الحرب السودانية تتجاوز الحدود: كيف يدفع السلاح الجديد تشاد وإثيوبيا إلى قلب الصراع؟

دراسات وأبحاث - Foresight

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب الأهلية السودانية، لم تعد حدود الصراع محصورة داخل الجغرافيا السودانية. فما بدأ بوصفه مواجهة على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يتحول تدريجياً إلى أزمة أمنية إقليمية، تدفع دول الجوار إلى إعادة حساباتها العسكرية والسياسية، وتضع تشاد وإثيوبيا بصورة خاصة أمام خطر الانجرار المباشر إلى الحرب.

التطور الأكثر دلالة في هذا التحول وقع في أغسطس/آب 2026، عندما رصدت القوات التشادية طائرات ومسيّرات سودانية وهي تلاحق وتقصف قافلة عسكرية على مسافة تتجاوز 100 كيلومتر داخل إقليم إنيدي الشرقي التشادي. وبعد أيام قليلة، أعلن الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيّرة ثالثة خلال خمسة أيام، كانت قد عبرت إلى ولاية النيل الأزرق من الاتجاه الإثيوبي.

قد تبدو الحادثتان منفصلتين جغرافياً، لكنهما تكشفان عن مسار واحد: الأسلحة التي يجري استخدامها في الحرب السودانية أصبحت ذات مدى وقدرات تسمح لها بتجاوز الحدود، فيما لم يعد تمويل الحرب وتسليح أطرافها شأناً سودانياً خالصاً.

من حرب داخلية إلى منظومة صراع إقليمية

طوال الجزء الأكبر من الحرب، كان الصراع السوداني محكوماً نسبياً بحدود الدولة، حتى مع التدخلات الخارجية الواسعة. لكن التطور الجديد يتمثل في انتقال آثار القوة العسكرية المستخدمة داخل السودان إلى أراضي دول الجوار.

وقد ساهم الدعم الخارجي للجيش السوداني في تغيير ميزان القوى داخل الحرب، ففي مراحل سابقة، اعتمدت القوات المسلحة السودانية بصورة سرية على دعم إيراني، بما في ذلك الطائرات المسيّرة من طراز «مهاجر-6». لكن هذا المسار بدأ يتراجع مع تغير حسابات طهران وتداعيات صراعها مع إسرائيل، إلى جانب محاولة بورتسودان الابتعاد عن بعض المشتريات الإيرانية في ظل السعي إلى مسار تفاوضي مع واشنطن.

في الفراغ الذي تركه هذا التراجع، برزت تركيا ومصر وباكستان كمصادر رئيسية للدعم العسكري، فيما ارتبط جزء كبير من التمويل بالذهب السوداني، إلى جانب الدعم السعودي. وكانت النتيجة واضحة على أرض المعركة: تمكن الجيش السوداني من استعادة الخرطوم والجزيرة وشمال كردفان، وأصبح يمتلك قدرة أكبر على استخدام القوة الجوية والطائرات المسيّرة وعلى تنفيذ عمليات بعيدة المدى.

لكن المفارقة أن النجاح العسكري داخل السودان بدأ ينتج تكلفة أمنية خارج السودان، فكلما اتسع مدى الضربات الجوية وقدرات المسيّرات، أصبحت الحدود أقل قدرة على حماية الدول المجاورة من تداعيات الحرب.

تشاد.. الحلقة الأكثر تعرضاً للنيران

تبدو تشاد الدولة الأكثر تعرضاً لهذه التداعيات، فالحدود السودانية–التشادية الممتدة لنحو 1300 كيلومتر تقع بجوار إقليم دارفور، وهو أحد أهم مسارح الحرب وأكثرها ارتباطاً بقوات الدعم السريع.

وتستضيف تشاد أصلاً أعداداً كبيرة من اللاجئين الفارين من دارفور، ما يجعلها تتحمل تكلفة إنسانية وأمنية هائلة للحرب، لكن التطورات الأخيرة أضافت بعداً جديداً: الأراضي التشادية نفسها أصبحت عرضة للضربات العسكرية.

في مارس ، أدى قصف قرب معبر أدري إلى مقتل 13 شخصاً، بينهم مواطنون تشاديون، بعدما استهدفت مسيّرات سودانية ما وصفه الجيش بقوافل تهريب الوقود التي تمد قوات الدعم السريع. وبعد أيام، أسفرت ضربة على بلدة مبروكة الحدودية عن مقتل ما لا يقل عن 16 مدنياً كانوا مجتمعين لتناول الإفطار، الأمر الذي دفع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إلى إصدار أوامر للجيش بالرد على أي توغل سوداني جديد، وإغلاق الحدود. ثم جاءت ضربة معبر أدوكونغ في أبريل/نيسان لتصيب عشرات الأشخاص، معظمهم من العاملين التشاديين في المجال الإنساني، لكن الضربة الأخطر وقعت في 20 أغسطس/آب، عندما توغلت الطائرات السودانية أكثر من أي وقت مضى داخل الأراضي التشادية، لتصل إلى عمق يتجاوز 100 كيلومتر في إقليم إنيدي الشرقي. وهنا انتقل الموقف التشادي من الاحتجاج السياسي إلى الاستعداد العسكري.

وضعت نجامينا قواتها في حالة تأهب قصوى، وأرسلت نحو مئة آلية مدرعة وشاحنات للتشويش الإلكتروني باتجاه الحدود، إن هذا التحول مهم للغاية، لأن تشاد لم تعد تتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها أزمة لاجئين أو مشكلة حدودية، بل باعتبارها تهديداً مباشراً لأمن الدولة.

إثيوبيا.. جبهة ثانية تفتحها الحرب

على الحدود الشرقية للسودان، تتكرر الصورة ولكن في سياق أكثر تعقيداً، فمنذ مايو/أيار، أعلن الجيش السوداني مراراً اعتراض طائرات مسيّرة دخلت المجال الجوي لولاية النيل الأزرق من الأراضي الإثيوبية.

وتتهم الخرطوم أديس أبابا بالسماح باستخدام مدرجات في مطار بحر دار لتنفيذ هجمات على مواقع داخل السودان، فيما يستخدم الدعم السريع وحلفاؤه من الحركة الشعبية–شمال المناطق الحدودية الإثيوبية للضغط باتجاه مدينة الدمازين، وقد سيطرت قوات مرتبطة بالدعم السريع وحلفائها على منطقة الكرمك، الأمر الذي دفع الجيش السوداني إلى تكثيف حملته بالطائرات المسيّرة لاستعادتها.

لكن حتى هذه الحملة لم تبقَ داخل الحدود السودانية. فقد أدى قصف قرب الكرمك في أبريل/نيسان إلى مقتل ما لا يقل عن ثمانية مدنيين، بينهم عامل إغاثة، داخل الجانب الإثيوبي من الحدود. وفي نهاية أغسطس/آب، أعلن الجيش السوداني إسقاط ثالث طائرة مسيّرة خلال خمسة أيام.

وهكذا، بدأت الحدود الإثيوبية–السودانية تتحول هي الأخرى من خط يفصل بين دولتين إلى امتداد عسكري محتمل للحرب السودانية.

الخطر الأكبر: تداخل الحروب

المشكلة في الحالة الإثيوبية أكثر تعقيداً من مجرد عبور المسيّرات، فالعلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا مثقلة أصلاً بملفات نزاع قديمة، أبرزها منطقة الفشقة وسد النهضة الإثيوبي. كما أن إثيوبيا لا تزال تتعافى من آثار حرب تيغراي، بينما تواجه الحكومة السودانية تحديات أمنية وعسكرية متعددة. وهذا يعني أن أي توسع للحرب السودانية باتجاه الحدود الإثيوبية يمكن أن يتفاعل بسرعة مع نزاعات قائمة أصلاً، وفي مثل هذه البيئات، لا تحتاج الحرب الجديدة إلى أن تبدأ بقرار سياسي واضح.

قد تكفي ضربة خاطئة، أو مسيّرة تعبر الحدود، أو قصف يقتل مدنيين، أو اتهام دولة بدعم فصيل مسلح، لكي تبدأ سلسلة من الإجراءات الانتقامية يصعب التحكم بها. وهنا يكمن أخطر ما في التطورات الحالية: الحرب السودانية قد لا تحتاج إلى قرار إقليمي للتوسع؛ يكفي أن تصبح تكلفتها الحدودية أعلى من قدرة دول الجوار على تحملها.

السلاح الذي غيّر ميزان الحرب يغيّر أيضاً طبيعة المخاطر

تكشف هذه التطورات عن مفارقة استراتيجية مهمة، الدول التي دعمت الجيش السوداني بالسلاح أرادت مساعدته على تحسين قدراته واستعادة الأراضي التي فقدها أمام الدعم السريع.

ومن منظور عسكري، حقق هذا الدعم نتائج ملموسة، لكن الأسلحة الحديثة، وخصوصاً الطائرات المسيّرة، لا تعمل داخل الحدود السياسية بالطريقة نفسها التي تعمل بها القوات البرية التقليدية.

فالقدرة على الاستطلاع والضرب من مسافات بعيدة تمنح الجيش إمكانية الوصول إلى أهداف كانت خارج نطاق قدراته السابقة. لكنها في الوقت نفسه تجعل المجال الجوي للدول المجاورة أكثر عرضة للتداخل.

وهكذا، فإن نجاح إعادة تسليح الجيش السوداني قد يكون قد غيّر معادلة الحرب داخل السودان، لكنه غيّر أيضاً معادلة الأمن على حدوده،

وهذه نقطة جوهرية في فهم المرحلة المقبلة.

التمويل الخارجي لا يحمل معه تلقائياً قيوداً جغرافية

ثمة جانب آخر أكثر أهمية يتعلق بالتمويل، فوفق المادة، يستمر البنك المركزي المصري في استيعاب الذهب السوداني الذي يساهم في تمويل مشتريات السلاح، بينما توفر السعودية دعماً للقدرات العسكرية، بما في ذلك حزمة باكستانية أُفيد بأنها تبلغ نحو 1.5 مليار دولار وتشمل مسيّرات «شاهبار» ومركبات «محافظ». لكن الأموال التي تمول عملية التسليح لا تحمل بالضرورة معها آلية تمنع انتقال آثار هذه الأسلحة إلى خارج الأراضي السودانية.

وهنا تظهر مشكلة جوهرية في التدخلات الخارجية: يمكن للدولة الداعمة أن تحدد ما تريد أن تحققه داخل دولة أخرى، لكنها لا تستطيع دائماً التحكم في النتائج الثانوية لاستخدام القوة، فإذا كان الهدف هو مساعدة الجيش السوداني على حسم الحرب، فإن زيادة قدرته على الضرب قد تكون نتيجة متوقعة.

لكن عندما تصل هذه الضربات إلى أراضي تشاد أو إثيوبيا، فإن المسألة تتغير من دعم طرف في حرب أهلية إلى إنتاج أزمة أمنية إقليمية.

واشنطن أمام معضلة مختلفة

يبدو أن الولايات المتحدة بدأت تدرك هذا التحول، فإقدام مستشار واشنطن للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، على تحميل الجيش السوداني مسؤولية الضربات داخل تشاد، ثم مطالبة الخرطوم بتحقيق مستقل، يشير إلى أن واشنطن لا تنظر إلى هذه الهجمات باعتبارها مجرد حادث حدودي.

لكن موقف واشنطن يضعها أمام معضلة صعبة.

فمن جهة، تحتاج الولايات المتحدة إلى الضغط من أجل وقف الحرب السودانية ومنع اتساعها إقليمياً، ومن جهة أخرى، فإن استمرار تدفق السلاح والتمويل إلى طرفي الصراع يجعل فرص احتواء الحرب أكثر صعوبة. وهنا يصبح السؤال الأمريكي أكبر من مسألة من نفذ الضربة الأخيرة: كيف يمكن وقف تدويل حرب أصبحت أدواتها وتمويلها وشبكاتها العسكرية عابرة للحدود؟

تشاد قد تكون نقطة الانفجار التالية

من بين جميع الدول المجاورة، تبدو تشاد الأكثر عرضة للتحول إلى طرف مباشر في الحرب، فهي تستضيف أعداداً ضخمة من اللاجئين، ولها حدود طويلة مع دارفور، وتتعرض أراضيها بالفعل لضربات، فيما أعلنت قيادتها السياسية استعدادها للرد.

إذا انتقلت نجامينا من التهديد إلى تنفيذ ضربات مضادة داخل السودان، فإن طبيعة الصراع ستتغير جذرياً.

لن يكون الأمر حينها مجرد حرب أهلية سودانية ذات آثار إقليمية، وإنما نزاعاً متعدد الأطراف تتداخل فيه القوات السودانية والتشادية والجماعات المسلحة وشبكات الدعم الخارجي. وقد يؤدي ذلك إلى فتح جبهة جديدة يستحيل على الأطراف السيطرة على مسارها بسهولة.

إثيوبيا ليست أقل خطراً

فالتوتر حول الفشقة وسد النهضة يجعل أي اتهام إثيوبي بدعم أحد أطراف الحرب السودانية أكثر حساسية، وفي الوقت نفسه، فإن وجود جماعات مسلحة تتحرك عبر الحدود يوفر بيئة يمكن أن تنتقل فيها الحرب من مواجهة سودانية إلى صراع حدودي أوسع.

وإذا استمرت الضربات السودانية داخل الأراضي الإثيوبية، أو ازدادت الاتهامات بأن إثيوبيا تسمح باستخدام أراضيها أو منشآتها لصالح خصوم الخرطوم، فقد تجد أديس أبابا نفسها أمام ضغوط داخلية وخارجية للرد. وعندها يصبح من الصعب الفصل بين الحرب السودانية وبين ملفات الخلاف التاريخية بين البلدين. فالحرب التي كان يفترض أن يحسمها السلاح قد تصبح أكثر اتساعاً بسببه وهذه هي المفارقة المركزية في المشهد السوداني.

لقد ساهم تدفق السلاح الخارجي في تغيير ميزان القوى لصالح الجيش السوداني، ومكنه من استعادة مناطق استراتيجية ، لكن تحقيق التفوق العسكري لا يعني بالضرورة إنهاء الحرب. بل يمكن أن يؤدي، في ظروف معينة، إلى توسيع نطاقها.

فحين يمتلك طرف ما قدرة أكبر على الضرب، قد يصبح أكثر استعداداً لاستهداف خطوط الإمداد خارج أراضيه، أو ملاحقة خصومه عبر الحدود، أو الرد على مصادر الدعم الخارجية. ومع كل ضربة تعبر الحدود، تدخل دولة جديدة في الحسابات. ومع كل دولة جديدة تدخل الصراع، تصبح التسوية أكثر تعقيدا، وهكذا يتحول السلاح من أداة لحسم الحرب إلى عامل لإعادة توزيع الحرب جغرافياً.

من الحرب السودانية إلى أزمة أمن البحر الأحمر والساحل والقرن الأفريقي

لا ينبغي النظر إلى هذه التطورات باعتبارها أزمة ثنائية بين السودان وجيرانه فقط، فالسودان يقع عند نقطة تقاطع بين ثلاث مناطق استراتيجية: الساحل، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر. وأي توسع للحرب يمكن أن يؤثر في حركة اللاجئين، وشبكات التهريب، وتجارة الذهب، وحركة السلاح، والممرات التجارية، وأمن الحدود، والتوازنات الإقليمية. ولهذا فإن استمرار الحرب لا يهدد السودان وحده. وكلما طال أمد الحرب، أصبح احتواؤها أصعب، لأن الأطراف الخارجية والجماعات المسلحة ستجد مصالح جديدة في استمرارها.

اللحظة التي تتوقف فيها الحرب عن كونها «حرباً سودانية»

ربما كان أخطر ما في التطورات الأخيرة أنها تشير إلى أن الحدود بدأت تفقد قدرتها على احتواء الحرب. فالجيش السوداني بات يمتلك قدرات جوية ومسيّرات أكثر تطوراً، والدعم الخارجي عزز قدرته على استعادة الأراضي، لكن هذه القدرات أصبحت أيضاً جزءاً من معادلة أمنية تمتد إلى تشاد وإثيوبيا.

أما دول الجوار، التي تحملت لسنوات تكاليف اللاجئين والتهريب وعدم الاستقرار، فتجد نفسها أمام خيار صعب: إما الاستمرار في تحمل تداعيات الحرب، أو تطوير قدراتها للرد عليها.

هنا يكمن الخطر.

فإذا اختارت تشاد الرد العسكري، وإذا دخلت إثيوبيا بصورة أعمق في المعادلة، فإن الحرب السودانية ستنتقل إلى مرحلة جديدة، تصبح فيها الحدود ساحات قتال محتملة بدلاً من أن تكون خطوطاً فاصلة بين الدول.

وعندها لن يكون السؤال هو من سيفوز في الخرطوم.

السؤال سيكون: كم دولة أخرى ستصبح طرفاً في الحرب قبل أن تبدأ الأطراف السودانية نفسها في البحث الجدي عن تسوية؟

لقد أظهر مسار السنوات الثلاث الماضية أن السلاح قادر على تغيير ميزان القوى، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج السلام.

والخطر الذي يواجه السودان الآن هو أن الأسلحة التي صُممت لحسم الحرب داخله قد تكون، paradoxically، هي نفسها التي تدفع الحرب إلى الخروج منه.

إذا استمر هذا المسار، فقد لا تبقى الحرب السودانية حرباً أهلية لفترة أطول، بل تتحول تدريجياً إلى أزمة إقليمية مفتوحة تمتد من الساحل إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.