من مؤتمر فيينا إلى الشرق الأوسط: حدود القوة العسكرية وشروط بناء نظام إقليمي متوازن

دراسات وأبحاث - شبكة الاستشراف

مقدمة

في ظل تصاعد المواجهة الأميركية–الإيرانية، واستمرار التهديدات الأمنية المرتبطة بالهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية، وتعثر الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد، تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وإمكانية أن تفضي مواجهة عسكرية واسعة إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي. غير أن إضعاف إيران عسكريًا، حتى لو تحقق بدرجة كبيرة، لا يعني بالضرورة نشوء بيئة إقليمية أكثر استقرارًا؛ إذ قد تؤدي نتائج الحرب إلى إعادة توزيع مصادر القوة من دون معالجة الأسباب السياسية والأمنية التي تغذي الصراعات.

من هذا المنطلق، تبرز أهمية التمييز بين تحقيق التفوق العسكري وتحقيق الاستقرار الاستراتيجي. فالأول قد يفرض قيودًا على قدرات الخصم ويغير حساباته، لكنه لا يضمن بالضرورة قبول الأطراف الأخرى بقواعد النظام الذي ينشأ بعد الحرب. أما الثاني، فيتطلب ترتيبات سياسية وأمنية قادرة على ضبط التنافس، وتوفير ضمانات متبادلة، ومنع تحول التفوق العسكري لأي طرف إلى أداة لفرض الهيمنة الإقليمية.

وفي هذا السياق، يوفر مؤتمر فيينا، الذي انعقد بين عامي 1814 و1815 عقب هزيمة نابليون بونابرت، مدخلًا تاريخيًا لتحليل العلاقة بين نتائج الحروب وإعادة بناء الأنظمة الإقليمية. فرغم اختلاف السياقات التاريخية والجيوسياسية، تكشف التجربة الأوروبية أن استدامة السلام لا تتوقف على هزيمة القوة المنافسة وحدها، وإنما ترتبط أيضًا بكيفية إدارة آثار الهزيمة، وتوزيع النفوذ، ودمج الخصوم السابقين ضمن ترتيبات تحد من احتمالات تجدد الصراع.

أولًا: مؤتمر فيينا وتأسيس التوازن بوصفه أداة للاستقرار

خرجت أوروبا من الحروب النابليونية وهي تواجه معضلة استراتيجية تجاوزت مسألة هزيمة فرنسا. فقد كان التحدي الأساسي يتمثل في بناء نظام يمنع تكرار التوسع العسكري الفرنسي، من دون السماح في الوقت نفسه للقوى المنتصرة باستغلال الهزيمة لإعادة توزيع النفوذ بصورة تخل بالتوازن القاري.

كانت النمسا تخشى اتساع النفوذ الروسي والطموحات البروسية في وسط أوروبا، بينما سعت بريطانيا إلى منع ظهور قوة قارية مهيمنة تهدد مصالحها الاستراتيجية والتجارية. وبذلك، لم يكن تحقيق الاستقرار مرهونًا بإضعاف فرنسا فحسب، بل أيضًا باحتواء التنافس بين القوى المنتصرة ذاتها.

في هذا السياق، اضطلع وزير الخارجية النمساوي كليمنس فون مترنيخ ونظيره البريطاني اللورد كاسلريه بدور مهم في دعم تسوية تستند إلى توازن القوى والتشاور الدبلوماسي. وأتاح مؤتمر فيينا إعادة تنظيم الخريطة السياسية الأوروبية، فيما أسهمت التطورات اللاحقة في إعادة إدماج فرنسا تدريجيًا في منظومة العلاقات بين القوى الكبرى.

وكانت عودة فرنسا إلى منظومة التشاور الأوروبية في مؤتمر إيكس لا شابيل عام 1818 محطة مهمة في هذا المسار. فقد عكست إدراكًا متزايدًا بأن استبعاد قوة كبرى بصورة دائمة قد يدفعها إلى تقويض النظام القائم، في حين أن إدماجها ضمن ترتيبات محددة يمكن أن يحول دون تجدد طموحاتها التوسعية.

ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى ما عُرف لاحقًا بالوفاق الأوروبي بوصفه نظامًا حقق سلامًا شاملًا أو أنهى الحروب في القارة. فقد شهدت أوروبا صراعات وثورات وحروبًا متعددة خلال القرن التاسع عشر. لكن التجربة أظهرت أن التشاور بين القوى الكبرى، إلى جانب توازن المصالح والقدرات، يمكن أن يحد من احتمالات اندلاع حرب عامة بينها لفترات مهمة.

وتكمن القيمة التحليلية لهذه التجربة في أنها تبرز ثلاثة مبادئ مترابطة: عدم السماح لأي قوة بالهيمنة المنفردة، وتجنب تحويل الهزيمة العسكرية إلى إقصاء سياسي دائم، وربط إعادة إدماج الخصوم بالتزامات تحد من السلوك التوسعي. وهي مبادئ يمكن الاستفادة منها عند التفكير في مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، مع مراعاة اختلاف طبيعة الدول والتهديدات ومؤسسات إدارة الأزمات بين السياقين.

ثانيًا: حدود الخيار العسكري في إعادة تشكيل النظام الإقليمي

تقوم إحدى الفرضيات المطروحة بشأن مستقبل المواجهة الأميركية–الإيرانية على أن إلحاق هزيمة عسكرية كبيرة بإيران قد يفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، ويحد من قدرتها على التأثير في الأزمات الإقليمية. وتستند هذه الفرضية إلى أن تقليص القدرات الصاروخية والعسكرية، وإضعاف البنية المرتبطة بالنفوذ الخارجي، قد يحدان من الأدوات التي تستخدمها طهران للضغط على خصومها.

لكن هذه المقاربة تواجه إشكالية أساسية، تتمثل في أن إضعاف القدرات العسكرية لا يعالج تلقائيًا الدوافع السياسية والاستراتيجية التي تحكم سلوك الدولة المستهدفة. فقد يؤدي الضغط العسكري إلى دفع القيادة الإيرانية نحو مراجعة حساباتها وقبول تسوية تحد من مصادر التهديد، لكنه قد يدفعها أيضًا إلى تبني استراتيجيات أكثر اعتمادًا على الردع غير المتماثل، وتوسيع نطاق المواجهة غير المباشرة، ورفع كلفة استمرار الضغط الخارجي.

وتتوقف النتيجة على مجموعة من المتغيرات، تشمل حجم الخسائر العسكرية، وطبيعة الأهداف المعلنة للحرب، ومدى تماسك مؤسسات الدولة، والضمانات المتاحة لأي تسوية محتملة، وقدرة الأطراف على توفير مخرج سياسي يقلل من حوافز التصعيد المتبادل.

وعليه، فإن افتراض أن التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي يمكن أن ينتج بمفرده نظامًا إقليميًا مستقرًا ينطوي على قدر من التبسيط. فالقوة العسكرية قد تغير شروط التفاوض، لكنها لا تحدد وحدها شكل الترتيبات السياسية اللاحقة، ولا تضمن قبول الدول الإقليمية بها.

وتزداد أهمية هذه الإشكالية إذا اقترنت هزيمة إيران المحتملة بتعزيز موقع إسرائيل الإقليمي إلى حد يثير مخاوف الدول الأخرى من اختلال ميزان القوى. فالدول التي تنظر إلى إيران بوصفها مصدرًا للتهديد قد لا ترى بالضرورة أن استبدال نفوذها بهيمنة إسرائيلية يمثل نتيجة استراتيجية مرغوبة. وقد يؤدي ذلك إلى ظهور سياسات موازنة جديدة، حتى بين دول تتعاون مع الولايات المتحدة في ملفات أمنية متعددة.

ومن ثم، فإن أحد التحديات الرئيسية أمام أي ترتيب إقليمي مستقبلي يتمثل في التوفيق بين مطلب الحد من التهديدات الإيرانية، ومطلب الحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي للدول العربية والإقليمية، ومنع نشوء اختلال جديد في موازين القوة.

ثالثًا: توازنات القوى الإقليمية وإشكالية الهيمنة

تتمتع المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا بمصالح وقدرات استراتيجية تجعلها أطرافًا مؤثرة في أي محاولة لإعادة تنظيم الأمن الإقليمي. وعلى الرغم من اختلاف أولويات هذه الدول وتباين علاقاتها بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فإن لديها دوافع مشتركة للحفاظ على هامش مستقل لصنع القرار، وتجنب نشوء ترتيبات أمنية تجعل أمن المنطقة خاضعًا بصورة حصرية لإرادة قوة واحدة.

بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، يرتبط الأمن الإقليمي بحماية الأراضي والمنشآت الحيوية، وضمان أمن الممرات البحرية، والحد من الهجمات العابرة للحدود، إلى جانب الحفاظ على بيئة مستقرة تسمح بتنفيذ أولويات التنمية والتحول الاقتصادي. ولذلك، فإن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تكتفي بإضعاف القدرات الإيرانية، بل يتعين أن تتضمن آليات موثوقة لمنع تجدد التهديدات المباشرة وغير المباشرة.

أما مصر، فتتصل مصالحها الاستراتيجية باستقرار الخليج والبحر الأحمر، وأمن الملاحة في قناة السويس، والحفاظ على توازن إقليمي يمنع توسع النزاعات إلى مناطق حيوية للاقتصاد والأمن القومي. ومن هذا المنظور، فإن استمرار المواجهة بين القوى الإقليمية والدولية يفرض تكاليف تتجاوز أطرافها المباشرة، بما في ذلك اضطراب التجارة وارتفاع المخاطر الأمنية وتزايد الضغوط الاقتصادية.

وتسعى تركيا، بدورها، إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي، وتجنب تشكل بيئة استراتيجية تحد من قدرتها على الحركة أو تزيد المخاطر على حدودها ومصالحها. ويجعل موقعها الجغرافي ووزنها العسكري والاقتصادي منها طرفًا لا يمكن تجاهله في أي تصور واسع للأمن الإقليمي، وإن كانت حساباتها لا تتطابق بالضرورة مع حسابات القاهرة والرياض في جميع الملفات.

وفي هذا الإطار، قد يتيح التنسيق بين السعودية ومصر وتركيا، إلى جانب باكستان وغيرها من الأطراف ذات الصلة، مجالًا لتطوير مقاربة إقليمية أكثر توازنًا. غير أن تحول هذا التنسيق إلى إطار أمني مستدام يتطلب تجاوز التفاهمات الظرفية، وتحديد المصالح المشتركة، وبناء آليات للتشاور وإدارة الأزمات، وتوضيح حدود الالتزامات المتبادلة.

كما أن أي ترتيبات من هذا النوع لا ينبغي افتراض أنها ستتبلور تلقائيًا في تحالف موحد أو أنها ستتبنى موقفًا واحدًا من جميع الأطراف. فاختلاف التقديرات الأمنية والعلاقات الدولية قد يحد من مستوى التنسيق، بينما يمكن للمصالح المشتركة أن توفر أساسًا لتعاون انتقائي في قضايا محددة، مثل أمن الملاحة، ومكافحة الهجمات العابرة للحدود، ومنع انتشار الصراعات.

وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يتيح للدول الإقليمية الانتقال من موقع المتأثر بنتائج المواجهة إلى موقع المشارك في صياغة الترتيبات اللاحقة لها. فالنظام الإقليمي الأكثر استدامة هو الذي يستوعب مصالح القوى الرئيسية، بدلًا من أن يفرض عليها قواعد تحددها قوة واحدة.

رابعًا: إيران وقدرات التعطيل بعد الحرب

لا تعني الهزيمة العسكرية المحتملة لإيران بالضرورة انتهاء قدرتها على التأثير في الأمن الإقليمي. فالجغرافيا الاستراتيجية، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي قد تبقى لديها، وإمكانات العمل غير المتماثل، والعلاقات مع جماعات مسلحة في عدد من دول المنطقة، تمثل عوامل قد تتيح لطهران الاحتفاظ بأدوات ضغط حتى في حال تراجع قدراتها العسكرية التقليدية.

ويبرز اليمن مثالًا مهمًا على تعقيد العلاقة بين إضعاف الدولة الداعمة والحد من قدرات الجهات المسلحة المرتبطة بها. فاستمرار التهديدات الحوثية للمملكة العربية السعودية والملاحة في البحر الأحمر يوضح أن معالجة هذه المخاطر تتطلب فهمًا مستقلًا لقدرات الحوثيين، ومصادر تمويلهم وتسليحهم، وطبيعة حساباتهم المحلية والإقليمية، فضلًا عن مستوى تأثير إيران في قراراتهم العملياتية والسياسية.

ولا يعني ذلك أن علاقة الحوثيين بإيران تجعل قراراتهم انعكاسًا آليًا للتوجهات الإيرانية؛ إذ تتداخل في سلوكهم اعتبارات محلية وأيديولوجية واستراتيجية خاصة. ومن ثم، فإن أي سياسة تهدف إلى خفض التهديدات ينبغي أن تجمع بين الحد من مصادر الدعم الخارجي، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة اليمنية، ومعالجة الظروف السياسية التي تسمح باستمرار الصراع، وتطوير ترتيبات فعالة لحماية الملاحة البحرية.

وينطبق منطق مشابه على العراق ولبنان، حيث يرتبط الاستقرار بقدرة المؤسسات الرسمية على ممارسة سلطاتها، واحتكار الدولة لقرار استخدام القوة، والحد من قدرة التنظيمات المسلحة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم خارج الأطر الدستورية. لكن تحقيق هذه الأهداف لا يعتمد على الضغط الخارجي وحده، بل يتطلب أيضًا توافقات داخلية وإصلاحات مؤسسية وترتيبات سياسية تعالج مصادر الضعف في بنية الدولة.

وتكشف هذه الحالات أن تفكيك شبكات النفوذ الإقليمي أو إضعافها عسكريًا لا يضمن وحده بناء نظام مستقر. فإذا بقيت مؤسسات الدولة ضعيفة، واستمرت النزاعات المحلية، واحتفظت الجماعات المسلحة بقدرات مستقلة، فقد تتحول الدول المعنية إلى ساحات لاستنزاف متواصل، حتى بعد تراجع قدرة إيران على تقديم الدعم المباشر.

وبناءً على ذلك، فإن أي استراتيجية إقليمية مستدامة تحتاج إلى الفصل بين مسارين متكاملين: الأول يتعلق بردع التهديدات العسكرية ومنع الهجمات العابرة للحدود، والثاني يرتبط بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتسوية النزاعات الداخلية، وتوفير الحوافز التي تجعل الالتزام بالقواعد السياسية أكثر جدوى من استمرار المواجهة.

خامسًا: معضلة الردع والتسوية في التعامل مع طهران

يتمثل التحدي الأساسي أمام الولايات المتحدة والدول الإقليمية في تحديد الكيفية التي يمكن من خلالها توظيف الضغط العسكري والاقتصادي لتحقيق تغيير قابل للاستمرار في السلوك الإيراني، من دون أن تؤدي هذه الضغوط إلى تعزيز دوافع التصعيد.

فمن جهة، قد يؤدي غياب الردع الفعال إلى تشجيع استمرار السياسات التي تعتبرها دول المنطقة تهديدًا لأمنها وسيادتها. ومن جهة أخرى، فإن رفع كلفة المواجهة على إيران من دون تحديد مسار سياسي واضح للخروج منها قد يدفع القيادة الإيرانية إلى النظر إلى أدوات التعطيل باعتبارها وسيلة ضرورية للحفاظ على النظام والنفوذ.

وتتوقف فعالية الردع، في هذا السياق، على وضوح الأهداف والالتزامات. فكلما كانت المطالب محددة وقابلة للتحقق، أمكن قياس مدى امتثال الطرف المستهدف لها. أما إذا اتسعت الأهداف لتشمل تغييرًا شاملًا في موازين القوى أو إقصاءً دائمًا لإيران عن ترتيبات الأمن الإقليمي، فقد تصبح فرص التوصل إلى تسوية أقل، وتتزايد حوافز طهران لمواصلة المواجهة بوسائل مباشرة وغير مباشرة.

ولا يعني ذلك أن التسوية تقتضي التساهل مع التهديدات أو منح إيران حرية التصرف في محيطها الإقليمي. بل إن جوهر التسوية الفعالة يتمثل في وضع قيود واضحة على السلوك الذي يهدد أمن الدول الأخرى، وربط الالتزامات بآليات تحقق ومتابعة، وتحديد عواقب الانتهاكات، مع توفير مسار سياسي يسمح بتخفيف التصعيد عند الالتزام بالشروط المتفق عليها.

ويمكن أن يشمل هذا المسار ترتيبات للحد من مخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقواعد لعدم استهداف الدول والمنشآت المدنية، وآليات للإنذار المبكر وإدارة الحوادث العسكرية، إلى جانب تفاهمات بشأن أمن الممرات البحرية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وتظل قابلية هذه التدابير للتطبيق مرتبطة بقبول الأطراف المعنية، وبوجود ضمانات وآليات متابعة موثوقة.

كما أن استدامة أي تسوية تتطلب عدم اختزالها في تفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران أو في ترتيبات تقتصر على إيران وإسرائيل. فالدول العربية المعنية مباشرة بالتداعيات الأمنية، ولا سيما دول الخليج، تحتاج إلى المشاركة في صياغة الالتزامات التي تمس أمنها، وإلى امتلاك وسائل واضحة لتقييم مدى تنفيذها.

وعليه، فإن المقاربة الأكثر فاعلية ليست الاختيار المطلق بين القوة والدبلوماسية، وإنما بناء علاقة متكاملة بين الردع والتفاوض: يحد الردع من فرص استخدام القوة لتحقيق مكاسب أحادية، بينما يتيح التفاوض تحويل القيود العسكرية إلى التزامات سياسية أكثر استقرارًا.

سادسًا: من توازن القوى إلى نظام إقليمي قائم على القواعد

يقدم مؤتمر فيينا درسًا مهمًا، لكنه لا يوفر نموذجًا يمكن نقله حرفيًا إلى الشرق الأوسط. فقد اعتمد النظام الأوروبي في القرن التاسع عشر بدرجة كبيرة على تفاهمات القوى الكبرى، ولم يستند إلى مؤسسات إقليمية شاملة أو قواعد قانونية متكاملة تضمن المساواة بين جميع الدول. كما أن استقراره النسبي لم يمنع الحروب، ولم يلغِ التنافس القومي والتحولات التي أعادت تشكيل أوروبا لاحقًا.

لذلك، فإن الاستفادة من التجربة التاريخية تقتضي تطوير مفهوم التوازن بما يتناسب مع طبيعة النظام الدولي والإقليمي المعاصر. فلا يكفي أن تتفق القوى الكبرى على توزيع النفوذ فيما بينها، بل ينبغي أن تستند الترتيبات إلى احترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، والالتزام بالقانون الدولي، وتعزيز دور المؤسسات الوطنية والإقليمية.

ويمكن تصور بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا عبر أربعة مسارات مترابطة.

أولًا، تطوير آليات للحوار الأمني الإقليمي تشارك فيها الدول المعنية، بما يسمح بتحديد المخاطر المشتركة، وتبادل المعلومات، وإدارة الحوادث العسكرية، وتجنب سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود.

ثانيًا، تحديد قواعد واضحة للسلوك الإقليمي تشمل احترام السيادة وعدم التدخل، والحد من الهجمات العابرة للحدود، ومنع استخدام الجماعات المسلحة لتهديد الدول الأخرى، مع وضع آليات لمتابعة الالتزام بهذه القواعد ومساءلة الأطراف التي تنتهكها.

ثالثًا، تعزيز دور الدول والمؤسسات الوطنية في المناطق التي تشهد انتشارًا للسلاح خارج سلطة الدولة. فاستقرار العراق ولبنان واليمن، على سبيل المثال، لا يمكن تحقيقه بصورة مستدامة من خلال الترتيبات الخارجية وحدها، وإنما يتطلب بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون وإدارة التنافس السياسي وتوفير الخدمات العامة.

رابعًا، ربط التهدئة الأمنية بالتعاون الاقتصادي والتنموي، من خلال حماية طرق التجارة والملاحة، وتشجيع التعاون في الطاقة والبنية التحتية، وتطوير آليات لمعالجة الأزمات التي تتجاوز الحدود الوطنية. فالمصالح الاقتصادية المشتركة لا تمنع الصراع تلقائيًا، لكنها قد تزيد كلفته وتوفر حوافز إضافية للحفاظ على الاستقرار.

ويظل نجاح هذه المسارات مرهونًا بوجود إرادة سياسية لدى الأطراف الرئيسية، وبقدرة المؤسسات الإقليمية والدولية على دعم التنفيذ والتحقق من الالتزامات. كما يتطلب تجنب اختزال الأمن الإقليمي في الترتيبات العسكرية، لأن الاستقرار المستدام لا ينفصل عن شرعية المؤسسات، والتماسك الداخلي، والقدرة على معالجة النزاعات السياسية.

خاتمة

تكشف المقارنة بين مؤتمر فيينا والتطورات الجارية في الشرق الأوسط أن نتائج الحروب لا تحدد وحدها طبيعة النظام الذي يليها. فقد يغير التفوق العسكري موازين القوة، ويقيد قدرات الخصم، ويفرض شروطًا جديدة للتفاوض، لكنه لا يضمن أن تتحول هذه النتائج إلى سلام مستدام، ما لم تُترجم إلى ترتيبات سياسية وأمنية تعالج مصادر التهديد وتحد من دوافع تجدد الصراع.

وفي الحالة الشرق أوسطية، يتمثل التحدي في الجمع بين منع إيران من استخدام قدراتها العسكرية وشبكات نفوذها لتهديد الدول الأخرى، والحيلولة دون تحول التفوق العسكري الإسرائيلي المدعوم أميركيًا إلى هيمنة إقليمية تقوض استقلال القرار لدى بقية القوى. ويتطلب ذلك دورًا فاعلًا من السعودية ومصر وتركيا وغيرها من الدول المعنية، ليس بالضرورة عبر تحالف موحد، بل من خلال تنسيق عملي يستند إلى المصالح المشتركة ويتيح المشاركة في صياغة قواعد الأمن الإقليمي.

ولا يعني بناء التوازن تجاهل التهديدات الإيرانية أو التعامل معها باعتبارها مجرد اختلاف في المصالح؛ بل يقتضي وضع قيود قابلة للتحقق على السلوك المهدد للأمن، مع تجنب إنتاج اختلالات جديدة قد تدفع الأطراف إلى سباقات تسلح أو سياسات موازنة مضادة. كذلك، لا تعني التسوية منح جميع الأطراف نفوذًا غير مشروط، وإنما ربط المشاركة في النظام الإقليمي باحترام سيادة الدول والالتزامات الأمنية المتفق عليها.

وفي المحصلة، لا تكمن العبرة الأساسية من تجربة فيينا في إعادة إدماج الخصم بأي ثمن، وإنما في إدراك أن استقرار النظام يتطلب الجمع بين الردع والقيود السياسية والتشاور الدبلوماسي. فإذا أفضت أي مواجهة مقبلة إلى إضعاف إيران من دون معالجة مصادر الصراع أو الاتفاق على قواعد واضحة للسلوك الإقليمي، فقد تتحول النتيجة العسكرية إلى بداية لمرحلة جديدة من الاستنزاف بدلًا من أن تكون مدخلًا إلى الاستقرار.

أما إذا اقترنت موازين القوة الجديدة بترتيبات قابلة للتحقق، وضمانات متبادلة، ومشاركة إقليمية واسعة، فقد تتهيأ الظروف لبناء نظام أكثر قدرة على احتواء الخلافات ومنع تحولها إلى حروب مفتوحة. ويظل هذا المسار صعبًا في ظل تضارب المصالح وانعدام الثقة، لكنه يقدم أساسًا أكثر واقعية للاستقرار من الرهان على أن الحسم العسكري، بمفرده، قادر على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بصورة دائمة.