بث تجريبي

اليمن من الهدوء الهش إلى إعادة تشكيل الصراع

تقدير موقف - Foresight

لم يكن الهدوء الذي عاشه اليمن خلال السنوات الماضية نهايةً للحرب بقدر ما كان تجميدًا مؤقتًا لمساراتها الأكثر عنفًا. ومع عودة الحوثيين إلى التصعيد، يبدو أن البلاد تدخل مرحلة جديدة قد لا تعيد إنتاج الحرب السابقة بالشكل نفسه، لكنها تهدد بإحياء واحدة من أكثر أزماتها كلفة: اتساع دائرة العنف، وتجدّد النزوح، وانهيار ما تبقى من هامش الاستقرار الهش.

تكمن خطورة التطورات الأخيرة في أنها لا تحدث داخل حدود الصراع اليمني وحده، بل تأتي في سياق إقليمي أكثر اتساعًا، أصبحت فيه اليمن مرة أخرى ساحة لتصفية الحسابات المرتبطة بالمواجهة الأميركية ـ الإيرانية. وبذلك، لم يعد مستقبل التهدئة اليمنية مرتبطًا فقط بموازين القوى بين الحوثيين والحكومة، وإنما أيضًا بمسار الصراع الإقليمي الذي يمنح الأطراف المحلية دوافع وقدرات إضافية على التصعيد.

هدنة لم تُنهِ الحرب

منذ عام 2022، أتاح الهدوء النسبي فرصة نادرة لليمنيين لالتقاط أنفاسهم بعد سنوات من الحرب. لكنه لم يتحول إلى تسوية سياسية شاملة، وظلت خطوط السيطرة والنفوذ قائمة، كما بقيت القضايا الأساسية للصراع دون حل.

وهذا ما يجعل العودة إلى المواجهات الحالية أكثر خطورة. فالمشكلة ليست في انهيار هدنة مكتملة الأركان، وإنما في انكشاف هشاشة الترتيب الذي قام عليه الهدوء أصلًا.

الهجمات الأخيرة على مواقع القوات الحكومية في مأرب، وعلى ميناء المخا والمناطق السكنية، تكشف أن الجغرافيا العسكرية القديمة للصراع لا تزال حاضرة. والأهم أن استهداف مناطق تؤوي نازحين يفتح الباب أمام أزمة إنسانية جديدة فوق أزمة لم تُغلق بعد.

من مأرب إلى المخا: إعادة رسم خريطة الخوف

تكتسب مأرب أهمية خاصة في هذه المعادلة. فهي ليست مجرد محافظة متنازع عليها، بل أصبحت خلال سنوات الحرب ملاذًا لمئات الآلاف من اليمنيين الذين فروا من مناطق القتال.

ولهذا فإن عودة المواجهات إليها تعني أن الحرب لا تستهدف خطوط التماس وحدها، وإنما تهدد مباشرةً مجتمعًا واسعًا من النازحين الذين استنفدوا خياراتهم تقريبًا.

السؤال الذي يطرحه النازحون في مأرب: «إذا عادت الحرب إلى مأرب، إلى أين أنزح؟» يلخص المعضلة الإنسانية الجديدة. فالنزوح في اليمن لم يعد انتقالًا من منطقة آمنة إلى أخرى أكثر أمنًا، بل أصبح في كثير من الأحيان انتقالًا متكررًا داخل دائرة الحرب نفسها.

وفي المخا، يتكرر السيناريو بصورة مختلفة. فالمدينة الساحلية التي أصبحت ملاذًا لآلاف الفارين من الحديدة تجد نفسها أمام خطر التحول من محطة للنازحين إلى جبهة جديدة للصراع.

وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج التصعيد: انتقال الحرب من كونها أزمة عسكرية إلى كونها أزمة في معنى الأمان نفسه.

الأطفال الذين لم يعرفوا اليمن إلا في زمن الحرب

تكشف القصص القادمة من مناطق التصعيد عن بعد يتجاوز الأرقام والإحصاءات. فالطفلة التي تسمع انفجارًا وتسأل والدها عن مصدره لا تعرف الحرب باعتبارها حدثًا سياسيًا؛ إنها تختبرها باعتبارها جزءًا من حياتها اليومية.

وقد تكون هذه واحدة من أخطر نتائج الصراع الطويل: نشوء جيل كامل لا يتعامل مع الحرب باعتبارها استثناءً، بل باعتبارها بيئة طبيعية.

الأب الذي يضطر إلى إخبار طفلته بأن الانفجارات ليست سوى ألعاب نارية يحاول، في الحقيقة، حماية ما تبقى من طفولتها. لكن استمرار القصف يجعل هذه الحماية مؤقتة. فالأثر النفسي للحرب لا يتوقف عندما تتوقف الجبهات عن إطلاق النار، كما أن العودة إلى التصعيد تعيد إلى الذاكرة الجماعية مشاعر الخوف والقلق التي لم تختفِ أصلًا.

البعد الإقليمي يغيّر قواعد اللعبة

ما يجعل التصعيد الحالي مختلفًا هو ارتباطه المباشر بالتوتر بين الحوثيين والسعودية، وبالتطورات الأوسع في المواجهة الأميركية ـ الإيرانية.

فالحديث عن هجمات على مطارات وموانئ، وحصار بحري، واستهداف ناقلات نفط ومنشآت حيوية، يعني أن الصراع اليمني يمكن أن يتحول مرة أخرى إلى عقدة تربط بين الأمن الداخلي اليمني وأمن البحر الأحمر والطاقة الإقليمية.

وهنا تزداد احتمالات أن تتجاوز أهداف التصعيد الحدود اليمنية. فكلما أصبح البحر الأحمر وسيلة للضغط المتبادل، أصبح اليمن جزءًا من معادلة أمنية إقليمية أوسع، تتداخل فيها حسابات السعودية وإيران والولايات المتحدة، إلى جانب القوى اليمنية المحلية.

وهذا يخلق معضلة أساسية: حتى لو أرادت الأطراف اليمنية العودة إلى التهدئة، فإنها قد لا تمتلك وحدها القدرة على التحكم في مسار التصعيد.

هل نحن أمام عودة إلى الحرب السابقة؟

ليس بالضرورة؛ فالسيناريو الأكثر ترجيحًا قد لا يكون العودة الفورية إلى حرب شاملة كما كانت قبل عام 2022، وإنما ظهور نموذج جديد من الصراع منخفض أو متوسط الشدة، يجمع بين الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة والهجمات على البنية التحتية والممرات البحرية، مع بقاء خطوط التماس البرية في حالة توتر دائم.

لكن خطورة هذا السيناريو لا تقل بالضرورة عن الحرب الشاملة. فالصراع الممتد قد يكون أكثر استنزافًا للسكان، لأنه يحول عدم الاستقرار إلى حالة دائمة ويمنع عودة النازحين وإعادة بناء الاقتصاد وإطلاق عملية سياسية مستقرة.

كما أن أي خطأ في حسابات الأطراف يمكن أن يدفع بهذا التصعيد المحدود إلى مستوى أكبر، خصوصًا إذا سقط عدد كبير من الضحايا المدنيين أو تعرضت منشآت استراتيجية لهجمات واسعة.

الاختبار الحقيقي: هل يستطيع اليمن تجنب الحلقة الجديدة؟

المشكلة الأساسية في اليمن ليست فقط احتمال اندلاع معارك جديدة، بل احتمال العودة إلى الحلقة التي حكمت البلاد طوال سنوات: تصعيد عسكري، نزوح جماعي، تدخل إقليمي، تدهور اقتصادي، ثم هدنة مؤقتة تعيد إنتاج المشكلة نفسها دون حل جذري.

ولهذا فإن منع الحرب المقبلة يتطلب أكثر من وقف إطلاق النار. المطلوب هو إعادة بناء المسار السياسي على أساس معالجة جذور الصراع، وتثبيت ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار، ومنع تحويل اليمن إلى ورقة في صراع إقليمي أوسع.

فاليمنيون الذين نزحوا مرة من الحديدة إلى المخا أو من مناطقهم إلى مأرب لا يحتاجون إلى هدنة جديدة فقط؛ إنهم يحتاجون إلى ضمان ألا تتحول المدن التي لجأوا إليها إلى محطات مؤقتة في رحلة نزوح جديدة.

وفي النهاية، تكمن المفارقة في أن سنوات الهدوء النسبي أثبتت أن اليمن قادر على العيش خارج الحرب المباشرة، لكنها أثبتت في الوقت نفسه أن غياب الحرب لا يعني بالضرورة وجود السلام.

واليوم، لا يتمثل السؤال الأهم في ما إذا كانت الحرب ستعود، بل في ما إذا كان اليمن سيستطيع كسر النموذج الذي يجعل كل هدنة مجرد استراحة بين جولتين من الصراع.