الاحتواء الاستراتيجي أم إعادة التموضع الاستراتيجي؟ حزب الله ومستقبل المنظومة الأمنية في لبنان
لم يعد المشهد اللبناني يُختزل في كونه ساحة للمواجهات المتكررة بين إسرائيل وحزب الله، بل أصبح يمثل إحدى أكثر ساحات الشرق الأوسط ارتباطًا بعملية إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران. فالتفاعلات الجارية لم تعد تقتصر على إدارة الاشتباكات الحدودية أو تثبيت تفاهمات مؤقتة لوقف إطلاق النار، وإنما تتصل بمحاولات أوسع لإعادة صياغة البيئة الأمنية في جنوب لبنان، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة غير الحكومية، في سياق ترتيبات إقليمية ودولية تستهدف الحد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنظر إلى أن لبنان يمثل إحدى أكثر ساحات النفوذ الإقليمي تعقيدًا، حيث تتداخل الاعتبارات الداخلية المرتبطة بالبنية الطائفية للنظام السياسي مع الحسابات الأمنية لإسرائيل، والمصالح الاستراتيجية لإيران، والدور الأمريكي الساعي إلى إعادة هندسة منظومة الأمن الإقليمي. ومن ثم، فإن أي تغير في موازين القوى داخل الساحة اللبنانية لا يقتصر تأثيره على الداخل اللبناني، بل يمتد ليؤثر في معادلات الردع الإقليمية، ومستقبل شبكة التحالفات التي تشكلت في المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية.
وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات متزايدة على أن المقاربة الدولية تجاه لبنان بدأت تشهد تحولًا تدريجيًا؛ فبدلًا من الاكتفاء بإدارة الصراع واحتواء تداعياته، تتجه بعض الأطراف الدولية والإقليمية إلى البحث عن آليات تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة اللبنانية، وتعزز قدرتها على ممارسة وظائفها الأمنية، بما يحد من دور الفاعلين المسلحين غير الحكوميين. ورغم أن هذه المقاربة لا تزال تواجه تحديات سياسية وعسكرية معقدة، فإنها تعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الازدواجية الأمنية داخل لبنان يمثل أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في شرق المتوسط.
ولا يُعد هذا التوجه جديدًا من الناحية القانونية أو السياسية، بل يستند إلى مسار طويل بدأ مع اتفاق الطائف عام 1989، الذي نص على حل جميع الميليشيات اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لإعادة بناء المؤسسات بعد الحرب الأهلية. غير أن هذا المسار ظل ناقصًا، بعدما استُثني حزب الله عمليًا من عملية نزع السلاح تحت مبرر استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان آنذاك، وما ارتبط بذلك من استمرار مفهوم "المقاومة". وبعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، عاد المجتمع الدولي إلى طرح القضية بصورة أكثر وضوحًا عبر قرار مجلس الأمن رقم 1559 لعام 2004، الذي دعا إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، ثم عزز القرار 1701 لعام 2006 هذا التوجه، مؤكدًا ضرورة ألا تكون هناك أي أسلحة أو سلطة في لبنان خارج إطار الدولة، مع حصر الوجود المسلح جنوب نهر الليطاني بالقوات المسلحة اللبنانية وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). ومع ذلك، بقي تنفيذ هذه القرارات محدودًا بفعل التعقيدات الداخلية اللبنانية، واستمرار البيئة الإقليمية التي وفرت لحزب الله مبررات سياسية وعسكرية للاحتفاظ بترسانته.
ومن هنا، لم تعد القضية المطروحة اليوم تتعلق فقط بمستقبل سلاح حزب الله، وإنما بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها، وقدرتها على استعادة احتكار استخدام القوة باعتباره أحد أهم مقومات السيادة الحديثة. كما تثير التطورات الراهنة تساؤلات تتجاوز الداخل اللبناني لتشمل مستقبل النفوذ الإيراني في المشرق العربي، وحدود الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، وطبيعة الدور الأمريكي في إعادة رسم قواعد الأمن الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
أولًا: من إدارة التصعيد إلى إعادة هندسة البيئة الأمنية
تشير التحولات الأخيرة إلى أن إدارة الأزمة اللبنانية لم تعد تقتصر على احتواء التصعيد العسكري ومنع اندلاع حرب واسعة، بل أصبحت تتجه بصورة متزايدة نحو إعادة تشكيل البيئة الأمنية التي سمحت باستمرار حالة الاشتباك المزمن على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية. فبدلًا من الاكتفاء بتثبيت وقف إطلاق النار أو تبادل الرسائل العسكرية المحدودة، يبدو أن هناك توجهًا نحو معالجة الأسباب البنيوية التي جعلت الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لتداخل أدوار الدولة والفاعلين المسلحين غير الحكوميين.
ويستند هذا التوجه إلى قناعة متزايدة لدى العديد من القوى الدولية بأن استقرار الحدود الشمالية لإسرائيل لن يتحقق من خلال الردع العسكري وحده، وإنما عبر بناء بيئة أمنية جديدة تتولى فيها مؤسسات الدولة اللبنانية مسؤولية السيطرة الفعلية على المناطق الحدودية، بما يحد من قدرة التنظيمات المسلحة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم بصورة مستقلة عن السلطة المركزية.
غير أن هذا التصور يصطدم بواحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في بنية الصراع الإقليمي، وهي طبيعة العلاقة بين إيران وحزب الله. فعلى الرغم من أن الحزب يُعد الركيزة الأكثر تطورًا داخل ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، فإن العلاقة بينه وبين طهران لا تقوم على نموذج القيادة والسيطرة المباشرة، بل أقرب إلى نموذج "الوكيل الاستراتيجي" الذي يتمتع بقدر معتبر من الاستقلال في إدارة قراراته العملياتية، مع بقائه مندمجًا في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية العامة.
وقد كشفت محطات عديدة، منذ حرب يوليو 2006 وحتى المواجهات التي أعقبت حرب غزة، أن الحزب يمتلك هامشًا يسمح له باتخاذ قرارات تكتيكية تتناسب مع تقديراته الميدانية، حتى وإن جاءت منسجمة في إطارها العام مع المصالح الإيرانية. ومن ثم، فإن افتراض قدرة طهران على فرض التزام كامل على الحزب بأي تفاهمات سياسية أو أمنية يظل محل نقاش، لأن العلاقة بين الطرفين تقوم على تقاطع المصالح أكثر من خضوعها لمنطق الأوامر المباشرة.
وفي المقابل، لم تُظهر إسرائيل استعدادًا للتعامل مع أي تفاهمات سياسية باعتبارها قيدًا دائمًا على حرية عملها العسكري. فمنذ انتهاء حرب عام 2006، تبنت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ما يُعرف بسياسة "المعركة بين الحروب"، وهي عقيدة تقوم على تنفيذ عمليات عسكرية محدودة واستباقية تستهدف منع خصومها من تطوير قدراتهم العسكرية، دون الوصول إلى حرب شاملة. وقد توسعت هذه العقيدة خلال السنوات الأخيرة لتشمل الساحة اللبنانية بصورة أكثر وضوحًا، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الاكتفاء بسياسة الردع التقليدية لم يعد كافيًا لمنع تعاظم القدرات العسكرية لحزب الله.
وفي ضوء ذلك، أصبحت أي ترتيبات لوقف إطلاق النار مرهونة بدرجة أكبر بميزان الردع الميداني أكثر من ارتباطها بالنصوص السياسية أو التفاهمات الدبلوماسية. كما أن نجاحها لم يعد يعتمد فقط على توافق الحكومات، بل على استعداد الفاعلين المسلحين للالتزام بها، وعلى قدرة الأطراف الإقليمية على إعادة تعريف حدود نفوذها داخل الساحة اللبنانية.
ويكشف هذا الواقع أن جنوب لبنان لم يعد مجرد منطقة حدودية تشهد تبادلًا لإطلاق النار، بل تحول إلى إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط. فمن منظور إسرائيل، يمثل الجنوب خط الدفاع الأول عن الجبهة الشمالية، بينما تنظر إليه إيران باعتباره أحد أهم خطوط الردع المتقدمة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، في حين ترى واشنطن أن استقرار هذه المنطقة أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة وظائفها السيادية، وتقليص نفوذ الفاعلين المسلحين دون دفع البلاد إلى دورة جديدة من الصراع الداخلي.
ولذلك، فإن مستقبل الجنوب اللبناني لن يتحدد فقط بنتائج أي ترتيبات أمنية مؤقتة، وإنما بمدى نجاح القوى الإقليمية والدولية في التوصل إلى صيغة جديدة توازن بين متطلبات الأمن الإسرائيلي، واعتبارات السيادة اللبنانية، واستمرار النفوذ الإيراني. وحتى الآن، لا تزال هذه المعادلة بعيدة عن الحسم، وهو ما يجعل أي تهدئة قائمة عرضة للاهتزاز بمجرد تغير موازين القوى أو تبدل الحسابات السياسية للأطراف المنخرطة في الصراع.
ثانيًا: الدولة اللبنانية بين استعادة السيادة وحدود القدرة
تُعد مسألة احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، غير أن الحالة اللبنانية ظلت تمثل استثناءً واضحًا لهذا المبدأ منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. فعلى الرغم من أن اتفاق الطائف وضع إطارًا قانونيًا وسياسيًا لإنهاء ظاهرة الميليشيات المسلحة، فإن التطبيق العملي لهذا المسار بقي انتقائيًا، إذ احتفظ حزب الله بسلاحه تحت عنوان "المقاومة" في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان آنذاك. وبعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ثم حرب يوليو 2006، تحول هذا السلاح من قضية مرتبطة بمواجهة الاحتلال إلى أحد أهم عناصر التوازنات الداخلية والإقليمية، الأمر الذي جعل أي محاولة لمعالجته تتجاوز حدود القرار اللبناني لتصبح جزءًا من معادلات الصراع في الشرق الأوسط.
ومنذ ذلك الحين، لم تنجح الحكومات اللبنانية المتعاقبة في تحويل النصوص الدستورية والقرارات الدولية إلى واقع عملي، ليس فقط بسبب قوة حزب الله العسكرية، وإنما أيضًا نتيجة الطبيعة التوافقية للنظام السياسي اللبناني، الذي يقوم على موازين دقيقة بين الطوائف والقوى السياسية. ففي ظل هذا النظام، غالبًا ما كانت الحكومات تفضل إدارة الخلاف حول سلاح الحزب بدلًا من السعي إلى حسمه، إدراكًا منها أن أي محاولة لفرض حل بالقوة قد تؤدي إلى انهيار التوازنات الداخلية وإعادة إنتاج مشهد الحرب الأهلية.
وتشير التجربة اللبنانية خلال العقدين الماضيين إلى أن قضية سلاح حزب الله لم تعد مجرد ملف أمني، بل تحولت إلى أحد مكونات النظام السياسي نفسه. فالحزب لا يمثل تنظيمًا عسكريًا فحسب، وإنما يُعد فاعلًا سياسيًا يمتلك كتلة نيابية مؤثرة، ويشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل الحكومات، كما يدير شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والصحية والتعليمية والخدمية، فضلًا عن امتلاكه منظومة اقتصادية موازية ساهمت، خلال سنوات الأزمة المالية، في تعزيز حضوره داخل البيئة الشيعية. ومن ثم، فإن أي مقاربة تختزل الحزب في كونه تشكيلًا مسلحًا تغفل حقيقة أنه أصبح جزءًا من البنية المؤسسية والاجتماعية للدولة اللبنانية، وهو ما يجعل مسألة نزع سلاحه أكثر تعقيدًا من مجرد تنفيذ قرار سياسي أو عملية أمنية.
وتزداد هذه التعقيدات في ظل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها لبنان منذ عام 2019، والتي أدت إلى تراجع قدرات مؤسسات الدولة بصورة حادة. فقد انعكس الانهيار المالي على أداء الأجهزة الأمنية والعسكرية، في ظل تآكل قيمة العملة الوطنية، وانخفاض القدرة الشرائية للعسكريين، وتراجع الإنفاق الحكومي على قطاعات الأمن والدفاع. وعلى الرغم من استمرار الدعم الخارجي، ولا سيما الأمريكي والفرنسي، للجيش اللبناني من خلال برامج التدريب والتسليح والمساعدات اللوجستية، فإن هذه المساعدات استهدفت بالأساس الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية ومنع انهيارها، أكثر من تمكينها من الدخول في مواجهة واسعة مع تنظيم يمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية راكمها على مدى أكثر من أربعة عقود.
وفي هذا السياق، برز الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الوطنية الأكثر احتفاظًا بشرعيتها الداخلية، نظرًا لحرصه على تجنب الانخراط في الاستقطابات السياسية والطائفية. غير أن هذه الشرعية لم تُترجم إلى قدرة فعلية على فرض احتكار الدولة للسلاح، إذ ظل الجيش يعمل ضمن هوامش سياسية ضيقة فرضتها التوازنات الداخلية، كما أن قيادته تجنبت، على مدار السنوات الماضية، الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله، إدراكًا لما قد يترتب على ذلك من انقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، التي تضم أفرادًا من مختلف الطوائف والانتماءات السياسية.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن فهم استمرار معضلة السلاح خارج إطار التحولات التي شهدها دور حزب الله نفسه. فمنذ تأسيسه في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، انتقل الحزب من كونه حركة مقاومة محلية تستهدف إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، إلى فاعل إقليمي يشارك في ملفات تتجاوز الحدود اللبنانية، كما حدث في سوريا والعراق، فضلًا عن امتلاكه شبكة علاقات أمنية وعسكرية مع مكونات أخرى ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة. وقد أفضى هذا التحول إلى تزايد ارتباط مستقبل الحزب بالتوازنات الإقليمية، بحيث أصبح أي نقاش حول مستقبله العسكري مرتبطًا أيضًا بمستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، وليس فقط بالوضع الداخلي اللبناني.
كما أن البيئة الاجتماعية التي يستند إليها الحزب تمثل عاملًا حاسمًا في تفسير صعوبة أي مشروع لنزع سلاحه. فبالنسبة لشريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية، لا يُنظر إلى حزب الله باعتباره مجرد تنظيم مسلح، بل باعتباره قوة سياسية واجتماعية وفرت، على مدار عقود، خدمات صحية وتعليمية وإغاثية، وأسهمت في تعويض جوانب من قصور الدولة، خصوصًا في المناطق الطرفية. وإلى جانب هذا الدور الاجتماعي، لا يزال الحزب يحتفظ، لدى جزء معتبر من قاعدته الشعبية، بصورة "حركة المقاومة" التي تمكنت من إجبار إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، ثم صمدت في مواجهة حرب يوليو 2006، وهو ما يمنحه رصيدًا رمزيًا يصعب تجاوزه في أي نقاش داخلي حول مستقبله.
وفي المقابل، شهدت السنوات الأخيرة مؤشرات على تراجع نسبي في مستوى التأييد الشعبي للحزب، نتيجة تداعيات الأزمة الاقتصادية، واتساع الانتقادات المرتبطة بانخراطه في الحرب السورية، فضلًا عن تنامي الشعور لدى قطاعات من اللبنانيين بأن استمرار ازدواجية السلاح يفرض على البلاد كلفة أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة. غير أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة تآكل القاعدة الاجتماعية للحزب، بقدر ما يعكس تحولًا في أولويات الرأي العام داخل بيئته الحاضنة، حيث أصبحت الأوضاع المعيشية تحتل موقعًا متقدمًا إلى جانب الاعتبارات الأمنية.
ومن ثم، فإن أي تصور لاستعادة الدولة اللبنانية احتكارها للقوة المسلحة لا يمكن أن يقوم على المقاربة الأمنية وحدها، كما لا يمكن أن يتحقق عبر الضغوط الخارجية أو القرارات الدولية بمعزل عن توافق داخلي واسع. فالتجربة اللبنانية منذ عام 2006 تكشف أن جميع المبادرات التي ركزت على البعد العسكري أخفقت في معالجة جذور المشكلة، لأن قضية السلاح ترتبط، في جوهرها، بطبيعة النظام السياسي، وبالتوازنات الطائفية، وبعلاقة لبنان بمحيطه الإقليمي، أكثر من ارتباطها بقدرات الدولة الأمنية وحدها.
لذلك، تبدو السيناريوهات الأكثر واقعية هي تلك التي تقوم على إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة وحزب الله ضمن إطار استراتيجية دفاعية وطنية، وهو الطرح الذي عاد إلى الواجهة أكثر من مرة خلال العقدين الماضيين دون أن يجد طريقه إلى التنفيذ، بسبب غياب التوافق السياسي الداخلي، وتعارض الحسابات الإقليمية. وفي هذا السياق، فإن نجاح أي مشروع لإعادة دمج السلاح ضمن مؤسسات الدولة سيظل مرهونًا بوجود تسوية سياسية شاملة تعيد تعريف دور الحزب داخل النظام اللبناني، وتوفر في الوقت نفسه ضمانات حقيقية لجميع المكونات الطائفية، بما يمنع تحول أي عملية لإعادة بناء الدولة إلى مدخل لصراع داخلي جديد.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم لا يتمثل فقط في استعادة السيطرة على السلاح، وإنما في إعادة بناء مفهوم الدولة ذاته. فاحتكار القوة لا يمكن أن يتحقق في ظل مؤسسات ضعيفة، واقتصاد منهك، ونظام سياسي يقوم على المحاصصة أكثر من قيامه على مبدأ المواطنة. ومن دون معالجة هذه الاختلالات البنيوية، ستظل أي ترتيبات أمنية، مهما بلغت درجة الدعم الدولي لها، معرضة للاهتزاز مع أول اختبار سياسي أو عسكري، وسيبقى ملف السلاح انعكاسًا لأزمة الدولة اللبنانية أكثر من كونه سببًا لها.
ثالثًا: التحول في الاستراتيجية الإسرائيلية... من إدارة الردع إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية
إذا كانت قضية سلاح حزب الله تمثل التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية، فإنها في المقابل تمثل أحد أهم الملفات الأمنية بالنسبة لإسرائيل، التي تنظر إلى الحزب باعتباره أخطر تهديد عسكري تقليدي يواجهها على حدودها الشمالية. غير أن المقاربة الإسرائيلية لهذا التهديد لم تبق ثابتة، بل شهدت تحولًا تدريجيًا خلال العقدين الماضيين، انتقلت بموجبه من سياسة تقوم على إدارة الردع إلى استراتيجية أكثر شمولًا تستهدف إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بلبنان بما يقلص قدرة الحزب على استعادة قوته العسكرية أو تطويرها.
وقد تشكلت ملامح هذه المقاربة الجديدة نتيجة مراجعات عميقة داخل المؤسستين العسكرية والأمنية في إسرائيل عقب حرب يوليو/تموز 2006، التي كشفت أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يضمن بالضرورة تحقيق أهداف سياسية أو فرض معادلات أمنية مستقرة. فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدها حزب الله آنذاك، خرجت إسرائيل بقناعة مفادها أن الضربات العسكرية الواسعة، مهما بلغت كثافتها، لا تكفي لإنهاء التهديد الذي يمثله الحزب، طالما بقيت البيئة السياسية والأمنية التي سمحت بنموه على حالها.
ومنذ ذلك الوقت، أخذت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تتجه نحو تبني سياسة أكثر مرونة عُرفت باسم "المعركة بين الحروب" (Campaign Between Wars)، وهي استراتيجية تقوم على تنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية محدودة، تستهدف إبطاء عملية بناء القدرات العسكرية للخصوم، ومنعهم من الوصول إلى مستويات جديدة من القوة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تفرض أثمانًا باهظة على جميع الأطراف. وقد طُبقت هذه العقيدة بصورة أساسية في الساحة السورية، حيث نفذت إسرائيل مئات الضربات الجوية ضد شحنات الأسلحة، ومخازن الصواريخ، والبنية اللوجستية المرتبطة بإيران وحزب الله، بهدف منع ترسيخ وجود عسكري دائم لإيران بالقرب من حدودها الشمالية.
إلا أن التطورات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما تداعيات الحرب في غزة واتساع نطاق المواجهات الإقليمية، دفعت إسرائيل إلى إعادة تقييم هذه المقاربة. فقد أظهرت المواجهات أن احتواء التهديدات عبر الضربات الوقائية وحدها لم يعد كافيًا، في ظل قدرة خصومها على إعادة بناء قدراتهم العسكرية، واستمرار تدفق الدعم اللوجستي والتقني من إيران. ومن هنا، بدأ التفكير الإسرائيلي يتجه نحو معالجة البيئة المنتجة للتهديد، وليس فقط استهداف أدواته العسكرية.
وفي هذا السياق، اكتسبت مؤسسات الدولة اللبنانية أهمية متزايدة في الحسابات الإسرائيلية، ليس انطلاقًا من تحول جذري في طبيعة العلاقة بين الجانبين، وإنما انطلاقًا من اعتبارات براغماتية ترى أن وجود سلطة رسمية قادرة على بسط سيادتها جنوب نهر الليطاني يمثل، على المدى الطويل، خيارًا أقل كلفة وأكثر استدامة من استمرار حالة الفراغ الأمني التي سمحت لحزب الله ببناء واحدة من أكثر الترسانات العسكرية تطورًا خارج إطار الجيوش النظامية.
ولا يعني ذلك أن إسرائيل أصبحت تنظر إلى الجيش اللبناني باعتباره شريكًا أمنيًا بالمعنى التقليدي، فالعلاقة بين الطرفين لا تزال محكومة بتاريخ طويل من الصراع وانعدام الثقة، كما أن أي تقارب معلن يحمل كلفة سياسية كبيرة داخل لبنان. غير أن الإدراك الإسرائيلي المتزايد لحدود القوة العسكرية دفع إلى تبني مقاربة أكثر واقعية، تقوم على أن تعزيز قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها قد يسهم تدريجيًا في تقليص الحاجة إلى التدخل العسكري الإسرائيلي المتكرر داخل الأراضي اللبنانية.
ومع ذلك، فإن هذا التصور يواجه جملة من القيود البنيوية. فمن ناحية، لا تزال إسرائيل تتمسك بمبدأ حرية العمل العسكري، الذي يتيح لها تنفيذ عمليات استباقية متى رأت أن حزب الله يعيد بناء قدراته أو ينقل منظومات تسليحية متطورة. ومن ناحية أخرى، لا يملك الجيش اللبناني، حتى مع ما يتلقاه من دعم دولي، الإمكانات التي تؤهله للدخول في مواجهة مباشرة مع الحزب أو فرض ترتيبات أمنية جديدة بالقوة.
كما أن البيئة السياسية اللبنانية تجعل أي تعاون أمني، ولو كان غير مباشر، مع إسرائيل شديد الحساسية. إذ إن جزءًا كبيرًا من القوى السياسية، بما فيها أطراف تختلف مع حزب الله، يرفض أي ترتيبات يمكن أن تُفسَّر باعتبارها تطبيعًا أمنيًا أو سياسيًا مع إسرائيل، وهو ما يحد من قدرة الدولة اللبنانية على الانخراط في تفاهمات أمنية علنية، حتى وإن كانت تخدم مصالحها المباشرة في استعادة السيطرة على الجنوب.
المقاربة الأمريكية... من إدارة الأزمات إلى احتواء النفوذ الإيراني
ولا يمكن فهم هذا التحول في الاستراتيجية الإسرائيلية بمعزل عن التغير الذي طرأ على المقاربة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فواشنطن لم تعد تنظر إلى لبنان باعتباره ملفًا مستقلًا، وإنما باعتباره إحدى حلقات شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني الممتدة من العراق وسوريا إلى اليمن ولبنان. ومن ثم، فإن أي إعادة ترتيب للوضع اللبناني باتت ترتبط، في الرؤية الأمريكية، بمشروع أوسع يهدف إلى تقليص قدرة إيران على استخدام وكلائها الإقليميين كورقة ضغط في صراعاتها مع الولايات المتحدة وحلفائها.
ومن هذا المنطلق، ركزت السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة على مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في مواصلة دعم الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوطنية القادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة، والثاني يقوم على استخدام الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والعقوبات لتقييد قدرة حزب الله على تمويل نشاطه العسكري وتعزيز نفوذه السياسي. وقد عكست برامج المساعدات العسكرية الأمريكية للجيش اللبناني هذا التوجه، إذ هدفت إلى تعزيز قدراته في مجالات مراقبة الحدود، ومكافحة الإرهاب، ورفع كفاءة القوات البرية والجوية، دون تحويله إلى قوة هجومية موجهة ضد حزب الله، إدراكًا لحساسية التوازنات الداخلية اللبنانية.
وفي الوقت ذاته، حرصت واشنطن على تجنب الانزلاق إلى سياسة تستهدف تفكيك حزب الله بالقوة، انطلاقًا من قناعة متزايدة بأن انهيار الحزب بصورة مفاجئة قد يفتح الباب أمام فراغ أمني واسع، أو يدفع لبنان إلى موجة جديدة من الصراع الداخلي، وهو ما يتعارض مع المصالح الأمريكية في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي.
هل يواجه النفوذ الإيراني مرحلة إعادة تموضع؟
وفي المقابل، تطرح التحولات الراهنة تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل النفوذ الإيراني في لبنان. فمنذ تأسيس حزب الله في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، شكل الحزب أهم أدوات إيران لبناء معادلة ردع غير مباشرة في مواجهة إسرائيل، كما تحول تدريجيًا إلى أحد أكثر حلفائها نفوذًا في المنطقة. إلا أن البيئة الإقليمية التي سمحت بهذا التوسع شهدت تغيرات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، سواء نتيجة الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران، أو بسبب تصاعد المواجهة المباشرة بينها وبين إسرائيل، أو نتيجة الضربات المتكررة التي استهدفت شبكاتها العسكرية في سوريا ولبنان.
ورغم ذلك، فإن الحديث عن تراجع النفوذ الإيراني في لبنان يبدو سابقًا لأوانه. فالعلاقة بين طهران وحزب الله لا تقتصر على الدعم العسكري والمالي، بل تستند إلى شبكة معقدة من الروابط العقائدية والسياسية والمؤسسية التي جرى بناؤها على مدى أكثر من أربعة عقود. كما أن إيران لا تنظر إلى الحزب باعتباره مجرد حليف، وإنما باعتباره أحد أهم عناصر استراتيجيتها الدفاعية المتقدمة، التي تقوم على إبعاد خطوط المواجهة عن أراضيها، وإبقاء الضغط قائمًا على إسرائيل عبر جبهات متعددة.
لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في خروج إيران من الساحة اللبنانية، وإنما في إعادة تموضع نفوذها بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة. فقد تسعى طهران إلى تقليص الظهور العسكري المباشر للحزب، مقابل الحفاظ على نفوذها السياسي والأمني، بما يسمح لها بالحفاظ على أوراقها الاستراتيجية دون الدخول في مواجهة مفتوحة تستنزف مواردها في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
رابعًا: هل دخل حزب الله مرحلة الاحتواء الاستراتيجي؟
تمثل التحولات الجارية في لبنان اختبارًا حقيقيًا لقدرة حزب الله على التكيف مع بيئة إقليمية ومحلية تختلف بصورة جوهرية عن تلك التي أسهمت في صعوده خلال العقود الأربعة الماضية. فمنذ تأسيسه مطلع ثمانينيات القرن الماضي، نجح الحزب في بناء معادلة قوة استندت إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية؛ أولها شرعية "المقاومة" في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وثانيها الدعم الإيراني المستمر سياسيًا وعسكريًا وماليًا، وثالثها هشاشة الدولة اللبنانية وعجزها عن بسط سيادتها الكاملة على أراضيها. وقد وفرت هذه العوامل مجتمعة بيئة سمحت للحزب بالتحول من تنظيم مقاوم إلى أحد أكثر الفاعلين نفوذًا داخل النظام السياسي اللبناني، فضلًا عن كونه أحد أهم أذرع إيران الإقليمية.
غير أن البيئة الاستراتيجية التي أنتجت هذه المعادلة بدأت تشهد تغيرات تدريجية. فإسرائيل لم تعد تتعامل مع حزب الله بوصفه مجرد تهديد عسكري يمكن احتواؤه من خلال الردع التقليدي، بل أصبحت تنظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة النفوذ الإيراني التي ينبغي تقليصها عبر مزيج من الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية. وفي المقابل، أصبحت الدولة اللبنانية، ولو بدرجات متفاوتة، أكثر إدراكًا للكلفة التي تفرضها ازدواجية القرار الأمني على الاستقرار الداخلي وعلاقات لبنان الخارجية، في حين تواجه إيران ضغوطًا متزايدة تحد من قدرتها على إدارة جميع ساحات نفوذها بالوتيرة نفسها التي اتبعتها خلال العقدين الماضيين.
ومع ذلك، فإن الحديث عن اقتراب نهاية حزب الله أو انهياره يفتقر إلى الدقة التحليلية. فالحزب لا يزال يحتفظ بمقومات قوة يصعب تجاهلها، سواء من حيث بنيته التنظيمية، أو خبرته العسكرية، أو حضوره السياسي، أو قاعدته الاجتماعية داخل الطائفة الشيعية. كما أن ترسانته العسكرية، رغم ما تعرضت له من استنزاف خلال السنوات الأخيرة، لا تزال تمثل عنصرًا رئيسيًا في معادلة الردع على الجبهة الشمالية لإسرائيل. لذلك، فإن التحدي الذي يواجه الحزب لا يتعلق ببقائه من عدمه، وإنما بكيفية إعادة تعريف دوره في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وفي هذا السياق، يبدو أن الحزب يواجه معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، يصعب عليه التخلي عن سلاحه بصورة أحادية، لأن هذا السلاح يمثل أساس شرعيته السياسية ورأس ماله الاستراتيجي، فضلًا عن كونه أحد أهم أدوات الردع الإيرانية في مواجهة إسرائيل. ومن جهة أخرى، فإن استمرار التمسك بالصيغة التقليدية لدوره العسكري يضعه في مواجهة ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، ويحمّله جزءًا كبيرًا من مسؤولية تعثر الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها الكاملة، فضلًا عن الكلفة الاقتصادية والأمنية التي يتحملها لبنان نتيجة استمرار التوتر على حدوده الجنوبية.
ومن ثم، فإن الحزب يجد نفسه أمام ضرورة إعادة التكيف مع بيئة جديدة لم يعد فيها استخدام القوة العسكرية وحده كافيًا للحفاظ على النفوذ السياسي. وقد يدفعه ذلك إلى تعزيز حضوره داخل
