بث تجريبي

الغواصة الروسية «أمور-1650»: هل تستطيع موسكو استعادة نفوذها في سوق السلاح الآسيوي؟

تقدير موقف - Foresight

في الوقت الذي تتسارع فيه المنافسة العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تسعى روسيا إلى إعادة تثبيت موقعها في أحد أكثر أسواق السلاح نمواً في العالم عبر طرح غواصتها الجديدة «أمور-1650». وتراهن موسكو على أن المنصة الجديدة، التي تجمع بين تقنيات التخفي والصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الدفع المستقلة عن الهواء، ستمنحها فرصة لتعزيز حضورها في أسواق جنوب آسيا وجنوب شرقها، حيث يتزايد الطلب على القدرات البحرية المتقدمة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

غير أن السؤال الذي يواجه روسيا اليوم لا يتعلق فقط بمدى تطور الغواصة الجديدة، بل بقدرتها على إنتاجها وتسليمها في ظل الضغوط التي تواجهها الصناعة العسكرية الروسية نتيجة الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية وتزايد المنافسة الدولية.

سوق يتغير بسرعة

يأتي الكشف عن «أمور-1650» في لحظة تشهد فيها البيئة الأمنية الآسيوية تحولات متسارعة. فالتنافس الأميركي الصيني، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، والأزمات المتكررة حول تايوان، دفعت العديد من الدول الآسيوية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية.

وفي هذا السياق أصبحت الغواصات التقليدية الحديثة أحد أكثر الأسلحة طلباً لدى الدول المتوسطة والصغيرة، نظراً لقدرتها على توفير قوة ردع فعالة بتكلفة أقل بكثير من الغواصات النووية.

وتسعى دول مثل الهند وفيتنام وإندونيسيا والفلبين وماليزيا إلى تعزيز قدراتها تحت سطح البحر ضمن استراتيجيات تهدف إلى منع القوى الكبرى من فرض سيطرتها على الممرات البحرية الحيوية، فيما يعرف بعقيدة "منع الوصول وحرمان الخصم من حرية الحركة" (A2/AD).

ومن هنا تدرك موسكو أن مستقبل صادراتها البحرية قد يتوقف إلى حد كبير على قدرتها على اقتناص حصة من هذا الطلب المتزايد.

الهند: الزبون الطبيعي أم الشريك المتردد؟

تبقى الهند المرشح الأكثر منطقية للحصول على الغواصة الروسية الجديدة.

فالعلاقات العسكرية بين البلدين تمتد لعقود طويلة، ولا تزال روسيا المورد الأكبر للسلاح الهندي، رغم التراجع التدريجي في حصتها السوقية خلال السنوات الأخيرة.

كما تواجه البحرية الهندية أزمة حقيقية في أسطولها التقليدي، إذ تقلص عدد الغواصات العاملة مع خروج بعض القطع القديمة من الخدمة وتأخر برامج الإحلال والتحديث.

ويزداد الضغط على نيودلهي في ظل التطور السريع للأسطول البحري الصيني، ودخول غواصات باكستانية حديثة مزودة بأنظمة دفع مستقلة عن الهواء إلى الخدمة خلال السنوات المقبلة.

وتتمتع «أمور-1650» بميزة إضافية بالنسبة للهند تتمثل في قدرتها على حمل صواريخ «براهموس» الأسرع من الصوت، التي تمثل أحد أبرز مشاريع التعاون العسكري بين موسكو ونيودلهي.

لكن هذه المعطيات لا تعني أن الصفقة محسومة. فالهند تتبنى منذ سنوات استراتيجية تقوم على تنويع مصادر التسليح وتقليل الاعتماد على روسيا، سواء عبر التعاون مع فرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، أو من خلال تعزيز التصنيع العسكري المحلي.

كما أن التأخيرات المتكررة في تسليم بعض الأنظمة الروسية، نتيجة الحرب في أوكرانيا، أثارت قلقاً متزايداً داخل المؤسسة العسكرية الهندية بشأن موثوقية الإمدادات الروسية مستقبلاً.

جنوب شرق آسيا: بين الحاجة العسكرية والحسابات السياسية

في جنوب شرق آسيا تبدو الصورة أكثر تعقيداً.

فالدول المطلة على بحر الصين الجنوبي تنظر إلى الغواصات باعتبارها أداة فعالة لتعزيز الردع في مواجهة التفوق البحري الصيني.

وتتمتع روسيا بحضور تاريخي في بعض هذه الأسواق، وخاصة في فيتنام التي تعتمد بشكل كبير على المعدات العسكرية الروسية.

غير أن هانوي، مثلها مثل نيودلهي، بدأت خلال السنوات الأخيرة اتباع سياسة تنويع الشركاء الدفاعيين لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على مصدر واحد.

ويزداد هذا التوجه أهمية في ظل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، والتي أثرت على سلاسل التوريد وعمليات الصيانة والتحديث الخاصة بالمنظومات العسكرية الروسية.

كما أن التقارب الاستراتيجي المتزايد بين موسكو وبكين أثار تساؤلات داخل بعض العواصم الآسيوية حول مدى قدرة روسيا على لعب دور موازن للصين في المستقبل.

العقوبات الغربية ومعضلة الصناعة العسكرية الروسية

ربما تكون المشكلة الأكبر التي تواجه مشروع «أمور-1650» خارج نطاق المواصفات التقنية للغواصة نفسها.

فالحرب في أوكرانيا فرضت ضغوطاً غير مسبوقة على القطاع الصناعي الدفاعي الروسي. وقد اضطرت موسكو إلى توجيه جزء كبير من طاقتها الإنتاجية لتلبية احتياجات الجيش الروسي، على حساب برامج التصدير.

كما أدت العقوبات الغربية إلى تقييد وصول روسيا إلى عدد من المكونات الإلكترونية والتقنيات المتقدمة، ما خلق تحديات إضافية أمام الصناعات الدفاعية الروسية.

وتشير تقارير متخصصة إلى أن بعض أحواض بناء السفن الروسية تعاني من مشكلات مالية ونقص في العمالة الماهرة واضطرابات في سلاسل الإمداد، وهي عوامل قد تؤثر على القدرة الإنتاجية في المدى المتوسط والطويل.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: فالمشتري المحتمل لا يشتري منصة قتالية فقط، بل يشتري أيضاً الثقة في قدرة المورد على التسليم والصيانة والتحديث لعقود مقبلة.

منافسة دولية متزايدة

لا تدخل روسيا هذا السوق منفردة.

ففرنسا عززت حضورها عبر غواصات «سكوربين»، بينما تواصل ألمانيا تسويق غواصاتها التقليدية المتطورة، في حين صعدت كوريا الجنوبية كأحد أبرز اللاعبين الجدد في سوق الغواصات العالمية.

وتتمتع هذه الدول بميزات إضافية تتمثل في الاستقرار الصناعي، والقدرة على الالتزام بجداول التسليم، وإمكانية نقل التكنولوجيا بدرجات متفاوتة، وهي عوامل أصبحت تحظى بأهمية متزايدة لدى المشترين.

وفي المقابل، لا تزال روسيا تعتمد بدرجة كبيرة على السمعة التاريخية لمنظوماتها العسكرية وكفاءتها القتالية وسعرها التنافسي.

ما وراء الغواصة

تكشف «أمور-1650» عن قضية أعمق تتعلق بمستقبل مكانة روسيا في سوق السلاح العالمي.

فخلال العقود الماضية كانت موسكو ثاني أكبر مصدر للسلاح في العالم، لكنها تواجه اليوم تحديات متشابكة تتمثل في العقوبات الغربية، واستنزاف الحرب، وتغير أولويات المشترين، وظهور منافسين جدد.

ولذلك فإن نجاح الغواصة الجديدة لن يقاس فقط بعدد العقود التي ستحصل عليها، بل بقدرة روسيا على إثبات أن صناعتها الدفاعية ما زالت قادرة على الوفاء بالتزاماتها في بيئة دولية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

خاتمة

تمثل «أمور-1650» محاولة روسية واضحة لاستعادة الزخم في سوق الغواصات التقليدية المتطورة، مستفيدة من تنامي الطلب الآسيوي على القدرات البحرية المتقدمة. غير أن نجاح هذه المحاولة يعتمد على عوامل تتجاوز المواصفات التقنية للغواصة نفسها.

ففي عالم السلاح المعاصر، لا يكفي امتلاك منصة متطورة، بل يتطلب الأمر قاعدة صناعية مستقرة، وسلاسل إمداد موثوقة، وقدرة على التسليم في الوقت المحدد. ومن ثم، فإن المعركة الحقيقية التي تخوضها موسكو اليوم ليست فقط لإقناع المشترين بقدرات «أمور-1650»، بل لإقناعهم بأن روسيا ما زالت شريكاً دفاعياً يمكن الاعتماد عليه في عالم يشهد تحولات استراتيجية متسارعة.