مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي 2026: هل أصبحت إيران شماعة لأزمة أعمق في النظام النووي الدولي؟
لم يكن فشل المؤتمر الحادي عشر لمراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT) في التوصل إلى وثيقة ختامية توافقية مفاجئاً للمتابعين. فمنذ أشهر سبقت انعقاد المؤتمر في نيويورك خلال الفترة من 27 أبريل إلى 22 مايو 2026، كانت المؤشرات توحي بأن الانقسامات السياسية والاستراتيجية المتفاقمة بين القوى الكبرى والدول غير النووية ستجعل التوافق أمراً بالغ الصعوبة. ومع ذلك، فإن اختزال أسباب الفشل في الموقف الإيراني وحده يغفل حقيقة أكثر عمقاً تتعلق بالأزمة البنيوية التي باتت تعاني منها منظومة عدم الانتشار النووي نفسها.
إيران في دائرة الاتهام
عقب انتهاء المؤتمر دون اعتماد وثيقة ختامية، سارعت العديد من وسائل الإعلام الغربية وبعض الدوائر السياسية الأمريكية والأوروبية إلى تحميل إيران مسؤولية الإخفاق. وجاء ذلك على خلفية الخلاف حول فقرة تتعلق بامتثال الدول الأطراف لالتزاماتها في مجال عدم الانتشار، حيث أصرت الولايات المتحدة على تضمين إشارة مباشرة إلى إيران باعتبارها دولة غير ممتثلة، مع التأكيد على ضرورة ألا تسعى طهران إلى امتلاك أسلحة نووية أو تطويرها.
في المقابل، رفضت إيران الإشارة إليها بالاسم في وثيقة توافقية، وطالبت بدلاً من ذلك بإدانة الهجمات العسكرية التي استهدفت منشآتها النووية الخاضعة لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرة أن هذه الهجمات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة.
ورغم أن هذا الخلاف كان السبب المباشر في تعثر التوافق، فإن التركيز عليه وحده يخفي شبكة أوسع من التناقضات والخلافات التي تراكمت داخل المعاهدة خلال العقود الماضية.
الحرب الإقليمية تلقي بظلالها على المؤتمر
انعقد المؤتمر في ظل ظروف إقليمية استثنائية، بعد أشهر من الحرب التي شهدتها منطقة غرب آسيا بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ورغم دخول وقف إطلاق نار هش حيز التنفيذ قبل المؤتمر، فإن أجواء التوتر السياسي كانت حاضرة بقوة.
وقد ظهر ذلك منذ الجلسات الأولى عندما اعترضت واشنطن على ترشيح إيران لمنصب نائب رئيس المؤتمر، رغم أن المنصب بروتوكولي بالأساس ولا يملك صلاحيات تنفيذية. غير أن الاعتراض الأمريكي حمل دلالة سياسية واضحة، إذ سعت واشنطن إلى نزع الشرعية عن أي دور رمزي لطهران داخل هيكل المؤتمر.
لكن اللافت أن إيران لم تتخذ موقفاً دفاعياً، بل شاركت بوفد رفيع المستوى ضم خبراء قانونيين وفنيين ومتخصصين في القضايا النووية، ما عكس إدراكها لحجم الضغوط التي ستواجهها، وسعيها إلى إدارة النقاش من موقع المبادرة لا من موقع الاتهام.
استراتيجية إيرانية لإعادة صياغة السردية
خلال المؤتمر، حاولت طهران نقل النقاش من ملف تخصيب اليورانيوم إلى قضية أخرى تتمثل في أمن المنشآت النووية المدنية أثناء النزاعات المسلحة. وقدمت نفسها باعتبارها ضحية لهجمات استهدفت منشآت خاضعة لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكدة أن هذه الهجمات تكشف عن "معايير مزدوجة" في تطبيق قواعد عدم الانتشار.
وتندرج هذه المقاربة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تعريف المشكلة الأساسية؛ فبدلاً من التركيز على المخاوف المرتبطة بمخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، تسعى طهران إلى إبراز التناقض بين مطالبة الدول الكبرى باحترام قواعد عدم الانتشار وبين تجاهلها لمبادئ حماية المنشآت النووية السلمية أثناء النزاعات.
وقد وجدت هذه الرسالة صدى لدى عدد من الدول العربية ودول منظمة التعاون الإسلامي، فضلاً عن الصين وروسيا اللتين دعمتا الموقف الإيراني وانتقدتا ما اعتبرتاه انتقائية غربية في التعامل مع قضايا الانتشار النووي.
جوهر الخلاف: حق التخصيب أم تهديد الانتشار؟
تكمن إحدى أهم القضايا التي برزت خلال المؤتمر في الجدل المستمر حول تفسير المادة الرابعة من معاهدة عدم الانتشار النووي، والتي تكفل للدول غير النووية الحق في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
ترى إيران أن هذا الحق يشمل بصورة طبيعية تطوير دورة الوقود النووي كاملة، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم، طالما أن النشاط لا يهدف إلى إنتاج أسلحة نووية. ومن هذا المنطلق تدافع طهران عن برنامجها النووي ومخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
أما الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون فيرون أن الوصول إلى مستويات تخصيب مرتفعة لا يملك مبررات مدنية مقنعة، خاصة في ظل النزاعات القائمة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الالتزام بإجراءات الضمانات.
وتكشف هذه القضية عن ثغرة قانونية وسياسية مهمة داخل المعاهدة؛ فالنص لا يمنح حق التخصيب بشكل صريح، لكنه لا يحظره أيضاً. ومن ثم أصبحت المسألة رهينة للتفسيرات السياسية المتعارضة، وهو ما يفسر استمرار الخلاف بشأنها منذ سنوات.
انقسام دولي يتجاوز الملف الإيراني
في الواقع، لا يتعلق فشل المؤتمر بإيران وحدها، بل يعكس تحولات أوسع في النظام الدولي. فالصين وروسيا باتتا تنظران إلى ملفات عدم الانتشار من زاوية المنافسة الاستراتيجية مع الغرب، بينما تتبنى دول الجنوب العالمي مواقف أكثر استقلالية مقارنة بالمراحل السابقة.
كما أن عدداً متزايداً من الدول غير النووية بات يشعر بأن القوى النووية الخمس المعترف بها في المعاهدة لا تبدي الجدية الكافية في تنفيذ التزاماتها المتعلقة بنزع السلاح النووي، في حين تواصل التشدد في فرض قواعد عدم الانتشار على الآخرين.
وبالتالي فإن الخلاف لم يعد يدور فقط حول دولة بعينها، بل حول التوازن بين الركائز الثلاث الأساسية للمعاهدة: عدم الانتشار، ونزع السلاح، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
أزمة هيكلية في معاهدة عدم الانتشار
يكشف مؤتمر 2026 عن حقيقة أساسية مفادها أن نظام عدم الانتشار النووي يواجه أزمة ثقة متصاعدة. فالدول النووية تركز على منع انتشار التكنولوجيا الحساسة، بينما تطالب الدول غير النووية بتنفيذ تعهدات نزع السلاح واحترام حقها في التنمية النووية السلمية.
وفي ظل تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار المواجهة بين روسيا والغرب، وتزايد أهمية الطاقة النووية في ظل اعتبارات أمن الطاقة والتحول المناخي، تبدو هذه التناقضات مرشحة للتفاقم خلال السنوات المقبلة.
خاتمة
لا يمكن تفسير فشل مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي لعام 2026 من خلال الخلاف الأمريكي الإيراني وحده، رغم أهميته. فالأزمة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير، إذ تعكس اختلالاً متزايداً في التوازن الذي قامت عليه المعاهدة منذ عام 1968. وإذا لم تتمكن الدول الأطراف من معالجة القضايا البنيوية المتعلقة بحق التخصيب، ونزع السلاح النووي، والمعايير المزدوجة في تطبيق قواعد عدم الانتشار، فإن المؤتمرات المقبلة قد تواجه المصير نفسه، ما يهدد فعالية أحد أهم أركان نظام الأمن الدولي المعاصر.
