تشير زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى بيونغ يانغ هذا الأسبوع إلى أن ميزان القوى في شمال شرق آسيا يشهد إعادة معايرة جديدة. فبعودته إلى كوريا الشمالية للمرة الأولى منذ عام 2019، يوظف شي رصيده السياسي الشخصي في لحظة باتت فيها كوريا الشمالية تمتلك أوراق قوة إضافية بفضل تقدم برنامجها النووي وتنامي شراكتها الناشئة مع موسكو. أما بالنسبة للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، فإن استمرار الاهتمام رفيع المستوى من القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين، يمثل عاملاً أساسياً في مساعي بيونغ يانغ لتقديم نفسها بوصفها عضواً في نادي القوى النووية الكبرى.
بالنسبة لشي جين بينغ، تخدم الزيارة مجموعة من الأهداف الاستراتيجية في السياسة الخارجية. فهي تعزز مكانته السياسية قبيل ولاية رابعة محتملة في عام 2027، وتدعم مساعي بكين إلى ترسيخ صورتها كقوة مسؤولة قادرة على تحقيق الاستقرار الدولي وراعية لنظام عالمي متعدد الأقطاب، كما تعكس وحدة الموقف بين البلدين وتؤكد في الوقت ذاته استمرار النفوذ الصيني في بيونغ يانغ.
ولا تزال الصين تمثل شريان الحياة الاقتصادي الرئيسي لكوريا الشمالية، إذ توفر لها السلع والخدمات وشبكات الاتصال والتجارة التي لا تستطيع موسكو تعويضها بالكامل. ومن ثم فإن لدى شي أسباباً قوية لتحذير كيم من أن توسيع علاقاته مع روسيا يجب ألا يتم على حساب المصالح الصينية، وهي رسالة تؤكد في الوقت نفسه استعداد بكين للدفاع عن مصالحها الأساسية ورفض الضغوط التي قد تمارسها قوى كبرى أخرى.
يصل شي إلى بيونغ يانغ بصفة وسيط لا متدخل. فهو قادر على نقل وجهات النظر الأمريكية إلى كيم دون أن يلتزم بأي شيء يتعلق بالمفاوضات. وتكمن مصلحة بكين في الحيلولة دون انجرار كوريا الشمالية إلى جولات جديدة من الحوار النووي، لأن الضغوط العلنية قد تأتي بنتائج عكسية. وقد عكس لقاء كيم مع القيادة الصينية في بكين خلال سبتمبر 2025 هذا التوجه، إذ لم تحظَ القضية النووية بأي تركيز علني بارز، بما يعكس تفضيلاً مشتركاً لإدارة المخاطر بدلاً من فتح مسارات تفاوضية جديدة.
يدخل كيم هذا اللقاء من موقع أكثر قوة وثقة مقارنة بأي مرحلة منذ جائحة كورونا. فاستضافة الزعيم الصيني تمثل دليلاً على إعادة تأهيل كوريا الشمالية دبلوماسياً، وتؤكد نجاح النظام في استعادة أهميته الاستراتيجية. كما أن بيونغ يانغ باتت تتمتع اليوم بما يمكن وصفه بـ«الرعاية المزدوجة» من كل من روسيا والصين.
فحاجة الكرملين إلى القوى البشرية والذخائر والدعم العسكري الكوري الشمالي في حربه بأوكرانيا خففت من اعتماد بيونغ يانغ التقليدي على الصين، كما أتاحت لكوريا الشمالية هامشاً أكبر للمناورة بين بكين وموسكو وانتزاع مزيد من المكاسب من الطرفين. ولو كان مؤسس الدولة كيم إيل سونغ حياً اليوم، لكان فخوراً بحفيده الذي تتزايد أوراق قوته ويتوسع هامش استقلاليته داخل المثلث الاستراتيجي الذي يضم بكين وموسكو وبيونغ يانغ.
كما أن التطور المستمر للقدرات النووية والصاروخية الكورية الشمالية يقلل من اعتماد بيونغ يانغ على كل من الصين وروسيا، ويعزز في الوقت ذاته قدرتها على ردع الولايات المتحدة أو تعقيد أي تدخل أمريكي محتمل. وقد جاءت زيارة كيم الأخيرة لمنشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم الأسبوع الماضي لتؤكد قناعته بأن السلاح النووي يمثل أداة أساسية لتعزيز موقعه في التعامل مع القوى الكبرى، بما فيها الصين.
وفي الوقت نفسه، تمنح هذه القدرات بيونغ يانغ أدوات ضغط إضافية في مواجهة كل من واشنطن وسيول.
ماذا ينبغي أن يفعل الحلفاء؟
يرى الكاتب أن لهذه التطورات أربع دلالات رئيسية بالنسبة للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية:
أولاً: الاعتراف بحدود الدبلوماسية
ينبغي على واشنطن وسيول الإقرار بالحدود الواقعية للدبلوماسية مع كوريا الشمالية. فالتواصل الاستراتيجي يظل ضرورياً لتقليل المخاطر ومنع سوء التقدير، إلا أن توقع تخلي بيونغ يانغ عن ترسانتها النووية بات أمراً غير واقعي. وينبغي أن يتركز الهدف على إدارة المخاطر والحفاظ على الاستقرار والإبقاء على أفق دبلوماسي مضبوط، بدلاً من التعويل على فرضية نزع السلاح النووي عبر التفاوض.
ثانياً: تسريع تحديث التحالف
ينبغي التركيز على الردع والفعالية العسكرية بدلاً من الإجراءات الرمزية. ويشمل ذلك دعم جهود كوريا الجنوبية لتطوير غواصة تعمل بالطاقة النووية ومسلحة تقليدياً لتعزيز قدرات الردع البحري، وتوسيع القدرات الإنتاجية في مجالات بناء السفن وأشباه الموصلات والتقنيات الناشئة، فضلاً عن تعميق التعاون الثلاثي بين كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة لبناء منظومة ردع إقليمية أكثر تكاملاً.
ثالثاً: تأمين سلاسل التوريد الحيوية
يتعين على الحلفاء توسيع التعاون مع الشركاء المتقاربين في الرؤى لضمان الوصول إلى المعادن النادرة المعالجة والمعادن الاستراتيجية والتقنيات الحيوية الأخرى، مع تنويع مصادر الإمداد والاستثمار في قدرات إنتاج محلية وخارجية أكثر مرونة. ورغم أن الحلفاء قد لا يتمكنون من وقف البرنامج النووي الكوري الشمالي، فإن بإمكانهم تعزيز القوة الصناعية الأمريكية والكورية الجنوبية.
رابعاً: تعزيز الردع الموسع
ينبغي للولايات المتحدة أن تظهر قدرة ردع موثوقة في بيئة نووية تزداد تعقيداً. ويتطلب ذلك مواصلة تحديث قواتها وقدراتها العسكرية، وإظهار هذه القدرات بصورة مدروسة عند الحاجة، إضافة إلى تنسيق الرسائل السياسية والعسكرية قبل أي قمم أو لقاءات مستقبلية تجمع قادة القوى الكبرى.
خاتمة
إذا كانت بكين وموسكو وبيونغ يانغ تستخدم التحديث العسكري لإعادة تشكيل التصورات المتعلقة بالقوة والنفوذ، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها مطالبون بالرد من خلال تعزيز الردع الموثوق والتمسك الحازم بالحفاظ على توازن القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في امتلاك القوة، بل في القدرة على توظيفها بصورة مقنعة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع خصوم الولايات المتحدة من إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية في شرق آسيا وفقاً لمصالحهم.
