قمة السبع تحت ظلال ترمب: هل تدخل الشراكة الأطلسية مرحلة إعادة التفاوض؟
تأتي قمة مجموعة السبع المقبلة في فرنسا في لحظة دولية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات الحرب في الشرق الأوسط، والتنافس الاستراتيجي مع الصين، ومستقبل الحرب الأوكرانية، مع تحولات عميقة في طبيعة القيادة الأميركية للنظام الدولي. وفي قلب هذه التحولات يقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يبدو أنه لم يعد مجرد طرف مشارك في القمة، بل أصبح العامل الأكثر تأثيراً في تحديد أجندتها ومخرجاتها المحتملة.
فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يتعامل ترمب مع المؤسسات متعددة الأطراف بوصفها أدوات لتعزيز القيادة الأميركية التقليدية، وإنما باعتبارها ساحات تفاوضية يسعى من خلالها إلى إعادة صياغة التزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها وفق منطق المصلحة المباشرة والكلفة والعائد. ولذلك فإن قمة السبع الحالية لا تمثل مجرد اجتماع دوري للدول الصناعية الكبرى، بل تشكل اختباراً جديداً لقدرة الغرب على الحفاظ على تماسكه السياسي والاستراتيجي في ظل رؤية أميركية مختلفة عن تلك التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة.
ترمب والنظام الدولي: من القيادة إلى إعادة التفاوض
يكشف سلوك الإدارة الأميركية الحالية عن انتقال واضح من نموذج "القيادة الغربية الجماعية" إلى نموذج "إعادة التفاوض المستمر". فترمب لا ينظر إلى التحالفات التقليدية باعتبارها ثوابت استراتيجية، بل يعتبرها ترتيبات قابلة للمراجعة متى تعارضت مع الأولويات الأميركية.
هذا التحول يفسر التوتر المتكرر بين واشنطن وشركائها الأوروبيين، سواء في الملفات التجارية أو الدفاعية أو الاقتصادية. كما يفسر الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية على حلفائها داخل مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي، بهدف دفعهم إلى تحمل أعباء أكبر في الأمن والدفاع.
وفي هذا السياق، تبدو القمة المقبلة امتداداً لمعركة أوسع تدور حول مستقبل النظام الغربي نفسه: هل يستمر كمنظومة قائمة على تقاسم الأعباء والالتزامات المتبادلة، أم يتحول إلى شبكة علاقات أكثر مرونة تخضع لمنطق الصفقات الثنائية والمصالح الوطنية الضيقة؟
الشرق الأوسط كعامل حاسم في مزاج القمة
من المرجح أن يتوقف جزء مهم من ديناميات القمة على تطورات الملف الإيراني. فالتفاؤل الذي أبدته واشنطن وطهران بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي حالة التصعيد العسكري يمنح ترمب فرصة لتقديم نفسه باعتباره صانع صفقات ناجحاً وقادراً على تحقيق نتائج دبلوماسية دون الانخراط في حروب طويلة.
وفي حال تحقق اختراق فعلي في المفاوضات، فإن الرئيس الأميركي سيدخل القمة من موقع أكثر قوة وثقة، ما قد يدفعه إلى تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الحلفاء الأوروبيين. أما إذا تعثرت المفاوضات أو انهارت، فقد تتحول القمة إلى منصة لإدارة أزمة جديدة في الشرق الأوسط، مع ما يرافق ذلك من انقسامات محتملة بين واشنطن وشركائها حول كيفية التعامل مع إيران.
ومن هنا لا يمكن النظر إلى الملف الإيراني باعتباره قضية إقليمية فقط، بل بوصفه عاملاً مؤثراً في توازنات القوى داخل المعسكر الغربي نفسه.
أوروبا بين الواقعية والقلق الاستراتيجي
تعكس مواقف العواصم الأوروبية حالة متزايدة من القلق تجاه مستقبل العلاقة عبر الأطلسي. فخلال السنوات الماضية أدركت الحكومات الأوروبية أن عودة ترمب لا تمثل مجرد تغيير سياسي عابر، وإنما تعبير عن تيار أميركي أوسع يدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الأولويات الداخلية.
ويزداد هذا القلق مع التقارير التي تتحدث عن نية واشنطن تقليص وجودها العسكري في أوروبا وخفض الموارد المخصصة لحلف الناتو. فمثل هذه الخطوات لا تحمل أبعاداً عسكرية فقط، بل تتضمن رسالة سياسية مفادها أن الأمن الأوروبي لم يعد أولوية أميركية مطلقة كما كان في العقود السابقة.
لذلك تسعى الدول الأوروبية إلى اتباع استراتيجية مزدوجة تقوم على الحفاظ على العلاقة مع واشنطن من جهة، وتسريع جهود بناء قدرات دفاعية أوروبية أكثر استقلالية من جهة أخرى. غير أن هذا المسار لا يزال يواجه عقبات مالية وسياسية وعسكرية تجعل أوروبا بعيدة عن تحقيق استقلال استراتيجي كامل.
الصين: نقطة الالتقاء النادرة
على الرغم من الخلافات المتزايدة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، فإن ملف الصين يظل أحد المجالات القليلة التي توفر أرضية مشتركة نسبياً. فالتنافس الاقتصادي والتكنولوجي مع بكين أصبح قضية مركزية لدى معظم دول مجموعة السبع، وإن كانت تختلف في درجة التشدد تجاهها.
وبالنسبة لترمب، يمثل هذا الملف فرصة لحشد دعم الحلفاء خلف استراتيجية أميركية تهدف إلى احتواء الصعود الصيني وإعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية بما يقلل الاعتماد على الاقتصاد الصيني.
إلا أن التحدي يكمن في أن العديد من الاقتصادات الأوروبية واليابانية ما زالت ترتبط بعلاقات تجارية واستثمارية عميقة مع الصين، الأمر الذي يجعل التوافق الغربي الكامل حول سياسات المواجهة أمراً بالغ الصعوبة.
أوكرانيا وتراجع الاحتكار الأميركي
من أبرز التحولات التي ستنعكس على أجواء القمة تغير موقع أوكرانيا داخل الحسابات الغربية. ففي السنوات الأولى للحرب كانت كييف تعتمد بصورة كبيرة على الدعم العسكري والمالي الأميركي، وهو ما منح واشنطن نفوذاً واسعاً على القرار الأوكراني والأوروبي.
أما اليوم، فقد تطورت القدرات الأوروبية نسبياً، وأصبحت أوكرانيا أقل اعتماداً على الولايات المتحدة مقارنة بالمراحل السابقة. وهذا التطور يمنح الأوروبيين هامشاً أكبر للمناورة في تعاملهم مع ترمب، ويقلل من قدرة واشنطن على استخدام الملف الأوكراني كورقة ضغط استراتيجية.
ومع ذلك، فإن استمرار الحرب يجعل الولايات المتحدة لاعباً لا يمكن الاستغناء عنه بالكامل، وهو ما يفرض على الأوروبيين مواصلة سياسة التوازن بين الاستقلال النسبي والحاجة المستمرة إلى المظلة الأميركية.
قمة تعكس أزمة القيادة الغربية
في جوهرها، لا تتعلق قمة مجموعة السبع المقبلة بالخلافات التجارية أو الحرب الأوكرانية أو الملف الإيراني فحسب، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل القيادة الغربية ذاتها. فالعالم يشهد انتقالاً تدريجياً من مرحلة الهيمنة الأميركية غير المتنازع عليها إلى مرحلة أكثر تعددية وتنافساً، حيث تتزايد أدوار القوى الصاعدة وتتراجع قدرة المؤسسات التقليدية على إنتاج توافقات مستقرة.
وفي هذا السياق، تبدو شخصية دونالد ترمب وتجسيده لفلسفة "أميركا أولاً" عاملاً مسرعاً لهذه التحولات أكثر من كونها سبباً لها. ولذلك فإن أهمية القمة لا تكمن فقط في القرارات التي ستصدر عنها، بل في ما ستكشفه من قدرة أو عجز الدول الغربية عن التكيف مع واقع دولي جديد تتراجع فيه المسلمات القديمة وتُعاد فيه صياغة قواعد القوة والنفوذ والتحالفات.
ومن المرجح أن تخرج القمة بنتائج محدودة على مستوى القرارات العملية، لكنها ستكون مؤشراً مهماً على الاتجاه الذي تسلكه العلاقات عبر الأطلسي، وعلى شكل التوازنات التي ستحدد مستقبل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.
