إثيوبيا بين التمرد وإعادة التموضع الإقليمي: أزمة المنفذ البحري وتداعياتها على القرن الأفريقي
مقدمة
تدخل إثيوبيا مرحلة شديدة التعقيد تتقاطع فيها أزمات الداخل مع ضغوط البيئة الإقليمية. فالتوترات بين المركز والقوميات، واتساع رقعة التمرد وتعدد الفصائل المسلحة، تتزامن مع أزمات متراكمة في علاقات أديس أبابا مع عدد من دول الجوار، بما في ذلك إريتريا والصومال وجيبوتي والسودان. وفي الوقت نفسه، لا تزال قضية الوصول إلى البحر تمثل أحد المحددات الرئيسية للاستراتيجية الإثيوبية، بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد الإثيوبي على الموانئ المجاورة، ولا سيما الموانئ الجيبوتية.
في هذا السياق، تبدو تحركات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تجاه جيبوتي وكينيا والصومال جزءاً من محاولة لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية المحيطة بإثيوبيا، بما يخفف من الضغوط الاقتصادية والأمنية الناجمة عن التمرد، ويؤمن بدائل أكثر استدامة للوصول إلى الطاقة والتجارة. كما تعكس هذه التحركات، بصورة غير مباشرة، الحاجة إلى إعادة تقييم بعض الطموحات السابقة المتعلقة بالحصول على منفذ بحري ذي طبيعة سيادية.
وتكمن أهمية التطورات الحالية في أنها تضع مشروع الوصول الإثيوبي إلى البحر أمام معادلة أكثر تعقيداً: فالحاجة الاقتصادية إلى الموانئ حقيقية، لكن تحويل هذه الحاجة إلى ترتيبات عسكرية أو سيادية قد يفاقم التوترات الإقليمية ويزيد من عزلة أديس أبابا في وقت تواجه فيه ضغوطاً داخلية متزايدة.
أولاً: من أزمة داخلية إلى ضغط جيوسياسي
في تحليل سابق، طُرحت فرضية أن نجاح التمرد في إثيوبيا قد لا يؤدي فقط إلى تغيير موازين القوى داخل الدولة، وإنما قد يفتح الباب أمام مزيد من التفكك السياسي والأمني، في ظل ارتباط عدد من الفصائل المسلحة بهويات قومية ومناطق جغرافية مختلفة.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن اتساع رقعة الصراع قد يحول الأزمة الداخلية إلى أزمة جيوسياسية. فإثيوبيا ترتبط بشبكة معقدة من المصالح مع دول الجوار، وأي تراجع في قدرة الحكومة المركزية على السيطرة على طرق التجارة والطاقة والمناطق الحدودية ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة إلى ممر جيبوتي–أديس أبابا، الذي يمثل الشريان التجاري الرئيسي للاقتصاد الإثيوبي. وإذا تمكنت الجماعات المسلحة من تهديد العقد والممرات الاستراتيجية المؤدية إلى جيبوتي، فإن الأزمة الداخلية يمكن أن تتحول إلى ضغط اقتصادي مباشر على الحكومة الإثيوبية، من خلال زيادة تكاليف النقل والتأمين وإعاقة تدفق الواردات والصادرات.
ومن هذه الزاوية، فإن اتساع نطاق التمرد لا يمثل مجرد تحد أمني للحكومة، بل يضع مسألة استمرارية الاتصال الاقتصادي بين إثيوبيا والأسواق الخارجية في قلب الصراع.
ثانياً: جيبوتي.. من الاعتماد التاريخي إلى البحث عن ترتيبات أكثر أمناً
تأتي زيارة آبي أحمد إلى جيبوتي في 24 سبتمبر 2026 في هذا السياق. فقد شارك رئيس الوزراء الإثيوبي في فعاليات بدء تنفيذ مشروع خط أنابيب للنفط المكرر يربط بين داميرجوج في جيبوتي ودولي في إثيوبيا، بطول يقارب 120 كيلومتراً وتكلفة تقدر بنحو 660 مليون دولار، إلى جانب محطات تخزين على جانبي المشروع.
ولا تقتصر أهمية المشروع على قطاع الطاقة، إذ يمكن النظر إليه باعتباره جزءاً من بنية تحتية أوسع تهدف إلى حماية تدفق السلع والطاقة بين البلدين وتقليل تعرض الاقتصاد الإثيوبي للاضطرابات التي قد تصيب طرق النقل التقليدية.
وتزداد أهمية هذا المسار في ضوء التطورات الأمنية في شمال إثيوبيا، ولا سيما إذا أصبحت مناطق من إقليم عفر عرضة لاضطرابات مسلحة تهدد عقد المواصلات المرتبطة بالممر الدولي المؤدي إلى جيبوتي.
ومن ثم، فإن مطالبة أديس أبابا جيبوتي بالمساهمة في تأمين المحاور الرئيسية للممر تعكس إدراكاً بأن أمن التجارة الإثيوبية لم يعد شأناً داخلياً صرفاً، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن البنية التحتية العابرة للحدود.
لكن هذه الترتيبات تظل محكومة بحساسيات سياسية وقبلية محلية، وهو ما يجعل التعاون الأمني بين الدولتين أكثر تعقيداً من مجرد نشر قوات على جانبي الحدود. فالمطلوب هو حماية الممر دون تحويله إلى ساحة مواجهة جديدة مع الجماعات المحلية أو القوميات المتنافسة.
ثالثاً: كينيا.. البحث عن شبكة بديلة للطاقة والتجارة
تمثل زيارة آبي أحمد إلى كينيا في 30 سبتمبر بعداً آخر في استراتيجية إعادة التموضع. فاهتمام إثيوبيا بالمشروعات المرتبطة بميناء لامو وبممر لامو–جنوب السودان–إثيوبيا يعكس محاولة لتنويع خياراتها اللوجستية وعدم ترك أمن تجارتها الخارجية رهينة لمسار واحد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى دولة حبيسة بحجم إثيوبيا؛ إذ إن تنويع المنافذ لا يعني بالضرورة التخلي عن جيبوتي، وإنما تقليل مخاطر الاعتماد المفرط على مسار واحد.
ومن منظور اقتصادي، يمكن لشبكات الموانئ وخطوط الأنابيب والممرات البرية أن تتحول إلى شبكة مترابطة تربط إثيوبيا بمصادر الطاقة والأسواق الدولية، وتمنحها هامشاً أكبر في إدارة الأزمات.
وعليه، فإن التعاون الإثيوبي مع جيبوتي وكينيا يمكن قراءته بوصفه انتقالاً تدريجياً من فكرة امتلاك منفذ بحري سيادي إلى تأمين الوصول التجاري إلى البحر عبر ترتيبات إقليمية.
وهذا التحول، إذا استمر، قد يكون أكثر قابلية للاستدامة من محاولة فرض ترتيبات سيادية أو عسكرية على دولة ساحلية.
رابعاً: الصومال ومعادلة السيادة مقابل الوصول التجاري
تحتل العلاقة مع الصومال موقعاً أكثر حساسية في الحسابات الإثيوبية، خصوصاً بعد الخلافات المرتبطة باتفاق الوصول إلى البحر مع صوماليلاند.
وتشير زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى أديس أبابا في 29 سبتمبر إلى محاولة لإعادة ضبط العلاقة الثنائية، بما قد يسمح بإدارة الخلافات بدلاً من تحويلها إلى صراع مفتوح.
وتبرز هنا مسألة القوات الإثيوبية الموجودة في الصومال. فمن منظور مقديشو، فإن تقليص الوجود العسكري الإثيوبي يتصل بترسيخ سيادة الدولة الصومالية وبناء قدرة قواتها الوطنية على تحمل مسؤولية الأمن. أما من منظور أديس أبابا، فإن استمرار التعاون الأمني مع الصومال يمثل إحدى أدوات حماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
وقد يؤدي الاتفاق على إعادة انتشار القوات أو سحبها تدريجياً إلى تخفيف أحد مصادر التوتر بين البلدين، لكنه لا يحسم جوهر الخلاف المتعلق بالوصول الإثيوبي إلى البحر.
واللافت أن استعداد مقديشو لتوفير وصول تجاري لإثيوبيا إلى موانئها، مقابل اتفاق يحترم السيادة الصومالية ويرفض وجوداً عسكرياً أو سيادياً إثيوبياً، يطرح نموذجاً مختلفاً لمعالجة المعضلة.
فإثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، تحتاج إلى وصول مضمون ومستقر إلى الموانئ، لكن ذلك لا يتطلب بالضرورة امتلاك أرض ساحلية أو إنشاء قاعدة عسكرية. ويمكن أن توفر الاتفاقات التجارية طويلة الأجل والمناطق اللوجستية وحقوق العبور ضمانات اقتصادية كافية إذا توافرت لها آليات قانونية وسياسية مستقرة.
خامساً: اتفاق صوماليلاند وتكلفة الخيار السيادي
تكمن إحدى المشكلات الرئيسية أمام أديس أبابا في أن محاولتها الحصول على منفذ بحري ذي طابع سيادي عبر صوماليلاند لم تكن قضية اقتصادية فقط، بل تحولت إلى ملف سياسي وأمني أوسع.
فالاتفاقات التي تتصل بالأراضي أو الموانئ في القرن الأفريقي ترتبط مباشرة بقضايا الاعتراف والسيادة والحدود، ولذلك يمكن أن يؤدي السعي إلى ترتيبات أحادية الجانب إلى إفساد العلاقات مع دول الجوار، حتى إذا كانت دوافعها الاقتصادية مفهومة.
وتبدو هذه الكلفة واضحة في العلاقة مع الصومال، كما يمكن أن تؤثر بصورة غير مباشرة في علاقة إثيوبيا بجيبوتي، التي بنت جزءاً مهماً من اقتصادها على الخدمات المرتبطة بالتجارة الإثيوبية.
ومن ثم، فإن المعضلة الإثيوبية لا تتمثل فقط في إيجاد منفذ إلى البحر، بل في إيجاد منفذ لا يؤدي تأمينه إلى خسارة شبكة العلاقات الإقليمية التي تعتمد عليها إثيوبيا أصلاً في تجارتها وأمنها.
سادساً: إريتريا والسودان.. أخطر حلقات البيئة الإقليمية
إذا كانت جيبوتي وكينيا والصومال توفر مساحات محتملة للتعاون، فإن العلاقة مع إريتريا والسودان تمثل جانباً أكثر خطورة.
فالتوتر الإثيوبي–الإريتري يحمل قابلية عالية للتحول إلى مواجهة عسكرية، خصوصاً في ظل حساسية الحدود وتراكم الخلافات المتعلقة بالموانئ والنفوذ الإقليمي. وأي محاولة لاستخدام القوة للحصول على منفذ بحري، ولا سيما عبر ميناء عصب، ستكون مختلفة جذرياً عن ترتيبات الوصول التجاري إلى الموانئ.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن فتح جبهة عسكرية جديدة في هذا التوقيت قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: بدلاً من توظيف قضية خارجية لتوحيد الداخل الإثيوبي، قد يضيف الصراع الخارجي عبئاً عسكرياً واقتصادياً إلى دولة تواجه بالفعل تحديات داخلية متعددة.
أما السودان، فتتداخل علاقته بإثيوبيا مع ملفات الحدود والنزاع الداخلي السوداني وقضايا الأمن الإقليمي. ومن ثم فإن أي تصعيد متزامن مع إريتريا أو السودان قد يؤدي إلى تشكل بيئة أمنية معادية على أكثر من محور، وهو ما يحد من قدرة أديس أبابا على إدارة أزمتها الداخلية.
سابعاً: خيار «الهروب إلى الأمام» وحدوده
تطرح بعض التقديرات احتمال أن تلجأ الحكومة الإثيوبية إلى تصعيد خارجي بهدف إعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية، عبر تقديم مواجهة إقليمية باعتبارها قضية وطنية جامعة.
من الناحية السياسية، قد يبدو هذا الخيار جذاباً في ظروف الصراع الداخلي، لأن القضايا الخارجية يمكن أن توفر للحكومات وسيلة لتعبئة الرأي العام وإعادة ترتيب الأولويات.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب افتراضاً أساسياً، وهو أن تكلفة التصعيد الخارجي ستظل محدودة ويمكن التحكم فيها. وهذا الافتراض ليس مضموناً في القرن الأفريقي.
فأي صدام مع إريتريا، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتداخل أطراف إقليمية أخرى، بما يحول الأزمة من وسيلة لتخفيف الضغوط الداخلية إلى مصدر إضافي لها.
لذلك، فإن استخدام القوة للحصول على منفذ بحري قد يكون أكثر كلفة من تحقيق الهدف نفسه عبر ترتيبات تجارية ولوجستية طويلة الأجل.
ثامناً: البعد المصري في الأزمة الإثيوبية
تحتل مصر موقعاً خاصاً في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب ملف سد النهضة، وإنما بسبب تشابك الأمن المائي المصري مع تطورات الأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ومن الطبيعي أن تستخدم الحكومة الإثيوبية أحياناً الخطاب المتعلق بـ«التهديد المصري» في سياق التعبئة السياسية الداخلية. إلا أن استمرار هذا الخطاب لا يعني بالضرورة استحالة التفاوض بين البلدين.
فالسياسة الخارجية لا تُدار دائماً وفق الخطاب العلني، وقد تسمح الضغوط الداخلية والإقليمية بفتح قنوات تفاوضية خلف الكواليس حتى في ظل تصعيد إعلامي وسياسي.
وبالنسبة إلى القاهرة، فإن المعيار الأساسي لا ينبغي أن يكون منع إثيوبيا من الوصول التجاري إلى البحر، إذ إن الدولة الحبيسة تحتاج بحكم القانون والممارسة الدولية إلى ترتيبات عبور وتجارية تتيح لها الوصول إلى الأسواق العالمية. إنما تكمن الحساسية المصرية بصورة أكبر في أي ترتيبات قد تتحول إلى وجود عسكري أو سيادي إثيوبي على سواحل البحر الأحمر، أو إلى تغيير دائم في موازين القوى البحرية في المنطقة.
وهنا يصبح التفريق بين الوصول التجاري والوجود العسكري أو السيادي أساسياً لفهم الموقف المصري.
تاسعاً: أزمة متعددة المستويات تحتاج إلى إدارة لا إلى حل منفرد
تكشف التطورات الحالية أن الأزمة الإثيوبية لا يمكن فصلها إلى ملفات مستقلة. فهناك في الوقت نفسه:
- صراع داخلي متعدد القوميات والفصائل.
- اضطرابات تهدد ممر التجارة مع جيبوتي.
- خلافات مع إريتريا.
- توتر مع السودان.
- أزمة مع الصومال بشأن السيادة والوصول إلى البحر.
- حاجة متزايدة إلى تنويع مصادر الطاقة والموانئ.
- خلافات مستمرة مع مصر بشأن مياه النيل وسد النهضة.
- تنافس إقليمي ودولي على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وتكمن خطورة هذه الشبكة في أن تطور أحد الملفات يمكن أن يؤدي إلى تغيير حسابات الملفات الأخرى. فمثلاً، تدهور الأمن على الطريق المؤدي إلى جيبوتي يزيد أهمية البدائل الكينية والصومالية، بينما يمكن لأي تصعيد مع الصومال أن يدفع إثيوبيا إلى خيارات أكثر صدامية في ملف المنفذ البحري.
لذلك، فإن التعامل مع الأزمة عبر حل منفرد قد لا يكون كافياً. المطلوب هو إدارة متزامنة لمجموعة الأزمات، بما يمنع تحولها إلى صراع إقليمي مفتوح.
عاشراً: الدور الأمريكي وحدود الوساطة
في هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة باعتبارها إحدى القوى القادرة على التواصل مع الأطراف المختلفة واستخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية وأمنية للتأثير في مسارات الأزمة.
وتأتي التحركات المرتبطة بالوساطة الأمريكية، ومنها جهود مسعد بولس، في إطار أوسع يمكن فهمه باعتباره محاولة لتفكيك بعض الملفات المترابطة ومنع انتقالها إلى نقطة يصعب احتواؤها.
وقد تكون واشنطن مهتمة بمنع ثلاثة سيناريوهات متزامنة: تفكك إثيوبيا، اندلاع حرب واسعة بين إثيوبيا وإريتريا، واضطراب مستدام في الممرات البحرية والبرية التي ترتبط بها التجارة الدولية في القرن الأفريقي.
لكن قدرة الولايات المتحدة على التأثير ليست مطلقة. فالتناقضات المحلية والقومية داخل إثيوبيا، ومصالح دول الجوار، والمنافسة الدولية على الموانئ والبنية التحتية، تجعل أي تسوية شاملة شديدة التعقيد.
ومن ثم، قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو إدارة متدرجة للأزمات بدلاً من محاولة إنتاج تسوية واحدة ونهائية لجميع الملفات.
السيناريوهات المحتملة
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للتطور خلال المرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: التهدئة وإعادة التموضع الإقليمي. تواصل أديس أبابا تعزيز علاقاتها مع جيبوتي وكينيا والصومال، وتتحول تدريجياً من السعي إلى منفذ بحري ذي طبيعة سيادية إلى تأمين وصول تجاري متعدد المسارات. ويمثل هذا المسار فرصة لتقليل الضغوط الخارجية وإتاحة مساحة أكبر للحكومة لمعالجة التحديات الداخلية.
السيناريو الثاني: التصعيد الخارجي. تدفع الضغوط الداخلية الحكومة إلى محاولة تحقيق مكاسب خارجية، سواء عبر التصعيد مع إريتريا أو إعادة طرح مسألة المنفذ البحري بصورة أكثر صدامية. وقد يوفر ذلك مكاسب سياسية قصيرة الأجل، لكنه يحمل مخاطر عالية تتعلق باتساع دائرة الصراع واستنزاف الموارد.
السيناريو الثالث: إدارة دولية وإقليمية للأزمة. تتوسع الاتصالات الأمريكية والإقليمية بهدف احتواء الملفات الأكثر خطورة، مع توزيعها على مسارات منفصلة: الأمن الداخلي، العلاقات الإثيوبية–الإريترية، الوصول التجاري إلى البحر، أمن الممرات، والعلاقة مع مصر. وقد يسمح هذا النهج بتجميد بعض نقاط الخلاف بدلاً من حلها بصورة نهائية.
خاتمة
تشير تحركات آبي أحمد الأخيرة في جيبوتي وكينيا والصومال إلى أن معادلة الوصول الإثيوبي إلى البحر تمر بمرحلة إعادة تقييم. فالحاجة إلى الموانئ والطاقة والتجارة لا تزال قائمة، لكن البيئة السياسية والأمنية المحيطة بإثيوبيا تجعل الخيار السيادي أو العسكري أكثر كلفة وأقل قابلية للاستدامة.
وفي المقابل، يوفر التعاون التجاري واللوجستي مع دول الجوار بديلاً يمكن أن يحقق جزءاً كبيراً من المصالح الإثيوبية من دون إعادة إنتاج صراعات السيادة والحدود.
لكن نجاح هذا المسار يتوقف أولاً على قدرة أديس أبابا على احتواء أزمتها الداخلية. فكلما اتسعت رقعة التمرد وتعددت جبهاته، أصبحت الخيارات الخارجية أكثر إغراءً للحكومة، وفي الوقت نفسه أكثر خطورة عليها. ومن هنا تنبع المفارقة الأساسية: قد يدفع ضعف المركز إثيوبيا إلى البحث عن مكاسب خارجية، بينما قد يؤدي التصعيد الخارجي نفسه إلى تعميق ضعف المركز.
أما بالنسبة إلى مصر، فإن التطورات تستدعي متابعة دقيقة ليس فقط لمسار العلاقات الثنائية، وإنما لمعادلة الأمن الإقليمي بكاملها. فاستقرار إثيوبيا، وأمن السودان، والعلاقة مع الصومال وإريتريا، وأمن البحر الأحمر، وملف سد النهضة، ليست ملفات منفصلة؛ وإنما عناصر في منظومة استراتيجية واحدة.
وعليه، فإن إدارة الأزمة تتطلب مقاربة تتجاوز رد الفعل تجاه كل تطور منفرد، نحو بناء تصور أوسع لموازين القوى ومسارات التجارة والطاقة والأمن في القرن الأفريقي. وفي هذه البيئة، قد يكون الهدف الأكثر واقعية ليس الوصول إلى «حل نهائي» لجميع الأزمات، وإنما منع تفاعلها من إنتاج صراع إقليمي واسع يصعب احتواؤه لاحقاً. :::
