هل يستطيع جاريد كوشنر إنعاش خطة ترامب المتعثرة للسلام في غزة؟
مرّ نحو 11 شهراً منذ أن وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، في 29 سبتمبر/أيلول 2025، وأعلن عن خطته للسلام في غزة المؤلفة من 20 نقطة.
وقال ترامب آنذاك إن ذلك كان «يوماً عظيماً، يوماً جميلاً، وربما أحد أعظم الأيام في تاريخ الحضارة». وبموجب الخطة، ستتخلى حركة حماس عن سلاحها، وستنسحب إسرائيل، وسيتمكن مجلس السلام الذي أنشأه الرئيس ترامب من بدء عمله.
وكان من المفترض أن تتدفق كميات كبيرة من المساعدات إلى غزة، وأن تبدأ أعمال إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، من شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي إلى المستشفيات والطرق والمخابز، كما كان من المقرر تعيين لجنة فلسطينية «تكنوقراطية» غير سياسية لإدارة شؤون غزة اليومية وخدماتها العامة.
لكن بعد نحو عام، لم يتحقق أي من ذلك.
والآن، يستعد جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب والمبعوث الأميركي الخاص للسلام، لقيادة فريق رفيع المستوى إلى المنطقة، في محاولة واضحة لإعادة تنشيط عملية تعثرت بسبب الخلافات.
وقال يوسي ميكلبرغ، الزميل الاستشاري البارز في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس»، لـ«عرب نيوز»: «ستكون خطة معيبة منذ البداية».
وأضاف: «لكن إذا توفرت الإرادة السياسية، وإذا كان هناك تصميم، أولاً من جانب الأطراف، ولكن أيضاً من جانب الوسطاء، فهي ستكون جيدة بما يكفي، ويمكن أن تنجح. ويمكن إصلاحها على طول الطريق وإدخال تغييرات عليها».
وفي ذلك الوقت، أفادت مصادر داخل المجلس بأن عدداً من الدول العربية اعترضت على تعيين بلير في هذا المنصب بسبب ارتباط اسمه بالغزو الأميركي غير الشعبي للعراق عام 2003.
وتضم الدول المؤسسة للمجلس البحرين والأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، لكن العراق ليس من بينها.
وقال ميكلبرغ: «لكنني أعتقد أنك ترى كيف تغيرت الأجندة، ثم تنتقل من قضية في العلاقات الدولية إلى أخرى. تستمر المحادثات في التغير، بينما نعلم أن لدينا طرفين هناك لا يتجاوز التزامهما بهذه الاتفاقات، في أفضل الأحوال، حدوداً ضيقة، لأن كليهما يخوض معارك سياسية داخلية من أجل الحفاظ على أهميته».
وبالإضافة إلى إسرائيل، من المتوقع أن يزور كوشنر الوسطاء في مصر وقطر وتركيا. وسيكون برفقته نيكولاي ملادينوف، رئيس مجلس السلام الخاص بغزة الذي عيّنه ترامب، وتوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق.
وكان بلير، الذي استقطبه ترامب في يناير/كانون الثاني ليكون عضواً في مجلس السلام، قد جرى تجاوزه في تعيين الممثل الأعلى لشؤون غزة لمصلحة الدبلوماسي البلغاري ملادينوف، المبعوث السابق للأمم المتحدة إلى العراق.
لكن مصادر مطلعة تقول الآن إن كوشنر، رغم كونه مفاوضاً فعالاً للغاية، ونجاحه في بناء علاقات ممتازة مع العديد من القادة والحكومات في المنطقة، يُتوقع أن يستفيد في مهمته من الخبرة الدبلوماسية لبلير وشبكة علاقاته واتصالاته في مختلف أنحاء العالم العربي.
وقال ميكلبرغ: «كوشنر بحد ذاته لا يمتلك أوراق ضغط، لكن الولايات المتحدة تمتلكها».
وأضاف: «إذا كانت إسرائيل تعرف أن الرئيس ترامب يقف وراء هذه المهمة، وأن هذا هو سبب وجوده هناك، فإن الولايات المتحدة تمتلك من الأدوات ما يكفي لجعل الأمر يحدث».
وتابع: «النفوذ موجود لأن الأمر لا يتعلق بكوشنر، بل بالولايات المتحدة. وإذا أرسل ترامب كوشنر لتوجيه رسالة واضحة جداً مفادها أنه يريد أن يحدث ذلك، فأعتقد أن هناك فرصة حقيقية. وإذا لم يفعل، فأعتقد أننا سنشهد مزيداً من المماطلة».
مهمة كوشنر تواجه عقبات كبيرة
تواجه محاولة كوشنر إحياء عملية السلام تحديات كبيرة. ففي 14 يناير/كانون الثاني، أعلن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة السلام.
لكن بعد سبعة أشهر، لم تدخل اللجنة الوطنية الفلسطينية الانتقالية لإدارة غزة، التي يشرف عليها مجلس السلام ويرأسها الوزير الفلسطيني السابق علي شعث، إلى القطاع، ولا تزال في حالة استعداد في القاهرة.
وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول، استمرت الضربات الإسرائيلية على غزة، ما أسفر عن مقتل مئات الأشخاص، وفقاً لمسؤولي الصحة المحليين.
وفي 30 يوليو/تموز، رفع مجلس السلام الآمال في تحقيق اختراق عندما أعلن التوصل إلى «اتفاق تاريخي» بشأن «نزع السلاح الكامل من حماس والجماعات المسلحة الأخرى في غزة».
لكن منذ ذلك الحين، استمرت حالة الجمود.
فحماس ترفض مناقشة التخلي عن أي من أسلحتها قبل انسحاب إسرائيل من غزة، بينما تقول إسرائيل إنها لن تنسحب قبل أن تتخلى حماس عن سلاحها.
ثم أعلن نتنياهو، خلال اجتماع متلفز لمجلس الوزراء الأسبوع الماضي، رفضه خطة السلام بشكل صريح.
وربما مع وضع شركائه في الائتلاف اليميني في الاعتبار، قبيل الانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الأول، أضاف نتنياهو: «لن تقوم دولة فلسطينية في غزة أو في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)».
وهذه هي العقبة التي أُرسل كوشنر وفريقه لإزالتها.
ومن المرجح أن يتطلب ذلك تقديم حل لنتنياهو يأخذ في الاعتبار السياسة الداخلية الإسرائيلية، مع طمأنة حماس في الوقت نفسه إلى أن اتفاق السلام لن يُعاد صياغته على حسابها.
توترات متصاعدة
تتصاعد التوترات تدريجياً. ففي الأربعاء، وهو اليوم الذي ظهرت فيه الأنباء عن زيارة كوشنر، كان ذلك اليوم الثالث على التوالي الذي تشن فيه إسرائيل ضربات على غزة.
وتعكس حساسية الموقف البيانات المصاغة بحذر التي تصدر عن مجلس السلام، والتي لا تأتي في صورة بيانات صحفية عامة، وإنما في تصريحات موجهة إلى وسائل إعلام إسرائيلية بعينها.
ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مسؤول لم يُكشف عن اسمه قوله: «في إسرائيل، سنواصل المحادثات البناءة التي نجريها حول كيفية دفع خطة الرئيس التاريخية الشاملة للسلام المؤلفة من 20 نقطة إلى الأمام».
وأضاف المسؤول أن الولايات المتحدة وإسرائيل اتفقتا على النتيجة النهائية، وهي وجود «حماس منزوعة السلاح»، موضحاً: «سنستمع إلى المخاوف التي أُثيرت ونتحدث عن الخطوات المقبلة. وما هو حاسم هو أننا نتفق معاً على النتيجة المنشودة، ونعمل على إيجاد طرق لتسريع التقدم».
المستوطنون يمثلون عقبة إضافية
هناك أيضاً قلق متزايد داخل مجلس السلام والحكومة الأميركية بشأن تأثير أنشطة المستوطنين في الضفة الغربية على فرص تحقيق السلام في غزة، إذ يتصرف المستوطنون مع شعور بالإفلات من العقاب، وفي كثير من الأحيان مع ما يبدو أنه دعم من قوات الأمن.
وفي الخميس، شن السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي هجوماً غير مسبوق على المستوطنين الذين كانوا يحاصرون عائلات فلسطينية، من بينها عائلة مواطن أميركي من ولاية أوهايو، في بلدة قصرة شمالي الضفة الغربية.
واتهم هاكابي، في منشور على منصة «إكس»، المستوطنين بارتكاب «عمل إرهابي مروع»، وقال إن الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية تدخلوا «بناءً على طلبنا... لإزالة الإرهابيين الإسرائيليين الذين كانوا يرتكبون ذلك».
وأفادت «رويترز» بأن واشنطن دعت نتنياهو إلى إدانة أفعال المستوطنين علناً.
ويختلف هذا الموقف الأكثر تشدداً تجاه المستوطنين بصورة واضحة عن إحجام واشنطن الظاهر عن التدخل بينما أعادت إسرائيل تفعيل عملية تسجيل الأراضي، التي كانت معلقة منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، والتي تهدف إلى السماح للدولة بوضع اليد على الأراضي الفلسطينية.
ويبعث تدخل هاكابي القوي وغير المعتاد، والذي جاء في الوقت الذي كانت فيه الاستعدادات لمهمة كوشنر جارية، برسالة مفادها أن واشنطن لا تزال ملتزمة بخطة السلام التي طرحها الرئيس ترامب.
نقلا عن
