العلاقات المغربية الإسرائيلية طبقات من التاريخ والمصالح والتحالف الاستراتيجي
من ذاكرة التعايش اليهودي الإسلامي إلى التطبيع الدبلوماسي والتعاون العسكري، تتشكل العلاقة بين الرباط وتل أبيب على قاعدة تاريخية واجتماعية ودينية معقدة، فيما تكشف حرب غزة وتراجع التأييد الشعبي للتطبيع عن فجوة متزايدة بين حسابات الدولة ومواقف المجتمع. ومع انتقال العلاقات إلى مرحلة التمثيل الدبلوماسي الكامل في سبتمبر 2026، يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع المصالح الاستراتيجية حماية هذه الشراكة من التناقضات التي تهدد أسسها الاجتماعية والسياسية؟
علاقة تتجاوز التطبيع الدبلوماسي
لا يمكن فهم العلاقات المغربية الإسرائيلية باعتبارها مجرد نتيجة لاتفاق التطبيع الذي أُعلن في ديسمبر 2020، أو بوصفها امتداداً مباشراً للتحولات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط عقب توقيع اتفاقيات أبراهام. فهذه العلاقة تستند إلى تاريخ طويل من الحضور اليهودي في المغرب، وإلى ذاكرة اجتماعية وثقافية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين المسلمين واليهود، فضلاً عن شبكة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية التي دفعت الطرفين إلى المحافظة على قنوات الاتصال حتى في أكثر المراحل الإقليمية اضطراباً.
غير أن استمرارية هذه العلاقة لا تعني أنها كانت متواصلة بالدرجة نفسها، ولا أنها قامت دائماً على الانسجام أو التكافؤ. فقد شهد التاريخ المغربي فترات من التعايش والتعاون، وأخرى من التمييز والاضطهاد والتوتر، كما عرفت العلاقات السياسية مع إسرائيل مراحل من السرية والانفتاح، وصولاً إلى استئناف العلاقات الرسمية عام 2020، ثم التوجه نحو تعميقها مؤسسياً خلال عام 2026.
ومن هنا، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بأسباب التقارب بين الرباط وتل أبيب، بل بكيفية استمرار هذا التقارب رغم التناقض الواضح بين المصالح الاستراتيجية للدولة المغربية ومواقف قطاعات واسعة من المجتمع تجاه السياسات الإسرائيلية، ولا سيما الحرب في قطاع غزة والقضية الفلسطينية.
يمكن تحليل هذه العلاقة من خلال ست طبقات مترابطة: التاريخ، والتعايش الاجتماعي، والتداخل الديني والثقافي، والمصداقية السياسية، والمصالح المتبادلة، ثم الإطار الدبلوماسي الذي وفرته اتفاقيات أبراهام. وتكشف دراسة هذه الطبقات أن قوة العلاقة لا تنبع من مصدر واحد، بل من تفاعل مستويات مختلفة، لكل منها أدواتها الخاصة للاستمرار، كما أن هشاشتها تنشأ من التفاوت بين قوتها الاستراتيجية وضعف شرعيتها الشعبية.
أولاً: التاريخ بوصفه رأسمالاً سياسياً وذاكرة وطنية
يمثل الحضور اليهودي في المغرب أحد أقدم المكونات التاريخية للتنوع الديني والثقافي في البلاد. وتشير الشواهد الأثرية والنقوش إلى وجود جماعات يهودية في مناطق من المغرب خلال العهد الروماني، فيما تربط تقاليد تاريخية أخرى وجود اليهود في المنطقة بمراحل أقدم من ذلك. غير أن الحديث عن علاقة متواصلة تمتد إلى ألفين وخمسمائة عام يحتاج إلى قدر من التحفظ التاريخي، لأن الأدلة المتاحة لا تسمح بإثبات جميع حلقات هذا التسلسل الزمني بالدرجة نفسها من اليقين.
ومع انتشار الإسلام في المغرب، دخل الوجود اليهودي ضمن منظومة قانونية واجتماعية نظمت علاقة المسلمين بأهل الكتاب. وقد وفرت هذه المنظومة، في مراحل متعددة، حماية للجماعات اليهودية وسمحت لها بممارسة شعائرها وإدارة شؤونها المجتمعية، لكنها أقرت أيضاً تفاوتاً في المكانة القانونية والاجتماعية. وتفاوت تطبيق هذه القواعد تبعاً لقوة السلطة المركزية والظروف السياسية والاقتصادية، بحيث تعايشت الحماية الملكية أحياناً مع التمييز، كما تعايش الاستقرار في بعض الفترات مع موجات من الإكراه والاضطهاد في فترات أخرى.
وشكل وصول اليهود المطرودين من إسبانيا والبرتغال في أواخر القرن الخامس عشر نقطة تحول في تاريخ الجماعات اليهودية المغربية. فقد أسهم الوافدون الجدد في تطوير الحياة الدينية والثقافية والتجارية، وتفاعلوا تدريجياً مع الجماعات اليهودية المحلية، لتتشكل هوية يهودية مغربية تجمع بين التأثيرات الأندلسية والخصوصيات المغاربية.
وخلال القرون اللاحقة، اضطلع بعض اليهود بأدوار مهمة في التجارة والوساطة المالية والعلاقات الخارجية، وارتبطت فئات منهم بالبلاط السلطاني، ولا سيما في المدن والموانئ التجارية. وأسهم هذا الدور في تعزيز الروابط بين الجماعات اليهودية والسلطة، لكنه جعل بعض هذه الجماعات أيضاً عرضة للاتهامات المرتبطة بالقرب من الحكم أو التعامل مع القوى الأوروبية.
وفي القرن العشرين، اكتسبت العلاقة بين الملكية المغربية واليهود أهمية رمزية خاصة. فقد أصبحت مواقف السلطان محمد الخامس خلال الحرب العالمية الثانية، وما ارتبط بها من روايات عن حماية اليهود المغاربة في مواجهة السياسات المعادية لليهود التي فرضتها سلطات فيشي، جزءاً أساسياً من الذاكرة السياسية المغربية. ومع أن الدراسات التاريخية تناقش حدود هذه الحماية والقيود التي أحاطت بها، فإن الواقعة اكتسبت مكانة بارزة في الخطاب الرسمي الذي يقدم الملكية باعتبارها ضامناً لاستمرار المكون اليهودي ضمن الهوية الوطنية.
لكن هذا الإرث لا يخلو من التناقضات. فالتاريخ المغربي اليهودي لا يقتصر على الحماية والتعايش، بل يتضمن أيضاً فترات من التمييز والعنف والهشاشة. ولذلك فإن توظيفه في السياسة المعاصرة يكون أكثر مصداقية حين يعترف بتعقيداته، بدلاً من تحويله إلى رواية مثالية تخفي جوانبه الصعبة.
تكمن الأهمية السياسية لهذا التاريخ في أنه يمنح المغرب خصوصية داخل العالم العربي؛ فالعلاقة مع اليهود ليست بالنسبة إلى المملكة مسألة خارجية بالكامل، بل ترتبط أيضاً بتاريخ مواطنين مغاربة، ومؤسسات دينية وثقافية، وذاكرة وطنية ما زالت حاضرة في الداخل والمهجر.
ثانياً: التعايش الاجتماعي... ما وراء الاتفاقات الرسمية
إذا كان التاريخ يوفر الإطار العام للعلاقة، فإن التعايش اليومي يمنحها مضمونها الاجتماعي. فقد عاش المسلمون واليهود في المدن والقرى المغربية ضمن فضاءات مشتركة للتجارة والعمل والجوار، وتداخلت لغاتهم وعاداتهم وأنماطهم الموسيقية والغذائية، رغم الاختلافات الدينية والفوارق القانونية والاجتماعية التي ميزت أوضاعهم.
وفي مدن مثل فاس ومراكش والصويرة، لم تكن الأحياء اليهودية فضاءات مغلقة بصورة مطلقة، بل ارتبطت بالأسواق والحرف والتجارة وشبكات الائتمان. كما عاش اليهود في مناطق من الأطلس والجنوب ضمن بيئات أمازيغية، وتحدثوا لغات محلية، وشاركوا في جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية لجيرانهم المسلمين.
وظهرت هذه الروابط أيضاً في الممارسات الثقافية. فقد أسهم الموسيقيون اليهود في تطوير الموسيقى الأندلسية المغربية، وتبادلت الأسر المسلمة واليهودية الزيارات والهدايا في مناسبات معينة، ومن أبرز الأمثلة احتفالات «ميمونة» التي أعقبت عيد الفصح اليهودي، وارتبطت في بعض المناطق المغربية بمشاركة الجيران المسلمين.
وقد بقيت هذه التجارب حاضرة في ذاكرة المهاجرين اليهود المغاربة وفي روايات بعض المسلمين الذين عرفوا جيراناً يهوداً قبل موجات الهجرة الكبرى. وتكشف هذه الذاكرة عن انتماء مغربي استمر لدى كثير من أبناء الجالية اليهودية، حتى بعد انتقالهم إلى إسرائيل أو فرنسا أو كندا أو غيرها من البلدان.
لكن من الضروري التمييز بين التعايش التاريخي وبين التصور الرومانسي الذي يصوره باعتباره انسجاماً كاملاً. فقد كانت العلاقات الاجتماعية محكومة أحياناً باختلالات في القوة والمكانة، كما شهدت فترات من العنف والتوتر. ولا يلغي ذلك قيمة التعايش، بل يجعل فهمه أكثر واقعية.
وتبرز هنا نقطة سياسية مهمة: إن الارتباط باليهود المغاربة لا يعني بالضرورة تأييد سياسات الحكومة الإسرائيلية. فالمغربي الذي يستحضر ذكريات الجوار والتاريخ المشترك يستطيع، في الوقت نفسه، أن يرفض الحرب في غزة أو يعارض الاحتلال والاستيطان أو يرفض التطبيع في صيغته الحالية.
وبذلك، يصبح التعايش رصيداً اجتماعياً مستقلاً عن العلاقات الحكومية، لا أداة لتبريرها تلقائياً. وقد يكون هذا التمييز أحد أهم مفاتيح فهم الموقف المغربي المعاصر: فالمجتمع قادر على الاعتزاز بمكونه اليهودي، مع الاحتفاظ بموقف سياسي ناقد تجاه إسرائيل.
ثالثاً: الدين والهوية الدستورية... مساحة للتقارب وحدود للتناقض
لا تقتصر الروابط بين المسلمين واليهود في المغرب على التاريخ والعادات، بل تشمل أيضاً جوانب من الممارسات الدينية الشعبية. فقد شهدت مناطق مغربية، في مراحل تاريخية مختلفة، تداخلاً في تقاليد زيارة الأضرحة والتماس البركة، حيث ارتبطت بعض المزارات بشخصيات دينية حظيت بمكانة لدى أتباع الديانتين.
وقد وثقت دراسات أنثروبولوجية مظاهر من هذا التداخل، بما في ذلك مشاركة مسلمين في مواسم دينية يهودية، واحترام بعض الجماعات المحلية لمزارات ارتبطت بشخصيات يهودية. وتكشف هذه الممارسات عن أشكال من التفاعل الديني والاجتماعي تجاوزت الحدود الرسمية التي تفصل بين العقائد.
ومع ذلك، ينبغي عدم تعميم هذه الظواهر على المجتمع المغربي كله أو اعتبارها دليلاً على تطابق المعتقدات الإسلامية واليهودية. فقد ظلت لكل ديانة تقاليدها العقدية والفقهية الخاصة، كما تراجعت بعض الممارسات المشتركة بفعل التحضر والتغيرات الاجتماعية والهجرة وتبدل أنماط التدين.
أما على المستوى المؤسسي، فقد اكتسبت الهوية الدينية المغربية صياغة دستورية واضحة مع دستور عام 2011. إذ أشار الدستور في ديباجته إلى المكون العبري ضمن الروافد التي أغنت الهوية المغربية، إلى جانب المكونات العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، والتأثيرات الإفريقية والأندلسية والمتوسطية. كما نص على ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية، مع احتفاظ الملك بمكانته الدينية بصفته أمير المؤمنين.
وتمنح هذه الصياغة اليهودية موقعاً داخل تعريف الدولة لهويتها الوطنية، بدلاً من حصرها في إطار أقلية دينية منفصلة عن التاريخ العام للبلاد. وقد تعزز هذا التوجه من خلال ترميم المعابد والمقابر اليهودية، والاهتمام بالتراث اليهودي، وإبراز مساهماته في الذاكرة الثقافية المغربية.
غير أن الدين نفسه يفرض حدوداً على التقارب مع إسرائيل. فمكانة القدس في الوجدان الإسلامي، والارتباط الديني والسياسي بالقضية الفلسطينية، يجعلان من الصعب تقديم العلاقة مع إسرائيل باعتبارها امتداداً طبيعياً للتسامح الديني وحده.
ويزداد هذا التناقض وضوحاً بالنظر إلى رئاسة العاهل المغربي لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي. فالمؤسسة الملكية التي ترعى التراث اليهودي وتدعم العلاقات مع إسرائيل ترتبط أيضاً بمسؤولية سياسية ورمزية تجاه القدس والفلسطينيين.
وهكذا، لا يشكل الدين جسراً للتقارب فحسب، بل يمثل أيضاً أحد مصادر الاعتراض عليه عندما يُنظر إلى التطبيع باعتباره متعارضاً مع حقوق الفلسطينيين أو مع الالتزامات الأخلاقية والسياسية المرتبطة بالقدس.
رابعاً: المصداقية السياسية... بين القناعة والحسابات الاستراتيجية
تطرح العلاقات المغربية الإسرائيلية سؤالاً معقداً بشأن صدقية الخطاب السياسي: هل يستند التقارب إلى قناعة تاريخية وثقافية حقيقية، أم أنه في جوهره صفقة استراتيجية جرى تغليفها بخطاب التعايش؟
لا تبدو الإجابة محصورة في أحد الخيارين. ففي السياسة الخارجية، يمكن للمواقف أن تجمع بين القناعة والمصلحة، ولا يؤدي وجود منفعة استراتيجية بالضرورة إلى إلغاء البعد القيمي أو التاريخي.
وتظهر استمرارية اهتمام المؤسسة الملكية باليهود المغاربة، قبل استئناف العلاقات الرسمية وبعده، أن الاعتراف بالمكون العبري ليس مجرد ظاهرة طارئة مرتبطة باتفاقات عام 2020. ويعزز هذا الاستنتاج وجود شخصيات يهودية مغربية في دوائر ثقافية واستشارية، فضلاً عن استمرار رعاية المؤسسات والتراث اليهوديين.
لكن هذا البعد يتداخل مع حسابات سياسية واضحة. فالعلاقات مع إسرائيل والروابط مع الجاليات اليهودية في الخارج يمكن أن تساعد المغرب في تعزيز حضوره لدى الولايات المتحدة ودوائر سياسية واقتصادية غربية، كما تتصل بأولويات استراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية.
وفي المقابل، يحتفظ كثير من اليهود من أصول مغربية بارتباط عاطفي وثقافي بالمملكة، من خلال الموسيقى والتقاليد الدينية والزيارات العائلية والمواسم الدينية. غير أن هذا الارتباط لا يلغي التجارب المعقدة التي عاشتها بعض الجماعات اليهودية المغاربية داخل المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك التهميش الثقافي الذي تناقشه دراسات نقدية عن تاريخ اليهود الشرقيين.
أما داخل المجتمع المغربي المسلم، فتظهر فجوة بين الاعتزاز باليهود المغاربة ورفض سياسات إسرائيل. وتشير بيانات استطلاعات الرأي التي يستشهد بها النص الأصلي إلى تراجع التأييد للتطبيع من 31 في المائة عام 2022 إلى 13 في المائة بعد أكتوبر 2023. وينبغي قراءة هذه الأرقام ضمن حدود كل استطلاع وتوقيته وصياغة أسئلته، لكنها تعكس اتجاهاً واضحاً نحو اتساع المسافة بين السياسة الرسمية والمزاج الشعبي عقب الحرب في غزة.
وتكمن أهمية هذه الفجوة في أنها لا تعني بالضرورة انهيار الذاكرة المشتركة، بل تكشف عن اختلاف بين موضوعين: العلاقة مع اليهود باعتبارهم مكوناً من مكونات التاريخ المغربي، والعلاقة مع إسرائيل باعتبارها دولة تتخذ قرارات عسكرية وسياسية موضع خلاف.
وإذا أرادت الرباط الحفاظ على صدقية خطابها المتعلق بالتعايش، فإن ذلك يتطلب الفصل الواضح بين الهوية اليهودية والسياسات الحكومية الإسرائيلية، مع حماية المواطنين اليهود المغاربة بصرف النظر عن مسار العلاقات الثنائية.
كما يتطلب الأمر أن تكون المواقف المغربية المعلنة بشأن الحقوق الفلسطينية قابلة للترجمة إلى مواقف دبلوماسية واضحة، حتى لا يبدو خطاب التعايش وسيلة لتجاوز التناقضات السياسية بدلاً من إدارتها.
خامساً: الصحراء الغربية والأمن والتكنولوجيا... المصالح التي تدعم التقارب
تمثل المصالح الاستراتيجية إحدى أقوى ركائز العلاقات المغربية الإسرائيلية، إذ توفر للحكومتين حوافز عملية للاستمرار في التعاون حتى عندما تتراجع مستويات التأييد الشعبي أو تتدهور الأوضاع الإقليمية.
بالنسبة إلى المغرب، تحتل قضية الصحراء الغربية موقعاً محورياً في سياسته الخارجية. وقد اقترنت استعادة العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر 2020 باعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الإقليم، فيما أعلنت إسرائيل اعترافها بالسيادة المغربية في يوليو 2023.
ويكشف هذا التسلسل عن تداخل واضح بين الدبلوماسية الثنائية والمطلب المغربي المتعلق بالصحراء. فالتقارب لم يكن منفصلاً عن الحسابات الأمريكية والإقليمية، بل جاء ضمن ترتيب سياسي أوسع منح الرباط مكسباً دبلوماسياً مهماً مقابل استئناف العلاقات الرسمية مع إسرائيل.
كما أن الموقف الذي تبناه مجلس الأمن في قراره رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، وفق ما يورده النص الأصلي، أعاد تسليط الضوء على أهمية المبادرة المغربية للحكم الذاتي في مسار التفاوض. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين دعم مقترح أو اعتماده أساساً للمفاوضات وبين حسم الوضع النهائي للإقليم، إذ تظل القضية مرتبطة بمسار سياسي دولي معقد.
إلى جانب الصحراء، برز التعاون الدفاعي بوصفه أحد أكثر جوانب العلاقة تطوراً. فقد وقع الطرفان مذكرة للتعاون في المجال الدفاعي في نوفمبر 2021، وبدأت الاتصالات العسكرية والتقنية تتخذ طابعاً أكثر علنية مقارنة بالمراحل السابقة التي غلبت عليها السرية.
وتستهدف الرباط من هذا التعاون تنويع مصادر التسليح، والحصول على تقنيات متقدمة في مجالات الاستخبارات والمراقبة والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والأمن السيبراني، فضلاً عن تطوير قدرات التصنيع العسكري المحلي.
أما إسرائيل، فتسعى إلى توسيع أسواق صادراتها الدفاعية، وتعزيز حضورها في شمال إفريقيا، والاستفادة من موقع المغرب وعلاقاته المتعددة مع الولايات المتحدة وأوروبا وإفريقيا.
ويشير النص الأصلي إلى أن مشاركة شركات دفاعية إسرائيلية في معرض مراكش للطيران في أكتوبر 2026، عبر جناح وطني للمرة الأولى، تعكس انتقال العلاقة من استيراد المعدات إلى محاولة بناء شراكات صناعية أكثر رسوخاً. غير أن تحويل هذه الشراكات إلى قاعدة إنتاج محلية مستدامة يتطلب نقل المعرفة والتدريب وتطوير الكفاءات المغربية، وليس الاكتفاء بشراء الأنظمة العسكرية.
وتتصل هذه المصالح أيضاً بالتنافس الإقليمي، ولا سيما العلاقات المتوترة بين المغرب والجزائر، وبالتحولات التي شهدها الإقليم عقب المواجهة العسكرية مع إيران في عام 2026، وفق التسلسل الزمني الوارد في المادة الأصلية. وقد أدى تقارب تصورات التهديد لدى الطرفين إلى تعزيز الحوافز الأمنية، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن احتمالات انتقال التنافس الإقليمي إلى سباقات تسلح أو اصطفافات أكثر حدة.
ولا يمكن إغفال أن الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية قد ينطوي على مخاطر تتعلق باستمرارية الإمدادات والصيانة، والاعتماد التقني، والكلفة السياسية للتعاون في أوقات الحرب. ولذلك فإن تنويع الشركاء وتطوير القدرات الوطنية يظلان مصلحتين مغربيتين مستقلتين عن العلاقات مع أي دولة بعينها.
سادساً: الاقتصاد والرفاه... الحلقة التي لم تكتمل بعد
رغم التقدم الذي أحرزته العلاقات السياسية والأمنية، لا تزال قدرة التعاون الاقتصادي على إحداث تحول ملموس في حياة المواطنين من أهم الأسئلة المفتوحة.
وتشمل المجالات المطروحة للتعاون الزراعة الذكية، وإدارة الموارد المائية، والطاقة المتجددة، والأمن السيبراني، والخدمات الرقمية، والسياحة، والاستثمار الصناعي. وهي قطاعات تتقاطع مع تحديات تنموية حقيقية تواجه المغرب، خصوصاً في ظل الإجهاد المائي والحاجة إلى خلق فرص عمل وتعزيز الإنتاجية.
وقد يوفر التعاون في التقنيات الزراعية والمائية فرصاً لتطوير أنظمة الري وتحسين إدارة الموارد، بينما يمكن للشراكات الصناعية والتكنولوجية أن تسهم في نقل المعرفة وتكوين الكفاءات. كما تمثل السياحة المرتبطة بالتراث اليهودي المغربي مجالاً يمكن أن يجمع بين العائد الاقتصادي وصيانة الذاكرة التاريخية.
لكن هذه الإمكانات تظل رهناً بتحويل الاتفاقات السياسية إلى مشروعات منتجة، وبضمان أن تتوزع منافعها على نطاق اجتماعي واسع. فإذا بقيت العوائد مركزة في قطاعات محدودة أو ارتبطت أساساً بالمؤسسات الحكومية والشركات الكبرى، فلن تكون كافية لتغيير موقف الرأي العام من التطبيع.
وتزداد أهمية هذا الجانب لأن إحدى أبرز مشكلات العلاقة تكمن في عدم التوازن بين من يتحملون تكلفتها السياسية ومن يحصلون على فوائدها المباشرة. فالمؤسسات الرسمية قد تستفيد من التعاون الأمني والدبلوماسي، بينما يشعر قطاع من المجتمع بأن هذا التقارب لا يعكس موقفه من الحرب في غزة ولا يحقق له مكاسب اقتصادية واضحة.
ومن هنا، فإن قياس نجاح العلاقات لا ينبغي أن يقتصر على حجم التبادل التجاري أو عدد الاتفاقات الموقعة، بل يجب أن يشمل فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، والاستثمارات المنتجة، وتحسين الخدمات، ومدى استفادة المؤسسات المحلية والمقاولات الصغيرة والمتوسطة.
وتتجاوز المصالح الاقتصادية الإطار الثنائي أيضاً. فالمغرب يسعى إلى تعزيز موقعه بوصفه حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي، بينما تبحث إسرائيل عن فرص إضافية للتوسع في الأسواق الإفريقية. ويمكن للتعاون بينهما أن يخدم هذه الأهداف، لكنه سيظل محكوماً بعلاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج وإفريقيا جنوب الصحراء، وبحاجته إلى المحافظة على صورة الشريك المتوازن القادر على العمل مع أطراف متعددة.
سابعاً: اتفاقيات أبراهام... من استئناف العلاقات إلى ترسيخ المؤسسات
مثّل إعلان ديسمبر 2020 نقطة تحول في طبيعة العلاقات المغربية الإسرائيلية، إذ نقلها من اتصالات متقطعة وقنوات غير رسمية إلى إطار دبلوماسي معلن، بدعم أمريكي واضح.
ومع ذلك، احتفظ المغرب بخصوصية في توصيف هذه الخطوة، إذ جرى تقديمها رسمياً باعتبارها استئنافاً للعلاقات أكثر من كونها انضماماً تقليدياً إلى مشروع إقليمي موحد. ويتيح هذا التوصيف للرباط التأكيد على أن سياستها تجاه إسرائيل تظل جزءاً من خياراتها الوطنية، وليست بالضرورة التزاماً غير مشروط بجميع توجهات الحكومة الإسرائيلية.
وقد فتحت العلاقات المستأنفة الباب أمام اتفاقات في مجالات الطيران والتجارة والثقافة والأمن، كما عززت الاتصالات الوزارية والعسكرية. إلا أن التطور الأهم لا يكمن في عدد الاتفاقات وحده، بل في قدرة الطرفين على تحويل العلاقة إلى مؤسسات مستقرة تستطيع العمل حتى في ظل الأزمات السياسية.
وفي هذا السياق، برزت قضية الصحراء الغربية بوصفها أحد أهم الاختبارات المبكرة للعلاقة. فقد أدى الخلاف بشأن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات إلى تعقيد انعقاد قمة منتدى النقب في المغرب، قبل أن يتراجع المسار المخطط له عام 2023.
وكشفت تلك الأزمة أن التعاون المغربي الإسرائيلي ليس منفصلاً عن القضية الفلسطينية، وأن الرباط مطالبة بالموازنة بين مكاسبها الدبلوماسية وبين الكلفة الداخلية والإقليمية التي قد تترتب على خطوات تعتبرها قطاعات من المجتمع متعارضة مع حقوق الفلسطينيين.
لكن الاختبار الأشد جاء بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية في غزة. فقد اتسعت الاحتجاجات الشعبية في المغرب، وتزايدت الدعوات إلى إلغاء التطبيع، وتراجع التأييد الشعبي للعلاقات مع إسرائيل وفق استطلاعات الرأي المشار إليها سابقاً.
ورغم ذلك، لم تتجه الدولة المغربية إلى قطع العلاقات. بل واصلت الحفاظ على قنوات الاتصال، مع التأكيد على دعم الحقوق الفلسطينية والدعوة إلى تسوية سياسية. ويعكس هذا الموقف أولوية الاستمرارية الاستراتيجية في حسابات الدولة، لكنه يكشف أيضاً عن فجوة الشرعية التي تواجه الإطار الدبلوماسي.
وبحسب التطورات الواردة في المادة الأصلية، شهد سبتمبر 2026 اتفاقاً على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى سفارتين كاملتين وتبادل السفراء، إلى جانب العمل على استئناف الرحلات المباشرة وإبرام اتفاقات تتعلق بحماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي.
وإذا تأكد تنفيذ هذه الخطوات وفق المواعيد المعلنة، فإنها ستشير إلى انتقال العلاقة من مرحلة استعادة الاتصالات إلى مرحلة بناء مؤسسات أكثر رسوخاً. غير أن زيادة مستوى التمثيل الدبلوماسي لا تعني تلقائياً ارتفاع مستوى القبول الشعبي، كما أن الاتفاقات الرسمية لا تستطيع وحدها معالجة التناقضات التي أظهرتها الحرب في غزة.
بل يمكن القول إن نجاح المرحلة الجديدة سيتوقف على قدرة الطرفين على منع التحول المؤسسي من تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
ثامناً: المغرب بين السلام البارد والتطبيع الاستراتيجي
تساعد المقارنة مع التجارب العربية الأخرى في توضيح خصوصية الحالة المغربية. فقد أفضت معاهدتا السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 والأردنية الإسرائيلية عام 1994 إلى علاقات رسمية استمرت رغم محدودية التفاعل الشعبي، وهو ما يوصف عادة بالسلام البارد.
أما العلاقات التي نشأت ضمن اتفاقيات أبراهام، ومنها العلاقات المغربية الإسرائيلية، فقد طُرحت منذ البداية باعتبارها فرصة لبناء تعاون اقتصادي وتقني وسياحي يتجاوز الترتيبات الأمنية التقليدية.
ويمتلك المغرب عناصر تميزه عن بقية الحالات، من بينها الارتباط التاريخي باليهود المغاربة، ووجود جالية كبيرة من أصول مغربية في إسرائيل، وغياب الحدود الجغرافية المباشرة أو النزاعات المائية الثنائية. كما يرتبط مسار التطبيع المغربي بحسابات خاصة تتعلق بالصحراء الغربية وبالعلاقات مع الولايات المتحدة.
لكن هذه الخصوصية لم تمنح العلاقة حصانة من المعارضة الشعبية. فالتجربة المغربية توضح أن الروابط التاريخية لا تضمن قبول المجتمع بالسياسة الخارجية، وأن استحضار الماضي لا يكفي لتجاوز الخلاف حول الحاضر.
بل ربما تكمن المفارقة في أن المجتمع الذي يعتز بذاكرته اليهودية ويعتبرها جزءاً من هويته الوطنية، يستطيع في الوقت نفسه أن يعارض التطبيع عندما يراه منفصلاً عن حل القضية الفلسطينية.
وهذا يعني أن نجاح النموذج المغربي، إذا أريد له أن يصبح مثالاً قابلاً للاستمرار، لن يتحدد فقط بقدرته على المحافظة على الاتفاقات، بل بقدرته على بناء شرعية اجتماعية لا تقوم على فرض الأمر الواقع أو الاكتفاء بالخطاب التاريخي.
تاسعاً: معادلة المرونة متعددة الطبقات ومخاطرها الثلاثة
توضح الطبقات الست أن العلاقات المغربية الإسرائيلية لا تقوم على أساس واحد. فالتاريخ يوفر رواية الاستمرارية، والتعايش يمنحها مضموناً اجتماعياً، والتداخل الديني يوفر لغة مشتركة، والمصداقية السياسية تحول هذا الرصيد إلى ثقة، فيما تمنح المصالح المتبادلة العلاقة حوافز عملية للاستمرار، ويوفر الإطار الدبلوماسي المؤسسات اللازمة لترجمتها إلى سياسات واتفاقات.
