السياسة العُمانية في مواجهة الاستقطاب الإقليمي: ثبات المبادئ وحدود الحياد الدبلوماسي

دراسات وأبحاث - شبكة الاستشراف

مقدمة

تستند السياسة الخارجية لسلطنة عُمان إلى مقاربة دبلوماسية تقوم على استقلالية القرار، وتجنب الاصطفافات الحادة، والحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. ولا يعكس هذا النهج مجرد رغبة في الاحتفاظ بمسافة متساوية من أطراف النزاعات، بل يرتبط بتصور استراتيجي يرى أن حماية المصالح الوطنية تقتضي الحد من تصعيد الصراعات، وتعزيز فرص التسوية السياسية، والحيلولة دون انتقال تداعيات الأزمات إلى المجال الأمني والاقتصادي للدولة والمنطقة بأسرها.

وفي بيئة إقليمية تتسم بتداخل المصالح وتعدد بؤر التوتر، تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسلطنة، وصلتها بأمن الخليج العربي وبحر العرب، وارتباط استقرار المنطقة بأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية. ومن ثم، فإن مواقف مسقط من القضية الفلسطينية والأزمة اليمنية والتصعيد العسكري المرتبط بإيران تعكس، في أحد أبعادها الأساسية، إدراكًا بأن استمرار النزاعات لا تقتصر آثاره على أطرافها المباشرة، وإنما يمتد إلى استقرار الإقليم ومصداقية النظام الدولي وقدرته على احترام قواعد القانون الدولي وتطبيقها.

وتثير التجربة العُمانية سؤالًا محوريًا بشأن قدرة الدول متوسطة الحجم على الحفاظ على استقلالية سياستها الخارجية في ظل الاستقطاب الدولي والإقليمي، ومدى إمكانية توظيف الحياد النشط والوساطة الدبلوماسية في حماية المصالح الوطنية والإسهام في احتواء الأزمات.

أولًا: القضية الفلسطينية بين مقتضيات العدالة ومتطلبات الاستقرار الإقليمي

تحتل القضية الفلسطينية موقعًا مركزيًا في المواقف العربية المعلنة لسلطنة عُمان، التي أكدت ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة وفقًا لقرارات الشرعية الدولية. وينطلق هذا الموقف من ارتباط التسوية الفلسطينية ليس فقط بالحقوق الوطنية المشروعة للفلسطينيين، بل أيضًا بآفاق الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط.

وتقوم الرؤية العُمانية على أن استمرار الاحتلال وتراجع فرص الحل السياسي وتصاعد الخطابات المتشددة عوامل تسهم في إعادة إنتاج الصراع، وتزيد من احتمالات اتساع نطاق المواجهات وارتفاع تكلفتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية. ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى السلام باعتباره مجرد تفاهم أمني مؤقت، وإنما بوصفه عملية سياسية ينبغي أن تعالج الأسباب البنيوية للنزاع، وفي مقدمتها الاحتلال والحرمان من الحقوق الوطنية.

وقد أيدت السلطنة، في سياق مواقفها الداعمة للتسوية السلمية، الجهود والمبادرات الرامية إلى إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، بما في ذلك المسارات الدبلوماسية التي أعقبت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية ومؤتمر مدريد للسلام. غير أن تعثر المفاوضات وتراجع فرص التوصل إلى تسوية نهائية، إلى جانب استمرار السياسات التي تقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة، أضعف المسار السياسي وأبقى أسباب التوتر قائمة.

وفي هذا السياق، تتطلب قراءة أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب في قطاع غزة وضعها ضمن سياق تاريخي وسياسي أوسع، يتضمن استمرار الاحتلال والحصار وتفاقم الأوضاع الإنسانية وتراجع آفاق التسوية. ولا يعني هذا السياق إغفال تقييم الأفعال التي ارتكبتها الأطراف المختلفة أو تجاوز أحكام القانون الدولي الإنساني، بل يؤكد ضرورة تطبيق القواعد القانونية على الجميع، ورفض استهداف المدنيين والعقاب الجماعي والانتهاكات التي تتعارض مع الالتزامات الدولية.

وعليه، فإن المقاربة العُمانية للسلام تكتسب معناها من الجمع بين وقف التصعيد ومعالجة جذور الصراع. فالتوصل إلى تهدئة مؤقتة، على أهميته الإنسانية، لا يكفي وحده لتأسيس استقرار مستدام ما لم يقترن بمسار سياسي جاد يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويحدد أفقًا واضحًا لإنهاء الاحتلال، ويهيئ الظروف اللازمة لتعايش شعوب المنطقة في ظل الأمن والكرامة.

ثانيًا: الأزمة اليمنية وأولوية الحل السياسي

تمثل الأزمة اليمنية أحد المجالات التي برز فيها اعتماد سلطنة عُمان على الدبلوماسية والحوار بوصفهما أداتين لاحتواء النزاعات الإقليمية. فقد تمسكت مسقط بأهمية التفاوض والتواصل مع الأطراف المعنية، انطلاقًا من أن التسوية السياسية تظل المسار الأكثر قابلية لتحقيق استقرار مستدام، مقارنة باستمرار المواجهات العسكرية واتساع نطاق التدخلات الخارجية.

ولا يعكس هذا التوجه تجاهلًا لتعقيدات الأزمة اليمنية أو التقليل من حجم الخلافات السياسية والميدانية بين أطرافها، بل يستند إلى تقدير مفاده أن الحسم العسكري وحده لا يوفر بالضرورة الشروط اللازمة لبناء مؤسسات مستقرة أو معالجة الانقسامات الداخلية. فاستدامة السلام تتطلب ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للتنفيذ، وتفاهمات تراعي المصالح المشروعة للأطراف اليمنية، وتحد من فرص تجدد الصراع.

وتنبع أهمية الوساطة العُمانية كذلك من موقع السلطنة الجغرافي وصلاتها الإقليمية، بما يتيح لها الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف قد يصعب جمعها عبر الأطر الدبلوماسية التقليدية. ومع ذلك، فإن فاعلية هذا الدور تظل مرتبطة بمدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة، وبوجود إرادة سياسية إقليمية ودولية تدعم التسوية بدلًا من توسيع نطاق التنافس والنفوذ.

ومن ناحية أخرى، تكشف الأزمة اليمنية عن إشكالية أوسع تتعلق بالعلاقة بين النزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية. فحين تتراجع قدرة القوى الوطنية والإقليمية على احتواء الخلافات، تتسع الفرص أمام القوى الخارجية لتعزيز حضورها وحماية مصالحها. ولا يقتصر ذلك على إيران، بل ينطبق، بدرجات متفاوتة، على مختلف القوى التي تسعى إلى التأثير في مسارات الأزمة.

ومن ثم، فإن اختزال الأزمة اليمنية في التنافس بين القوى الإقليمية لا يقدم تفسيرًا كافيًا لجذورها أو لمساراتها، كما أن تجاهل البعد الخارجي لا يساعد على فهم استمرارها. ويتطلب التحليل المتوازن الجمع بين العوامل الداخلية، بما فيها الانقسامات السياسية والمؤسسية، والعوامل الإقليمية والدولية التي أسهمت في تعقيد المشهد.

وتبرز هنا أهمية بناء مقاربة عربية أكثر فاعلية لإدارة الأزمات، تقوم على تنسيق المواقف، وتغليب التسويات السياسية، وتجنب تحويل الدول المنخرطة في النزاعات إلى ساحات مفتوحة للتنافس الجيوسياسي. وفي هذا الإطار، تمثل الدبلوماسية العُمانية نموذجًا يستحق الدراسة من حيث قدرتها على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وإن كانت نتائجها النهائية تظل رهينة بتوازنات القوى ومواقف الأطراف المعنية.

ثالثًا: الحوادث الفردية ومسؤولية التحقق من المعلومات

أثارت تقارير إعلامية بشأن حادثة مرتبطة بمساعد طيار قيل إنه يحمل الجنسية العُمانية تساؤلات حول مدى مشروعية الربط بين الواقعة والسياسة الخارجية للسلطنة وعلاقاتها الإقليمية، ولا سيما علاقتها بإيران. وتكشف هذه الحالة عن أهمية التمييز بين الوقائع المثبتة والتفسيرات السياسية، وبين المسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسسية أو مسؤولية الدولة.

فمجرد حمل شخص جنسية دولة معينة لا يشكل دليلًا على مسؤولية تلك الدولة عن أفعاله، كما لا يجوز اعتبار المعتقدات أو الخلفيات الشخصية قرائن كافية لإثبات التطرف أو ارتكاب مخالفة قانونية. ويتطلب تحديد المسؤوليات الاستناد إلى أدلة موثوقة، وإجراءات تحقيق مهنية ومستقلة، مع التمييز بين ما ثبت بالفعل وما لا يزال في نطاق الادعاءات أو الاستنتاجات الأولية.

وفي هذا السياق، فإن المعلومات المتداولة بشأن المسار المهني السابق لمساعد الطيار، وما قيل عن منعه من ممارسة الطيران في سلطنة عُمان، تستلزم التحقق من مصادرها الرسمية، وتحديد طبيعة الإجراءات التي اتخذت وأسبابها، ومدى صلتها بقرارات التوظيف اللاحقة، إذا ثبتت صحة تلك المعلومات. كما يقتضي الأمر فحص الإجراءات الرقابية والمهنية ذات الصلة لدى الجهات المعنية، دون افتراض وجود إخلال أو مسؤولية قبل اكتمال التحقق.

وتتجاوز أهمية هذه المسألة حدود الواقعة الفردية؛ إذ تطرح تساؤلات تتعلق بسلامة الطيران، وفاعلية أنظمة الرقابة المهنية، ومعايير تبادل المعلومات بين الجهات المختصة، والمسؤوليات المترتبة على قرارات التوظيف والتقييم المهني. وهي قضايا ينبغي التعامل معها وفق معايير فنية وقانونية واضحة، بعيدًا عن التوظيف السياسي غير المستند إلى أدلة.

وبناءً على ذلك، فإن ربط الحادثة بمواقف سلطنة عُمان السياسية أو بعلاقاتها مع إيران، قبل ظهور نتائج موثوقة للتحقيقات، ينطوي على قفز من الواقعة إلى الاستنتاج. والأجدى هو الفصل بين التحقيق في ملابسات الحادثة وتقييم الإجراءات المؤسسية المرتبطة بها، من جهة، وبين تحليل السياسة الخارجية العُمانية، من جهة أخرى.

ولا ينفي هذا المنهج ضرورة المساءلة عند ثبوت أي تقصير، بل يؤكد أن المساءلة الفعالة تقوم على الأدلة والإجراءات القانونية، لا على التعميم أو تحميل دولة أو مجتمع كامل مسؤولية فعل فردي.

رابعًا: استقلالية القرار العُماني في بيئة إقليمية مستقطبة

تعكس المواقف العُمانية في عدد من الملفات الإقليمية محاولة للحفاظ على استقلالية القرار الخارجي في بيئة تتزايد فيها الضغوط على الدول للاصطفاف خلف محاور متنافسة. وتقوم هذه المقاربة على أن حماية المصالح الوطنية لا تستلزم بالضرورة الانخراط في كل مواجهة، وأن استمرار قنوات الاتصال مع الأطراف المختلفة قد يتيح فرصًا للوساطة وخفض التصعيد لا تتوافر بالقدر نفسه للدول المنخرطة بصورة مباشرة في الصراعات.

غير أن فهم السياسة العُمانية يقتضي التمييز بين الحياد بوصفه امتناعًا عن الانخراط المباشر في نزاع، والحياد النشط بوصفه توظيفًا للدبلوماسية في التواصل والتفاوض والبحث عن تسويات. فالأخير لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية أو تجاهل القواعد القانونية، وإنما يسعى إلى إدارة الخلافات بأدوات تقلل تكاليف المواجهة وتوسع فرص الحلول السياسية.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي النظر إلى هذا النهج باعتباره خاليًا من التحديات. فالحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متنافسة قد يثير شكوك بعض الشركاء، كما أن نجاح الوساطة يعتمد على مستوى الثقة الذي تتمتع به الدولة الوسيطة، وعلى قدرتها على الموازنة بين متطلبات التواصل الدبلوماسي والالتزامات المرتبطة بأمنها الوطني.

وتزداد هذه التحديات وضوحًا في ظل التصعيد العسكري المرتبط بإيران، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع اعتبارات أمن الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي. وفي مثل هذه الظروف، يصبح احتواء المواجهة مصلحة تتجاوز الأطراف المباشرة، نظرًا إلى احتمال امتداد آثارها إلى حركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة والأمن البحري.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى الحوار لا تعني تجاهل التهديدات الأمنية، مثلما أن رفض التصعيد لا يعني التساهل مع انتهاك السيادة أو تجاهل قواعد القانون الدولي. بل تتمثل المعضلة الأساسية في كيفية حماية المصالح الوطنية مع تجنب الانزلاق إلى صراعات قد تتجاوز كلفتها قدرة الدول المعنية على التحكم في نتائجها.

خاتمة

تكشف قراءة المواقف العُمانية من القضية الفلسطينية والأزمة اليمنية والتوترات الإقليمية المرتبطة بإيران عن نهج يسعى إلى الجمع بين استقلالية القرار السياسي وتغليب الأدوات الدبلوماسية في إدارة النزاعات. وتستند هذه المقاربة إلى إدراك أن الأمن الوطني لا ينفصل عن البيئة الإقليمية، وأن استمرار الحروب يفرض تكاليف تتجاوز حدود الدول المتصارعة لتطال الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة والممرات البحرية ومصداقية النظام الدولي.

ومع ذلك، فإن تقييم السياسة العُمانية لا ينبغي أن يقتصر على إعلان المبادئ أو تبني خطاب الحوار، بل يتطلب دراسة نتائج التحركات الدبلوماسية، ومدى إسهامها في خفض التصعيد، وحدود قدرتها على التأثير في سلوك الأطراف المتنازعة. فاستقلالية القرار تمثل أحد مقومات السياسة الخارجية، لكن تحويلها إلى نتائج ملموسة يتوقف على توافر أدوات دبلوماسية فعالة، ووجود شركاء مستعدين للتفاوض، وتوازنات إقليمية تسمح بتقدم التسويات.

وفي المحصلة، لا يكمن التحدي أمام سلطنة عُمان في تجنب الاستقطاب فحسب، بل في الحفاظ على قدرتها على التأثير في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، بما يحقق التوازن بين حماية المصالح الوطنية والإسهام في الاستقرار الإقليمي. ويظل نجاح هذا النهج مرهونًا بقدرته على تحويل الحوار من وسيلة لإدارة الأزمات إلى مدخل لتسويات تعالج أسبابها، وتدعم احترام السيادة والقانون الدولي، وتحد من احتمالات اتساع دائرة الصراع.