بث تجريبي

الآفاق الاستراتيجية المشتركة في الشراكة الهندية–اليابانية ومستقبل منطقة المحيطين الهندي والهادئ

دراسات وأبحاث - جونسون أوداكال
جونسون أوداكال
باحث في الشؤون البحرية، ومحلل في القضايا الاستراتيجية، وضابط سابق في البحرية الهندية. يشغل منصب اختصاصي في مادة السياسة العالمية ونظرية المعرفة ضمن برنامج البكالوريا الدولية (IBDP)، كما يعمل أستاذًا مساعدًا لمادتي الدراسات البحرية والاستراتيجية في كلية الحرب البحرية بمدينة غوا.

التقاء البحرين

لم تولد الهندسة الجيوسياسية المعاصرة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في واشنطن، بل في القاعة المركزية للبرلمان الهندي يوم 22 أغسطس/آب 2007. ففي ذلك اليوم، وقف رئيس الوزراء الياباني الراحل شينزو آبي أمام البرلمان الهندي مستشهدًا بكلمات الفيلسوف الهندي سوامي فيفيكاناندا قائلاً: "إن الجداول المختلفة، مهما اختلفت منابعها، فإنها تصب جميعًا في البحر ذاته."

وفي ذلك الخطاب التاريخي الذي حمل عنوان "التقاء البحرين" (Confluence of the Two Seas)، طرح آبي رؤية استراتيجية جديدة تقوم على اعتبار المحيطين الهندي والهادئ فضاءً جيوسياسيًا واحدًا، يرتبط بعلاقة ديناميكية تجعل منهما معًا بحري الحرية والازدهار.

واستلهم آبي فكرته من كتاب الأمير المغولي دارا شيكوه الصادر عام 1655، ليؤكد أن اليابان والهند قد "أعادتا اكتشاف بعضهما البعض" باعتبارهما شريكين يتقاسمان منظومة واحدة من القيم والمصالح الاستراتيجية.

ويُنظر إلى هذا الخطاب اليوم باعتباره نقطة الانطلاق الفكرية لمفهوم "الهندي–الهادئ" (Indo-Pacific)، إذ كسر التصور الجغرافي التقليدي لمنطقة "آسيا–المحيط الهادئ"، وقدم مفهومًا أوسع يمتد من السواحل الشرقية لإفريقيا حتى غرب المحيط الهادئ، واضعًا الهند في قلب النظام البحري الآسيوي الجديد.

وقد أدرك آبي مبكرًا أن الفضاء البحري الممتد بين المحيطين سيصبح مركز الثقل الجديد للاقتصاد العالمي، والتجارة الدولية، والسياسة العالمية، والثقافة الإنسانية، ومن ثم رأى أن مسؤولية الحفاظ على هذا الفضاء مفتوحًا، وآمنًا، وخاضعًا للقانون الدولي، تقع على عاتق أكبر ديمقراطيتين آسيويتين؛ الهند واليابان.

إعادة صياغة السردية بعيدًا عن المركزية الأمريكية

لسنوات طويلة، ارتبط مفهوم "الهندي–الهادئ" في الأذهان بالمشروع الاستراتيجي الأمريكي الرامي إلى احتواء النفوذ الصيني. غير أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة دفعت العديد من الباحثين إلى إعادة النظر في هذه القراءة التي تضع الولايات المتحدة في مركز المشهد.

ففي ظل الإدارة الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أثار قرار واشنطن إعادة تسمية "القيادة الأمريكية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ" (INDOPACOM) إلى اسمها السابق "قيادة المحيط الهادئ" (USPACOM) موجة واسعة من التساؤلات داخل العواصم الآسيوية.

ورأى كثير من المراقبين أن هذا التغيير يحمل رسائل سياسية توحي بتراجع أولوية منطقة الهندي–الهادئ في الاستراتيجية الأمريكية، وربما يعكس رغبة أمريكية في تهدئة العلاقات مع الصين، أو حتى السعي إلى صيغة تفاهم بين القوتين الكبريين على إدارة النظام الدولي بصورة ثنائية.

كما عزز هذا الانطباع ما اعتبرته دول المنطقة تراجعًا في اهتمام واشنطن بتجمع الحوار الأمني الرباعي (Quad)، إضافة إلى غيابها عن عدد من القمم الإقليمية المهمة، وهو ما أثار مخاوف لدى القوى المتوسطة في آسيا من احتمال تعرضها لما أصبح يُعرف بـ"الهجر الأمريكي".

غير أن هذا التراجع النسبي أوجد في المقابل فرصة استراتيجية للهند واليابان للاضطلاع بدور قيادي أكبر في إدارة شؤون الإقليم.

فالهند واليابان ليستا قوتين خارجيتين عابرتين، وإنما دولتان آسيويتان مقيمتان بصورة دائمة في المنطقة، وترتبط مصالحهما وأمنهما القومي بجغرافيتها بصورة مباشرة.

ومن ثم، يرى عدد متزايد من الباحثين أن مستقبل منطقة الهندي–الهادئ لا ينبغي أن يبقى رهينة لتقلبات السياسة الأمريكية أو لتغير الإدارات في واشنطن، بل يجب أن يستند إلى مبادرات تقودها القوى الآسيوية نفسها.

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال توفر القدرات العسكرية الأكبر داخل المنطقة، فإن الأسس الفكرية لمفهوم الهندي–الهادئ وُضعت أساسًا على يد اليابان والهند، وهو ما يمنحهما مسؤولية متزايدة في الحفاظ على النظام البحري القائم على القواعد، وصيانة حرية الملاحة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

ويمثل هذا التحول انتقالًا من مرحلة الاعتماد الاستراتيجي على القوة الأمريكية إلى مرحلة جديدة تتولى فيها القوى الآسيوية الديمقراطية مسؤولية أكبر في إدارة التوازنات الإقليمية، وبناء منظومات اقتصادية وصناعية أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الخارجية والإكراه الاقتصادي.

قمة نيودلهي... ترسيخ لشراكة طبيعية

مثلت القمة الهندية–اليابانية السادسة عشرة، التي استضافتها نيودلهي خلال الفترة من 1 إلى 3 يوليو/تموز 2026، محطة مفصلية في تطور العلاقات الثنائية بين البلدين.

وقد استقبلت الهند رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكائيتشي، أول امرأة تتولى هذا المنصب في اليابان، بمراسم رسمية رفيعة المستوى، في رسالة سياسية تؤكد المكانة الخاصة التي تحتلها اليابان في الاستراتيجية الهندية.

ووصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نظيرته اليابانية بأنها "قائدة ذات رؤية"، مشيرًا إلى أن انتماءها إلى مدينة نارا، التي تمثل أحد أهم مراكز التراث البوذي، يعكس عمق الروابط الحضارية المشتركة بين البلدين، ويؤكد أن الشراكة الثنائية تستند إلى رصيد تاريخي طويل من الثقة والصداقة.

وأسفرت القمة عن نتائج عملية مهمة، كان أبرزها إعلان استثمارات يابانية جديدة تقدر بنحو 12.5 مليار دولار (أي ما يعادل تريليوني ين)، إلى جانب توقيع 129 مذكرة تفاهم شملت مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، والصناعة، والأمن.

وكان في مقدمة هذه النتائج إطلاق خارطة طريق مشتركة للأمن الاقتصادي، تستهدف بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة في قطاعات أشباه الموصلات، والمعادن النادرة، والمواد المتقدمة، بما يقلل من تعرض البلدين للضغوط الاقتصادية الخارجية، ويعزز استقلالهما الاستراتيجي في القطاعات الحيوية.

ومن أبرز مخرجات القمة أيضًا الاتفاق على تنفيذ أول مشروع مشترك لتطوير معدات عسكرية بين البلدين، يتمثل في تطوير هوائي الاتصالات البحرية UNICORN المخصص للمنصات البحرية التابعة للبحرية الهندية، وهو تطور يعكس انتقال اليابان بصورة متزايدة من قيودها الدفاعية التي فرضتها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى الانخراط في مشروعات إنتاج عسكري مشترك مع شركائها.

كما أطلق الجانبان مبادرة "التعاون الهندي–الياباني للنمو عبر الغاز الحيوي"، الهادفة إلى دعم خطة الهند لإنشاء ألف محطة لإنتاج الغاز الحيوي، فضلًا عن تأسيس حوار استراتيجي مشترك حول الذكاء الاصطناعي، وإصدار بيان يؤكد الجمع بين التفوق الياباني في الصناعات الدقيقة والقدرات الهندية في البرمجيات، بما يفتح آفاقًا جديدة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي.

وتشير هذه المبادرات إلى أن العلاقات بين البلدين تجاوزت مرحلة التقارب الدبلوماسي التقليدي، لتتحول تدريجيًا إلى شراكة استراتيجية وصناعية وأمنية متكاملة.

من الرهبان القدماء إلى رواد العصر الحديث

لا تستند الشراكة الاستراتيجية بين الهند واليابان إلى اعتبارات جيوسياسية معاصرة فحسب، بل ترتكز أيضًا على إرث حضاري يمتد لأكثر من ألف وخمسمائة عام من التفاعل الثقافي والديني والإنساني.

فقد بدأت أولى حلقات التواصل بين البلدين في القرن السادس الميلادي مع انتقال البوذية من الهند إلى اليابان، وهو الحدث الذي ترك أثرًا عميقًا في تشكيل الهوية الثقافية والدينية اليابانية، ولا يزال حتى اليوم يمثل أحد أهم مصادر شعور اليابانيين بالقرب الحضاري من الهند.

ويبرز في هذا السياق اسم الراهب الهندي بودهيسينا (Bodhisena)، الذي وصل إلى اليابان عام 736م بدعوة من الإمبراطور شومو، ليصبح أحد أوائل السفراء الثقافيين بين الحضارتين.

وقد خلد التاريخ دوره عندما أشرف على مراسم "فتح عيني" تمثال بوذا العظيم في معبد تودائي-جي بمدينة نارا، وهو الاحتفال الذي يعد من أبرز المحطات في التاريخ الديني والثقافي الياباني، وما زال يحظى بمكانة رمزية كبيرة حتى اليوم.

ومع توسع طرق التجارة البحرية في المحيط الهندي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، أخذت العلاقات بين الجانبين تكتسب أبعادًا اقتصادية وتجارية جديدة.

وفي هذا السياق، برز اسم التاجر والمغامر الياباني توكوبي تينجيكو (Tokubei Tenjiku)، الذي أبحر إلى الهند عام 1626، ليصبح أحد أوائل اليابانيين الذين قدموا وصفًا مباشرًا لشبه القارة الهندية.

وقد دون مشاهداته في كتاب حمل عنوان "حكايات الرحلة إلى الهند" (Tenjiku Tokai Monogatari)، وهو عمل ترك أثرًا واسعًا في المخيلة اليابانية، حتى إن بعض الباحثين أطلقوا عليه لقب "ماركو بولو اليابان".

وتؤكد هذه المحطات التاريخية أن العلاقات الهندية–اليابانية لم تُبنَ على اعتبارات المصلحة السياسية وحدها، وإنما تستند إلى رصيد حضاري وثقافي طويل وفر أساسًا متينًا للشراكة الاستراتيجية المعاصرة.

عام 2027... عام «الآفاق المشتركة» بين الهند واليابان

يمثل عام 2027 محطة تاريخية مهمة في العلاقات الثنائية، إذ يوافق الذكرى الخامسة والسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين نيودلهي وطوكيو.

واحتفاءً بهذه المناسبة، أعلنت الحكومتان تنظيم برنامج واسع من الفعاليات تحت شعار «عام الهند واليابان للآفاق المشتركة» (India–Japan Year of Shared Horizons)، يهدف إلى تعميق العلاقات بين الشعبين، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية في مختلف المجالات.

ويتضمن البرنامج سلسلة واسعة من المبادرات الموجهة إلى مختلف شرائح المجتمع، بدءًا من الشباب والطلاب، مرورًا برجال الأعمال، وانتهاءً بالمؤسسات الثقافية والدينية.

ومن أبرز هذه المبادرات مشروع "كريكيت كيزونا-75" (Cricket Kizuna-75)، الذي يتضمن تنظيم مباراة ودية في لعبة الكريكيت، إلى جانب إقامة معسكرات تدريبية في اليابان يشرف عليها مدربون هنود، في خطوة تهدف إلى توظيف الرياضة بوصفها وسيلة لتعزيز التفاهم والتقارب بين الشعبين.

كما تحظى التبادلات الثقافية بمكانة محورية في برنامج الاحتفال.

فقد أعلن الجانبان إطلاق مبادرة IMAGE-75، التي تستهدف تشجيع التعاون في مجالات الرسوم المتحركة (الأنيمي)، وألعاب الفيديو، وفنون القصص المصورة، مستفيدة من الشعبية الواسعة التي تحظى بها الثقافة الشعبية اليابانية بين الشباب الهندي.

وفي السياق ذاته، ستطلق الحكومتان مبادرة RASA-75، وهي برنامج يمتد على مدار عام كامل للاحتفاء بالفنون والتراث الثقافي لكلا البلدين، عبر تنظيم مهرجانات وعروض فنية ومعارض ثقافية مشتركة.

أما على الصعيد الاقتصادي، فسيتم إطلاق مبادرة Business Connect-75، التي تهدف إلى إقامة روابط مباشرة بين التجمعات الصناعية الهندية والبنوك الإقليمية اليابانية، من خلال تنظيم منتديات اقتصادية وجولات ترويجية لتعزيز الاستثمارات المتبادلة.

كما ستشهد المناسبة تنظيم زيارة لوفد من القيادات البوذية اليابانية إلى عدد من المواقع الدينية في الهند، بهدف تعزيز السياحة الروحية، وإحياء الروابط التاريخية التي جمعت الحضارتين عبر القرون.

وتعكس هذه الفعاليات رغبة البلدين في أن تكون الذكرى الخامسة والسبعون مناسبة لا للاحتفال بالماضي فحسب، وإنما أيضًا لصياغة رؤية مشتركة لمستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.

هل يمكن للهند واليابان بناء منظومة أمنية مستقلة عن الولايات المتحدة؟

يمثل هذا السؤال أحد أكثر القضايا إلحاحًا في النقاشات الاستراتيجية الدائرة حاليًا داخل العاصمتين.

فهل تستطيع الشراكة الأمنية بين الهند واليابان أن تعمل بصورة مستقلة عن الولايات المتحدة؟

الإجابة ليست بسيطة.

فمن الناحية العسكرية، يبدو من الصعب في الوقت الراهن تصور قيام تحالف رباعي (Quad) من دون الولايات المتحدة، أو بناء منظومة أمنية آسيوية تحل محل المظلة الأمريكية.

إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن نيودلهي وطوكيو بدأتا بالفعل التفكير في مستقبل إقليمي لا يعتمد بصورة كاملة على استمرار الانخراط الأمريكي.

فاليابان تمر اليوم بتحول استراتيجي غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فقد اتجهت حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكائيتشي إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، كما عدلت سياساتها الخاصة بتصدير المعدات العسكرية، بما يسمح بتصدير أنظمة قتالية متقدمة، من بينها الفرقاطات الشبحية من فئة Mogami.

وفي الوقت نفسه، تواصل تاكائيتشي جهودها لإعادة النظر في المادة التاسعة من الدستور الياباني، التي فرضت قيودًا صارمة على استخدام القوة العسكرية منذ عام 1947.

أما الهند، فإنها ما تزال تتمسك بمبدأ الاستقلالية الاستراتيجية، وترفض تحويل تجمع الحوار الأمني الرباعي (Quad) إلى تحالف عسكري رسمي يشبه حلف شمال الأطلسي.

ومع ذلك، فقد انتقلت نيودلهي خلال السنوات الأخيرة من سياسة الحذر التقليدية إلى دور أكثر فاعلية في إدارة الأمن الإقليمي، كما تنظر بإيجابية إلى إعادة التسلح اليابانية، باعتبارها عاملًا يسهم في موازنة النفوذ الصيني، ويخفف الضغوط الأمنية على الهند، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وفي هذا السياق، أسهمت اتفاقية الدعم المتبادل والخدمات اللوجستية (ACSA)، إلى جانب المناورات البحرية المشتركة، وعلى رأسها JAIMEX، في تعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات البحرية للبلدين، وتقليل الاعتماد على أي قوة خارجية منفردة.

ورغم أن الولايات المتحدة ما تزال تمثل القوة الأكثر تأثيرًا في الحسابات الجيوسياسية للمنطقة، فإن الهند واليابان تدركان أن استقرار منطقة المحيطين الهندي والهادئ يرتبط في المقام الأول بمصالحهما المباشرة، الأمر الذي يفرض عليهما مسؤولية أكبر في الحفاظ على النظام الإقليمي، وتعزيز مؤسسات التعاون، وترسيخ ميزان قوى مستقر في مواجهة التحديات المستقبلية.

ركيزة جديدة لآسيا متعددة الأقطاب

شهدت الشراكة الهندية–اليابانية خلال العقدين الأخيرين تحولًا نوعيًا، انتقلت بموجبه من إطار التعاون الاقتصادي التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة باتت تمثل إحدى أهم ركائز الأمن والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ولم يعد التعاون بين نيودلهي وطوكيو قائمًا على المصالح التجارية أو الاستثمارات المتبادلة فحسب، بل أصبح يستند إلى رؤية مشتركة لإدارة النظام الإقليمي، تقوم على احترام القانون الدولي، وحرية الملاحة، وسلامة سلاسل الإمداد، وتعزيز التنمية المستدامة، ورفض استخدام القوة أو الإكراه الاقتصادي في العلاقات الدولية.

وفي هذا السياق، تطرح الهند واليابان نموذجًا مختلفًا لإدارة التوازنات الإقليمية، يركز على التعددية، والشمول، واحترام سيادة الدول، وهو ما يمنحهما قبولًا أوسع لدى العديد من دول الجنوب العالمي مقارنة ببعض المبادرات الغربية التي تُنظر إليها أحيانًا باعتبارها أكثر انتقائية أو ارتباطًا بأجندات جيوسياسية ضيقة.

ويعتمد هذا النموذج على بناء شبكات من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني، بدلًا من تأسيس أحلاف عسكرية مغلقة، بما يسمح للدول المتوسطة والصغيرة بالمشاركة في صياغة النظام الإقليمي دون أن تجد نفسها مضطرة للاختيار الحاد بين واشنطن وبكين.

ومن هذا المنطلق، لا تسعى الهند واليابان إلى إنشاء كتلة مواجهة مع الصين بقدر ما تعملان على ترسيخ ميزان قوى مستقر يمنع أي طرف من الانفراد بقيادة الإقليم أو فرض إرادته على الآخرين، وهو ما ينسجم مع رؤيتهما لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ باعتبارها فضاءً مفتوحًا للتجارة والتعاون والتنمية.

نحو شراكة تتجاوز الاعتبارات الثنائية

تشير التطورات الأخيرة إلى أن العلاقات بين الهند واليابان تجاوزت مرحلة "الشراكة الثنائية" بالمعنى التقليدي، لتصبح عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية الآسيوية بأكملها.

فالتعاون بين البلدين يشمل اليوم طيفًا واسعًا من المجالات، بدءًا من التصنيع الدفاعي المشترك، مرورًا بالأمن البحري، وأمن الفضاء الإلكتروني، وأشباه الموصلات، وسلاسل الإمداد، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى التعاون في مجالات البنية التحتية، والتعليم، والبحث العلمي، والتبادل الثقافي.

كما يكتسب هذا التعاون أهمية إضافية في ظل تصاعد المنافسة الأمريكية–الصينية، إذ يمنح دول المنطقة نموذجًا ثالثًا يقوم على الشراكة بين القوى الآسيوية الديمقراطية، بدلًا من الاعتماد الكامل على القوى الكبرى أو الانخراط في سياسة المحاور.

وفي الوقت ذاته، تواصل نيودلهي تعزيز مبادرة "الهند المعتمدة على الذات" (Atmanirbhar Bharat)، التي تستهدف تطوير قاعدة صناعية دفاعية وطنية، بينما ترى في اليابان شريكًا رئيسيًا لنقل التكنولوجيا، والتصنيع المشترك، وتطوير الصناعات المتقدمة.

أما اليابان، فتنظر إلى الهند باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه في تنويع سلاسل الإمداد العالمية، وتقليل الاعتماد الاقتصادي على الصين، وتعزيز أمن طرق التجارة البحرية التي تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد الياباني.

وبذلك، لم تعد العلاقة بين البلدين مجرد تقاطع مصالح مرحلي، وإنما أصبحت تستند إلى إدراك متبادل بأن أمن كل منهما بات يرتبط بصورة متزايدة باستقرار الآخر، وباستقرار البيئة الاستراتيجية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ ككل.

خاتمة

توضح الشراكة الهندية–اليابانية أن التحولات الجارية في آسيا لم تعد تُدار حصريًا من قبل القوى الكبرى، بل أصبحت القوى الإقليمية نفسها تلعب دورًا متزايدًا في صياغة مستقبل النظام الإقليمي.

فمنذ أن طرح شينزو آبي عام 2007 رؤيته حول "التقاء البحرين"، تطورت الفكرة من تصور فكري إلى إطار استراتيجي متكامل أصبح يشكل أحد أهم مرتكزات النظام الإقليمي في المحيطين الهندي والهادئ.

واليوم، وبعد ما يقرب من عقدين على ذلك الخطاب، تبدو الهند واليابان أكثر استعدادًا لتحمل مسؤولية مشتركة في حماية النظام البحري القائم على القواعد، وتعزيز حرية الملاحة، وتأمين سلاسل الإمداد، وبناء شراكات اقتصادية وتقنية قادرة على مواجهة التحديات التي تفرضها المنافسة بين القوى الكبرى.

كما تكشف نتائج قمة مودي–تاكائيتشي أن العلاقات الثنائية دخلت مرحلة جديدة تتجاوز التعاون الدبلوماسي والاقتصادي التقليدي، لتشمل مجالات الأمن، والدفاع، والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع المشترك، وهو ما يمنحها طابعًا استراتيجيًا طويل الأمد.

وفي ظل ما يشهده النظام الدولي من انتقال تدريجي نحو التعددية القطبية، تبدو الشراكة الهندية–اليابانية مرشحة للقيام بدور محوري في رسم ملامح النظام الآسيوي الجديد.

فالرسالة الأساسية التي يحملها هذا التقارب هي أن مستقبل منطقة المحيطين الهندي والهادئ لن يُصاغ في العواصم البعيدة وحدها، بل سيُحدد بدرجة متزايدة من خلال إرادة القوى الآسيوية المقيمة فيها، وقدرتها على بناء منظومة إقليمية أكثر توازنًا، وأكثر استقلالية، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

ومن ثم، فإن الشراكة بين نيودلهي وطوكيو لم تعد مجرد خيار دبلوماسي أو تحالف ظرفي فرضته التحولات الدولية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان الأمن، والاستقرار، والازدهار في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية وتأثيرًا في مستقبل النظام الدولي.