة على عرقلة السلام. ولهذا فإن بعض الحروب تستمر ليس لأنها مستحيلة الحل، وإنما لأن استمرارها قد يخدم مصالح سياسية أو اقتصادية محددة.
وتزداد هذه المعضلة مع تغير طبيعة الموارد الاستراتيجية في المنطقة. فقد ظل النفط لعقود العامل الاقتصادي والجيوسياسي الأهم، لكن مفهوم الأمن الاستراتيجي أصبح اليوم أكثر اتساعًا. فالغاز والموانئ وخطوط الأنابيب والكابلات البحرية ومراكز البيانات وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي والمياه أصبحت جميعها جزءًا من المنافسة على النفوذ. وهذا يعني أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأرض أو تغيير الحكومات، وإنما حول التحكم في البنية التحتية التي تربط المنطقة بالاقتصاد العالمي. ومن هنا يمكن فهم سبب الاهتمام الدولي المتزايد بالممرات البحرية والموانئ والمناطق الاقتصادية والمشروعات العابرة للحدود.
وإذا كان النفط قد شكل أحد أهم مصادر القوة في القرن العشرين، فإن المياه قد تصبح واحدة من أكثر القضايا حساسية في القرن الحادي والعشرين. فالشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم تعرضًا للإجهاد المائي، وتواجه دوله ضغوطًا متزايدة بسبب النمو السكاني والتغير المناخي وارتفاع الطلب على الغذاء والطاقة. وتتشابك هذه المسألة مع نزاعات المياه في الأنهار والأحواض المشتركة، وفي مقدمتها النيل ودجلة والفرات، إضافة إلى أزمات المياه في سوريا والعراق والأردن والأراضي الفلسطينية. والخطر هنا أن أزمات المياه لا تحتاج إلى أن تتحول مباشرة إلى حرب حتى تؤثر في الأمن؛ فقد تبدأ بانخفاض الإنتاج الزراعي، ثم ارتفاع أسعار الغذاء، ثم هجرة سكان الريف، ثم ضغط متزايد على المدن، ثم توترات اجتماعية وسياسية. ومن هذه الزاوية يصبح تغير المناخ عاملًا مضاعفًا للأزمات وليس سببًا منفردًا للحرب.
وتكشف الهجرة والنزوح الوجه الآخر لهذه الأزمات. فالحرب لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، لأن آثارها تنتقل إلى الأجيال التالية عبر التعليم والصحة والدخل والتركيبة السكانية. فالطفل الذي ينقطع عن المدرسة خلال سنوات الحرب قد يدخل سوق العمل من دون المهارات المطلوبة، والأسرة التي تفقد منزلها قد تحتاج سنوات للعودة إلى حياتها الطبيعية، واللاجئون الذين يستقرون في بلدان أخرى قد لا يعودون حتى بعد تحسن الوضع الأمني. ولذلك فإن التكلفة الحقيقية للحرب لا تظهر في حجم المباني المدمرة أو أعداد الضحايا فقط، وإنما في رأس المال البشري الذي يُفقد وفي الفرص الاقتصادية التي تضيع وفي المؤسسات التي تحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بنائها.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تفشل كثير من اتفاقات السلام في الشرق الأوسط في تحويل وقف إطلاق النار إلى سلام دائم. فوقف القتال لا يعالج بالضرورة الأسباب السياسية التي أنتجته، والاتفاق الذي يوزع السلطة بين النخب قد لا يحل مشكلة الاقتصاد أو التهميش، والتسوية التي لا تعالج وضع القوى المسلحة قد تترك إمكانية العودة إلى الحرب قائمة، كما أن استمرار التدخلات الخارجية يمكن أن يمنح الأطراف المحلية حوافز لمواصلة التفاوض من أجل تحسين مواقعها بدل إنهاء الصراع. ولذلك فإن السلام المستدام يحتاج إلى أكثر من اتفاق سياسي؛ يحتاج إلى ترتيبات أمنية قابلة للتطبيق، ومؤسسات سياسية تتمتع بقدر من الشرعية، واقتصاد قادر على توفير فرص حقيقية، ونظام إقليمي يقلل من قدرة القوى الخارجية على إعادة إشعال الصراعات.
وهذا يقود إلى المشكلة الأوسع: الشرق الأوسط يعاني أيضًا من غياب نظام أمني إقليمي قادر على إدارة التنافس. فالولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وتركيا والدول العربية ودول الخليج وروسيا والصين وغيرها من القوى الدولية تمتلك مصالح مختلفة وتصورات متباينة للأمن الإقليمي. وبعض هذه التصورات يتعارض بصورة مباشرة. ولذلك فإن الاتفاقات الثنائية، على أهميتها، لا تستطيع وحدها معالجة مشكلة إقليمية بهذا الحجم. ما تحتاجه المنطقة في المدى الطويل هو تطوير ترتيبات تسمح بإدارة الخلافات قبل تحولها إلى حروب، وتضع قواعد واضحة للتعامل مع الأزمات، وتفتح قنوات اتصال بين الخصوم، وتخلق مصالح مشتركة في الاستقرار الاقتصادي والأمني.
ولعل أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها المجتمع الدولي في التعامل مع الشرق الأوسط هو التركيز على إدارة الأزمات بعد انفجارها بدل الاستثمار الكافي في منعها. فالوسطاء يصلون غالبًا بعد اندلاع الحرب، والمساعدات الإنسانية تتوسع بعد حدوث النزوح، وخطط إعادة الإعمار تبدأ بعد تدمير البنية التحتية، والمفاوضات السياسية تنطلق بعد أن تكون تكلفة التسوية قد ارتفعت بصورة هائلة. لكن الوقاية من الصراع أرخص بكثير من إدارة الحرب. وهذا يعني أن إصلاح المؤسسات، وتحسين الحوكمة المحلية، وتسوية النزاعات الحدودية، وإدارة الموارد المائية، وتوفير فرص العمل، وإصلاح القطاع الأمني، وبناء أنظمة عدالة أكثر فاعلية، ليست ملفات تنموية منفصلة عن الأمن، وإنما تمثل في جوهرها سياسات أمنية طويلة الأجل.
ومع ذلك، فإن المشهد الإقليمي لا يخلو من مؤشرات على إمكانية الخروج من هذه الدائرة. فقد استطاعت دول عربية وإسرائيل الانتقال من الحرب إلى السلام، وتمكنت دول خليجية وإيران من إعادة فتح قنوات دبلوماسية بعد سنوات من التوتر، كما أظهرت تجارب العراق ودول أخرى أن الدولة يمكنها استعادة جزء من قدرتها على العمل بعد سنوات من الصراع. لكن هذه التجارب لا تعني أن السلام أصبح مضمونًا، وإنما تؤكد أن الصراع ليس قدرًا دائمًا. المشكلة أن الانتقال من الحرب إلى السلام يحتاج إلى بناء مصالح جديدة تجعل الاستقرار أكثر فائدة من استمرار الصراع، وهو ما يتطلب إعادة بناء الدولة والاقتصاد معًا، وليس الاكتفاء بوقف العمليات العسكرية.
ولهذا فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بنتائج الحروب الحالية أو بموازين القوة العسكرية بين الدول، وإنما بقدرة المجتمعات والدول على تغيير القواعد التي أنتجت هذه الحروب. فإذا ظلت الدولة ضعيفة، وظلت الجماعات المسلحة أقوى من المؤسسات في بعض البيئات، وظلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بلا حلول، وظلت القوى الإقليمية تستخدم الصراعات المحلية لتوسيع نفوذها، فإن توقف حرب واحدة لن يعني سوى انتظار الحرب التالية. أما إذا نجحت دول المنطقة في بناء مؤسسات أكثر شمولًا، وتوفير قدر أكبر من العدالة السياسية والاقتصادية، وإدارة مواردها المشتركة، وتقليل دوافع التدخل الخارجي، فقد يصبح من الممكن الانتقال تدريجيًا من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الاستقرار.
وفي النهاية، فإن المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط ليست كثرة الحروب وحدها، وإنما الطريقة التي أصبحت بها الحروب والأزمات تنتج بعضها بعضًا. فالحرب تضعف الدولة، وضعف الدولة يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة، وصعود هذه الجماعات يستدعي التدخل الخارجي، والتدخل الخارجي يعمق الانقسامات، والانقسامات تعرقل التنمية، وتراجع التنمية يزيد السخط ويعيد إنتاج البيئة التي تسمح بالصراع. إنها دائرة يصعب كسرها إذا عولجت كل أزمة بصورة منفصلة. ولذلك فإن وقف حرب واحدة، مهما كان مهمًا، لا يكفي لبناء سلام مستدام.
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهه الشرق الأوسط في السنوات المقبلة ليس فقط: كيف نوقف الحرب؟ وإنما: كيف نبني نظامًا سياسيًا واقتصاديًا وإقليميًا يجعل الحرب أقل فائدة من السلام؟ فالجيوش تستطيع فرض وقف لإطلاق النار، لكنها لا تستطيع وحدها بناء شرعية سياسية. والاتفاقات تستطيع إنهاء معركة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء اقتصاد أو إعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. وإعادة الإعمار تستطيع بناء المدن، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة أسباب الصراع. ولذلك فإن السلام الحقيقي يبدأ عندما تصبح مؤسسات الدولة أقوى من منطق السلاح، ويصبح التعاون الإقليمي أكثر فائدة من التنافس، وتصبح التنمية جزءًا من الأمن وليست نتيجة مؤجلة له.
ومن هذه الزاوية، فإن معركة الشرق الأوسط الحقيقية ليست فقط معركة ضد الحروب القائمة، وإنما معركة ضد البيئة التي تجعل الحرب خيارًا متاحًا ومربحًا وقابلًا لإعادة الإنتاج. وإذا لم تنجح دول المنطقة والقوى الدولية في تغيير هذه البيئة، فإن الشرق الأوسط سيظل ينتقل من حرب إلى أزمة، ومن أزمة إلى تسوية مؤقتة، ومن تسوية إلى حرب جديدة. أما إذا أمكن بناء منظومة تجعل الدولة أكثر قدرة، والمجتمع أكثر مشاركة، والاقتصاد أكثر عدالة، والعلاقات الإقليمية أكثر استقرارًا، فقد تبدأ المنطقة أخيرًا في الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة السلام.
