القوى المتوسطة وإعادة تشكيل التعددية الدولية: نحو مقاربة أكثر مرونة لإدارة الأزمات
مقدمة
في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتراجع فاعلية المؤسسات الدولية في التعامل مع عدد من الأزمات الأمنية والاقتصادية، يتزايد الاهتمام بالدور الذي يمكن أن تؤديه القوى المتوسطة في الحفاظ على الاستقرار الدولي وتعزيز فرص التعاون متعدد الأطراف. وقد عادت هذه الدول إلى واجهة النقاش الدبلوماسي خلال الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024، في سياق البحث عن مقاربات بديلة للحد من الاستقطاب الدولي، وتوسيع هامش الحركة أمام الدول التي لا تمتلك قدرات القوى العظمى، لكنها تتمتع بثقل إقليمي أو اقتصادي أو دبلوماسي يسمح لها بالتأثير في مسارات القضايا الدولية.
ولم يعد مفهوم القوى المتوسطة يقتصر على تصنيف الدول وفق حجم اقتصاداتها أو قدراتها العسكرية، بل أصبح يرتبط بصورة متزايدة بقدرتها على بناء الشراكات، وتيسير التفاهمات بين الأطراف المتنافسة، وتطوير ترتيبات تعاون مرنة تستجيب لتهديدات محددة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية التجارب الدبلوماسية لدول مثل فنلندا وأستراليا وكندا، إلى جانب قوى من الجنوب العالمي، من بينها إندونيسيا ومصر، التي تسعى إلى الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي وتعزيز قدرتها على المناورة في بيئة دولية تتسم بتعدد مراكز القوة وتراجع اليقين الاستراتيجي.
وتتصل هذه التحولات بنقاش أوسع حول مستقبل التعددية الدولية، ومدى قدرة الدول متوسطة القوة على الإسهام في إدارة الأزمات عندما تواجه المؤسسات العالمية صعوبات في التوصل إلى توافقات ملزمة. ومن ثم، فإن تحليل دور هذه الدول يقتضي الانتقال من النظر إليها بوصفها فئة وصفية في هرم القوة الدولية إلى فهمها باعتبارها أطرافًا قادرة، بشروط معينة، على إنتاج ترتيبات دبلوماسية وأمنية واقتصادية أكثر مرونة.
أولًا: صعود القوى المتوسطة في سياق التحولات الجيوسياسية
عكست مواقف عدد من القادة الدوليين خلال عام 2024 تنامي الاهتمام بتعزيز التعاون بين القوى المتوسطة. ففي أغسطس من العام نفسه، دعا الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إلى توسيع العلاقات مع القوى المتوسطة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى. كما وصف رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي بلاده بأنها «قوة متوسطة بناءة»، في إشارة إلى سعي أستراليا إلى توظيف موقعها الدولي وشبكة علاقاتها في دعم التعاون والاستقرار.
وعكست هذه المواقف إدراكًا متزايدًا بأن التحولات الجارية في النظام الدولي لا تتيح للقوى المتوسطة الاكتفاء بالاعتماد على المؤسسات القائمة أو الاصطفافات التقليدية. فتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار الحروب والنزاعات الإقليمية، وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد والتجارة والطاقة، كلها عوامل تدفع هذه الدول إلى البحث عن أدوات إضافية لحماية مصالحها وتوسيع خياراتها الاستراتيجية.
وفي المقابل، تتبنى دول من الجنوب العالمي مقاربات تستهدف الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وتجنب الارتهان لمحاور متنافسة. وتقدم إندونيسيا مثالًا على هذا التوجه من خلال مبدأ سياستها الخارجية «الحرة والنشطة»، الذي يقوم على الحفاظ على استقلالية القرار والمشاركة الفاعلة في الشؤون الدولية دون الخضوع لاصطفاف ثابت مع قوة كبرى بعينها. وفي عهد الرئيس برابوو سوبيانتو، تكتسب كيفية ترجمة هذا المبدأ إلى شراكات عملية أهمية خاصة في ظل احتدام المنافسة الجيوسياسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ولا يعني هذا التوجه أن القوى المتوسطة تتبنى بالضرورة رؤية موحدة للنظام الدولي، أو أنها تتشارك المصالح والأولويات ذاتها. فاختلاف مواقعها الجغرافية، وتركيبتها الاقتصادية، والتزاماتها الأمنية، يجعل تحركاتها متفاوتة. ومع ذلك، يجمع بينها سعي متزايد إلى توسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع الشراكات، والحد من المخاطر الناجمة عن الاعتماد المفرط على طرف واحد.
ثانيًا: عمرو موسى والدبلوماسية بوصفها أداة لتوسيع النفوذ
في هذا الإطار، تكتسب الرؤى التي طرحها وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى بشأن دور الدول غير المنتمية إلى فئة القوى العظمى أهمية تحليلية. فقد تناول موسى، خلال مشاركته في أعمال الفريق رفيع المستوى التابع للأمم المتحدة المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير عام 2003، قضايا ترتبط بفاعلية النظام الدولي وقدرة الدول على التأثير في معالجة التحديات المشتركة. كما عادت هذه الموضوعات إلى الظهور في مداخلاته الفكرية والإعلامية اللاحقة.
وتتصل أهمية هذه الرؤية بإبراز الدور الذي يمكن أن تؤديه الدبلوماسية في تعويض جانب من الفجوة بين امتلاك القوة المادية والقدرة على التأثير السياسي. فالدول التي لا تمتلك القدرات العسكرية أو الاقتصادية للقوى الكبرى تستطيع، في بعض الحالات، توسيع نفوذها من خلال الوساطة، وبناء التوافقات، وتطوير العلاقات الثقافية، وتوظيف أدوات القوة الناعمة في تعزيز الثقة وتهيئة الظروف لتسوية النزاعات.
وفي كلمته الرئيسية أمام قمة «كرامة» في مدينة فاس في يونيو الماضي، تناول موسى قضايا ترتبط بالدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة ودورهما في دعم السلام ومنع الصراعات، إلى جانب البحث عن نماذج جديدة للحوكمة. وتنسجم هذه الموضوعات مع النقاش الأوسع حول إمكانات القوى المتوسطة في تطوير أدوات تأثير لا تعتمد حصريًا على القدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل تستند أيضًا إلى الشرعية الدبلوماسية والقدرة على التواصل مع أطراف متعددة.
ومع ذلك، فإن فاعلية هذه الأدوات تظل مرتبطة بتوافر مقومات أخرى، تشمل وضوح المصالح الوطنية، واستمرارية السياسة الخارجية، والقدرة على تنفيذ الالتزامات، وامتلاك أدوات اقتصادية أو مؤسسية تدعم التحركات الدبلوماسية. فالقوة الناعمة لا تمثل بديلًا كاملًا للقوة المادية، لكنها قد تعزز أثرها، أو تتيح للدول ذات الموارد المحدودة نسبيًا فرصًا أوسع للتأثير في البيئة الدولية.
ثالثًا: أزمة الأمن الجماعي والبحث عن ترتيبات أكثر مرونة
يواجه نظام الأمن الجماعي تحديات متزايدة في ظل تعثر التوافق بين القوى الكبرى داخل المؤسسات الدولية، ولا سيما مجلس الأمن. وقد انعكس ذلك في محدودية قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة الفاعلة لبعض النزاعات الممتدة، واحتواء التصعيد الإقليمي، وضمان الالتزام بالقواعد الدولية في حالات تتعارض فيها مصالح القوى المؤثرة.
ولا يعني هذا التعثر انهيار منظومة الأمن الجماعي أو انتهاء دور الأمم المتحدة، لكنه يكشف عن فجوة بين المبادئ القانونية والمؤسسية التي يقوم عليها النظام الدولي وبين القدرة العملية على تنفيذها عندما تتصادم المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى. وفي ظل هذه الفجوة، تجد الدول المتوسطة نفسها أمام تحديات تتجاوز حدودها الوطنية، من بينها تداعيات الحروب بالوكالة، واضطراب طرق التجارة، وتراجع أمن الطاقة، واختلال سلاسل الإمداد، وتزايد الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الأزمات الإقليمية.
وقد دفعت هذه الظروف عددًا من القوى المتوسطة إلى البحث عن صيغ تعاون تتسم بقدر أكبر من المرونة، بدلًا من حصر تحركاتها ضمن تكتلات ثابتة أو ترتيبات لا تسمح بهامش كافٍ للاستجابة للمتغيرات. ويشمل ذلك تنويع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التنسيق الأمني الإقليمي، وتطوير قنوات اتصال مع أطراف متنافسة، والمشاركة في مبادرات محددة لمعالجة أزمات بعينها.
ويعكس هذا الاتجاه تحولًا نسبيًا من الاعتماد الحصري على التعددية الشاملة إلى ما يمكن وصفه بـ«التعددية المرنة» أو التعاون متعدد الأطراف محدود الأهداف. ويقوم هذا النمط على جمع مجموعة من الدول حول مصالح مشتركة أو مشكلة محددة، مثل حماية الممرات البحرية، أو تأمين تدفقات الطاقة، أو معالجة اضطرابات التجارة، أو احتواء نزاع إقليمي.
وتكمن أهمية هذه الترتيبات في قدرتها على تجاوز بعض العقبات التي تواجه المؤسسات الأوسع نطاقًا، من خلال التركيز على أهداف عملية يمكن تحقيق توافق بشأنها. غير أن نجاحها يظل مشروطًا بوضوح الاختصاصات، واحترام القانون الدولي، وعدم تحولها إلى أطر موازية تقوض المؤسسات القائمة أو تستبعد الأطراف المتأثرة بالقضايا التي تتناولها.
رابعًا: المرونة الاستراتيجية بين استقلال القرار والتزامات التحالف
تتباين مقاربات القوى المتوسطة تبعًا لمواقعها الجيوسياسية وطبيعة ارتباطاتها الأمنية والاقتصادية. فالدول الغربية، مثل كندا وأستراليا، تتحرك ضمن معادلة تجمع بين التزاماتها تجاه التحالفات التقليدية، ولا سيما علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وبين حاجتها إلى تنويع شراكاتها والحفاظ على مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية.
أما قوى متوسطة في الجنوب العالمي، مثل إندونيسيا ومصر، فتواجه تحديات مختلفة ترتبط بالحفاظ على استقلالية القرار، والتعامل مع ضغوط التنافس بين القوى الكبرى، والاستفادة من موقعها الجغرافي وشبكات علاقاتها الإقليمية والدولية. ولا يعني ذلك أن هذه الدول تتبع بالضرورة سياسة الحياد أو تتجنب اتخاذ مواقف واضحة، بل إن جوهر المقاربة يتمثل في إدارة العلاقات الخارجية بما يحقق المصالح الوطنية ويحد من مخاطر الاعتماد على شريك واحد.
وفي هذا السياق، تبرز المرونة الاستراتيجية بوصفها نهجًا لإدارة المخاطر وتوسيع الخيارات، وليس مجرد سياسة للموازنة بين القوى المتنافسة. فهي تتيح للدولة تنويع علاقاتها الاقتصادية والأمنية، والحفاظ على قنوات الحوار في أوقات الأزمات، وتجنب تحويل الخلافات الدولية إلى قيود دائمة على حركتها الخارجية.
غير أن هذه المرونة لا تعني غياب المبادئ أو تبني مواقف متناقضة بصورة مستمرة. إذ تتطلب السياسة الخارجية الفاعلة الجمع بين الواقعية في تقدير موازين القوى والوضوح في تحديد المصالح الوطنية والالتزامات القانونية. كما تتطلب قدرة مؤسسات الدولة على تنسيق القرارات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، بما يضمن عدم تحول تنويع الشراكات إلى حالة من التشتت الاستراتيجي.
وبالتالي، فإن نجاح القوى المتوسطة لا يُقاس بعدد الشراكات التي تقيمها فحسب، بل بقدرتها على تحويل هذه الشراكات إلى أدوات عملية لتعزيز الأمن الوطني، وتوسيع فرص التنمية، والحد من التعرض للصدمات الخارجية.
خامسًا: التنسيق الإقليمي وإدارة الأزمات في الشرق الأوسط
يمثل الشرق الأوسط مجالًا مهمًا لاختبار قدرة القوى المتوسطة على تطوير آليات عملية لإدارة الأزمات، في ظل تشابك النزاعات وتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية، فضلًا عن التأثير المباشر الذي تمارسه القوى الدولية في توازناته.
وفي الحالات التي تتعثر فيها المسارات الدبلوماسية الدولية، يمكن للتنسيق بين القوى الإقليمية أن يسهم في احتواء التصعيد، والحفاظ على قنوات التواصل، وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات. ويشمل ذلك التعاون بين مصر والسعودية وتركيا، بالنظر إلى ثقل هذه الدول الإقليمي وتعدد ارتباطاتها السياسية والاقتصادية والأمنية.
لكن إمكانات هذا التنسيق لا ينبغي المبالغة في تقديرها؛ فاختلاف الأولويات الوطنية وتباين المواقف تجاه بعض الملفات الإقليمية قد يحدان من فرص بناء مواقف مشتركة ومستدامة. ومن ثم، فإن تطوير التعاون يتطلب تحديد مجالات المصالح المتقاطعة، والفصل بين القضايا التي يمكن تحقيق تقدم فيها وتلك التي تظل موضع خلاف، وتجنب افتراض وجود توافق استراتيجي شامل بين الأطراف.
وتبرز حماية الممرات البحرية وحرية الملاحة وأمن سلاسل الإمداد بوصفها مجالات مناسبة للتعاون العملي، نظرًا إلى انعكاساتها المباشرة على التجارة الدولية وأمن الطاقة والاقتصادات الإقليمية. كما يمكن للتنسيق الدبلوماسي والأمني أن يسهم في الحد من مخاطر سوء التقدير، وتعزيز تبادل المعلومات، ودعم المبادرات الرامية إلى خفض التصعيد.
وبالنسبة إلى مصر، يكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ضوء موقعها الجغرافي، وارتباط مصالحها باستقرار البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط، فضلًا عن دورها في عدد من الملفات العربية والإقليمية. ويتيح توظيف هذه المقومات مجالًا لتعزيز الحضور الدبلوماسي المصري، شريطة اقتران التحرك الخارجي بقدرات مؤسسية واقتصادية تدعم استمراريته وفاعليته.
سادسًا: مستقبل التعددية الدولية ودور القوى المتوسطة
تشير التحولات الراهنة إلى أن التعددية الدولية لا تتجه بالضرورة نحو الاختفاء، بقدر ما تشهد تغيرًا في أشكال ممارستها وتوزيع القدرة على المبادرة داخلها. فإلى جانب المؤسسات الدولية الكبرى، تتزايد أهمية التفاهمات الإقليمية، ومجموعات العمل المحدودة، والشراكات التي تتشكل حول قضايا محددة، بما يعكس تنامي الحاجة إلى آليات أكثر سرعة ومرونة في الاستجابة للأزمات.
ويعني ذلك أن مستقبل النظام الدولي قد يتسم بتعايش مستويات متعددة من التعاون، تشمل الأطر العالمية التي توفر الشرعية والقواعد المشتركة، والترتيبات الإقليمية التي تستجيب لخصوصية التحديات المحلية، والمبادرات الوظيفية التي تجمع الدول حول أهداف عملية. ولا يستلزم هذا التحول بالضرورة إحلال الترتيبات المرنة محل المؤسسات التقليدية، بل قد يؤدي إلى تكامل بين المستويات المختلفة إذا توافرت آليات واضحة للتنسيق والمساءلة.
وتتمثل إحدى المعضلات الرئيسية في ضمان ألا تتحول هذه الترتيبات إلى أطر انتقائية تخدم مصالح مجموعة محدودة من الدول على حساب بقية الأطراف. ولذلك، فإن فاعلية التعددية المرنة ستظل مرتبطة بمدى توافقها مع القانون الدولي، وقدرتها على تعزيز التعاون بدلًا من تعميق الاستقطاب، واستعداد الدول المشاركة فيها لإشراك الأطراف المتأثرة بالقرارات المتخذة.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى القوى المتوسطة باعتبارها بديلًا للقوى الكبرى أو المؤسسات الدولية، بل باعتبارها أطرافًا يمكنها الإسهام في سد بعض فجوات الحوكمة العالمية، وتوفير قنوات إضافية للتفاوض، وتطوير حلول عملية للقضايا التي يتعذر التعامل معها من خلال الأطر التقليدية وحدها.
خاتمة: نحو استراتيجية عربية لتعظيم النفوذ
مع اقتراب عام 2027، تبرز أمام الدبلوماسية المصرية والعربية ضرورة تطوير مقاربة أكثر تكاملًا للتعامل مع التحولات في النظام الدولي. وتتمثل الأولوية في تعظيم القدرة على التأثير من خلال توسيع الشراكات الإقليمية، وتنويع العلاقات الدولية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، وحماية الممرات التجارية الحيوية، إلى جانب دعم مؤسسات الدولة وقدرتها على صياغة سياسات خارجية متماسكة.
ويتطلب تحقيق هذه الأهداف الانتقال من التنسيق الظرفي إلى بناء آليات تعاون مستدامة، تقوم على تحديد المصالح المشتركة، ووضع أهداف قابلة للقياس، وتطوير قنوات مؤسسية للتشاور وتبادل المعلومات. كما يتطلب تعزيز أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية، والاستثمار في القدرات الاقتصادية والتكنولوجية التي تتيح للدول العربية توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي.
وفي الوقت نفسه، ينبغي التعامل مع مفهوم القوى المتوسطة بواقعية، إذ لا تضمن المكانة الجغرافية أو الثقل الدبلوماسي وحدهما القدرة على التأثير. فنجاح هذا الدور يتوقف على توافر الموارد، وتماسك المؤسسات، واستمرارية السياسات، والقدرة على بناء شراكات تتجاوز التصريحات السياسية إلى نتائج عملية.
وعليه، فإن التحول الجاري لا يمثل نهاية التعددية الدولية، بل يعكس إعادة توزيع أدواتها ومساراتها. وفي ظل صعوبة الاعتماد على المؤسسات العالمية وحدها لإدارة الأزمات، يمكن للقوى المتوسطة أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم الاستقرار، شريطة أن توظف مرونتها الاستراتيجية ضمن رؤية واضحة للمصالح الوطنية، وأن تجعل التعاون الإقليمي رافدًا للتعددية الدولية لا بديلًا عنها.
