هل يمكن تطبيق نموذج التعايش المغربي على غزة والضفة الغربية لتحقيق السلام والأمن والتنمية للفلسطينيين والإسرائيليين؟
المقدمة
يبدو التساؤل حول إمكانية نقل ثقافةٍ تاريخيةٍ راسخة من التعايش إلى ساحة صراع جيوسياسي نشط، للوهلة الأولى، وكأنه ينطوي على خلطٍ بين سياقين مختلفين؛ فثقافات التعايش ليست نتاج قرارات سياسية عابرة، بل هي حصيلة قرون من الحياة المشتركة، واللغة المتداولة، وتداخل المناسبات والطقوس الدينية، وتشابك المصالح والاعتماد الاقتصادي المتبادل. أما الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، فهو نزاع يتمحور حول السيادة، والأرض، والأمن، وحق تقرير المصير بين شعبين لا تجمعهما، في الغالب، دولة واحدة، ولا لغة حياة يومية مشتركة، ولا سردية تاريخية متفق عليها.
ومع ذلك، فإن طرح هذا السؤال لا يخلو من وجاهة. فالمغرب يكاد ينفرد بين الدول العربية والإسلامية ذات الأغلبية المسلمة بالحفاظ على حضور يهودي متواصل امتد قرابة ألف عام، وأسهم في تشكيل الجغرافيا الحضرية للمملكة، وشبكاتها التجارية، وبنية البلاط الملكي، وذاكرتها الجماعية. غير أن هذا التاريخ ليس أسطورة عن انسجامٍ مطلق، كما أنه لا يمثل سابقة جاهزة لحل نزاع إقليمي معاصر حول الأرض والسيادة؛ بل هو حصيلة من الممارسات والمؤسسات والرموز التي قد تدفع الباحث الجاد في مأزق الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى التساؤل عمّا إذا كان بالإمكان الإفادة منها، وكيف يمكن ذلك، في البحث عن سلامٍ استعصى على أجيالٍ من الدبلوماسيين والوسطاء.
وتتناول هذه الدراسة هذا السؤال بجدية، من دون الانزلاق إلى استنتاجات متفائلة أو تبسيطية. وتنقسم إلى ستة محاور رئيسية. يبدأ المحور الأول بتتبع التطور المفاهيمي لمصطلح التعايش (Convivencia) منذ ظهوره في الكتابات التاريخية الإسبانية وحتى اعتماده لوصف العلاقات الإسلامية–اليهودية في المغرب. ويستعرض المحور الثاني السجل التاريخي للتعايش المغربي، بينما يناقش المحور الثالث الأدبيات النقدية التي أعادت تقييم هذه التجربة وراجعت القراءات الرومانسية لها. أما المحور الرابع فيتناول الأطر المؤسسية التي استطاع المغرب من خلالها الجمع بين صون تراثه اليهودي والحفاظ على التزامه السياسي بالقضية الفلسطينية، ويتجلى ذلك بصورة خاصة في رئاسة المؤسسة الملكية للجنة القدس. وينتقل المحور الخامس إلى تحليل الفوارق البنيوية بين التجربة المغربية التاريخية والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي كما هو قائم في عام 2026، في ظل هشاشة وقف إطلاق النار في غزة، وتعثر جهود إعادة الإعمار، واستمرار تدهور الأوضاع في الضفة الغربية. وأخيرًا، يبحث المحور السادس فيما إذا كان بالإمكان نقل أي عناصر من التجربة المغربية إلى السياسات والممارسات المتعلقة بالفلسطينيين والإسرائيليين، مع تحديد الحدود التي تقف عندها إمكانات هذا النقل.
وتقوم الأطروحة الرئيسة للدراسة على أن التعايش ليس مشروعًا سياسيًا للسلام، بل منظومة أخلاقية وقيمية يمكن أن تُثري العمل السياسي وتدعمه، من دون أن تكون بديلًا عنه أو تحل محله.
2. التعايش (Convivencia): الجذور الفكرية والإشكاليات المفاهيمية
لم يكن مصطلح التعايش (Convivencia) من المصطلحات التي نشأت في المغرب، بل ظهر لأول مرة في السياق الفكري الإسباني. فقد صاغه المؤرخ وعالم فقه اللغة الإسباني أميريكو كاسترو (Américo Castro) عام 1948، أثناء وجوده في المنفى بالولايات المتحدة عقب الحرب الأهلية الإسبانية، في كتابه «إسبانيا في تاريخها: المسيحيون والمسلمون واليهود» (España en su historia: cristianos, moros y judíos) (Castro, 1948).
استخدم كاسترو هذا المفهوم لمعارضة السردية التاريخية التي روّج لها نظام فرانكو، والتي صورت إسبانيا باعتبارها دولة كاثوليكية خالصة ومتجانسة عبر تاريخها. وذهب إلى أن الهوية الإسبانية لم تتشكل من مكون ديني واحد، وإنما كانت حصيلة قرون من التفاعل بين المسلمين والمسيحيين واليهود في شبه الجزيرة الإيبيرية خلال العصور الوسطى (Wolf, 2009).
وسرعان ما ارتبط مفهوم التعايش بالصورة التاريخية للأندلس الإسلامية، ولا سيما قرطبة الأموية، بوصفها نموذجًا لعصر ازدهرت فيه العلاقات بين أتباع الديانات الثلاث، وشهد نشاطًا فكريًا وفلسفيًا وترجميًا واسعًا، امتد منذ الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية عام 711م حتى طرد اليهود من إسبانيا عام 1492م.
غير أن هذا المفهوم ظل، منذ ظهوره، موضع جدل واسع، بل حمل في داخله قدرًا من التناقض. فقد أوضح المؤرخ كينيث باكستر وولف أن انتشار المصطلح ارتبط في كثير من الأحيان بنزعة إلى إضفاء طابع رومانسي على مرحلة تاريخية اتسمت، في الواقع، بعلاقات هرمية لم تخلُ من التوتر والعنف في بعض الفترات. فقد خضع المسيحيون واليهود في ظل الحكم الإسلامي لنظام الذمة، الذي وفر لهم الحماية القانونية، لكنه وضعهم في مرتبة قانونية أدنى من المسلمين (Wolf, 2009).
وفي السياق ذاته، قدمت الباحثة مايا سويفر نقدًا مهمًا للمفهوم في دراستها المعنونة «ما بعد التعايش» (Beyond Convivencia)، حيث رأت أن الاستخدام المتكرر للمصطلح بوصفه مرادفًا للتسامح أضعف قيمته التفسيرية. وأكدت أن مفهوم التعايش ينبغي أن يُفهم بوصفه وصفًا تحليليًا لعلاقة تاريخية قامت على التعايش الوظيفي والمستمر بين جماعات دينية مختلفة، رغم عدم التكافؤ في المكانة القانونية والسياسية بينها، لا باعتباره نموذجًا مثاليًا للمساواة أو الانسجام الكامل (Soifer, 2009).
وبعبارة أخرى، فإن مفهوم التعايش حمل منذ نشأته بذور النقد الموجه إليه؛ فهو يشير إلى حقيقة تاريخية تتمثل في استمرار الحياة المشتركة بين جماعات دينية مختلفة ضمن إطار اجتماعي وسياسي واحد، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام قراءات مثالية لا تسندها الوقائع التاريخية بصورة كاملة.
وتكتسب هذه الازدواجية أهمية خاصة عند تطبيق المفهوم على الحالة المغربية. فالحديث عن «التعايش المغربي» لا يعني الادعاء بأن المسلمين واليهود عاشوا في ظل مساواة كاملة، بل يعني أنهم عاشوا، على مدى ما يقارب ألف عام، في إطار من القرب الاجتماعي والتفاعل الاقتصادي والتأثير المتبادل، ضمن نظام سياسي لم يكن متكافئًا في الحقوق، لكنه أتاح نشوء أنماط مستقرة من الحياة المشتركة اكتسبت مع الزمن مضمونًا اجتماعيًا وثقافيًا حقيقيًا.
ومن ثم، فإن القيمة التحليلية لمفهوم التعايش لا تكمن في تصوير الماضي بوصفه عصرًا مثاليًا، وإنما في تفسير الكيفية التي استطاعت بها مجتمعات متعددة الأديان أن تطور، رغم التفاوتات القائمة بينها، أشكالًا من التعايش المستدام يمكن دراستها والاستفادة من بعض عناصرها في سياقات أخرى، مع مراعاة اختلاف الظروف التاريخية والسياسية.
3. المسار التاريخي للتعايش الإسلامي–اليهودي في المغرب
تُعدّ الجالية اليهودية في المغرب من أقدم الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي، إذ تعود جذورها إلى ما قبل الفتح العربي لشمال أفريقيا، قبل أن يتعزز وجودها لاحقًا بفعل موجات الهجرة اليهودية القادمة من شبه الجزيرة الإيبيرية، ولا سيما عقب مرسوم طرد اليهود من إسبانيا عام 1492 (Chtatou, 2022).
وخلال القرن العشرين، احتضن المغرب أكبر تجمع يهودي في العالمين العربي والإسلامي. إلا أن موجات الهجرة الجماعية إلى إسرائيل وفرنسا ودول أخرى، الممتدة من خمسينيات القرن الماضي إلى سبعينياته، أدت إلى تقلص عدد اليهود المغاربة إلى بضعة آلاف فقط. ومع ذلك، لا يزال المغرب يضم أكبر جالية يهودية مقيمة في العالم العربي، مدعومة بشبكة واسعة من المعابد، والمدارس اليهودية، والمؤسسات الثقافية والتراثية، وفي مقدمتها مؤسسة التراث اليهودي المغربي، إضافة إلى المتحف اليهودي في الدار البيضاء، الذي يُعد المتحف اليهودي الوحيد من نوعه في العالم العربي (Chtatou, 2022).
الملاح: فضاء للتنظيم المجتمعي والتفاعل الحضري
شكّل الملاح، وهو الحي اليهودي التقليدي في المدن المغربية، الركيزة المؤسسية الأبرز للعلاقات الإسلامية–اليهودية داخل المجال الحضري المغربي. وقد أصبح هذا النمط العمراني سمة مميزة للمدن المغربية منذ القرن الرابع عشر.
إلا أن الدراسات التاريخية الحديثة أعادت النظر في الصورة التقليدية التي كانت تنظر إلى الملاح بوصفه مجرد حي مغلق يشبه «الغيتو» الأوروبي. فقد بينت الأبحاث التي أنجزتها إيميلي غوترايش حول ملاح مراكش، وكذلك دراسات دانيال شرويتر عن مدينة الصويرة والتاجر اليهودي مائير ماكنين، أن الملاح لم يكن فضاءً للعزل القسري بقدر ما كان إطارًا لتنظيم المجتمع اليهودي ذاتيًا (Gottreich, 2007؛ Schroeter, 2002).
فقد احتضن مؤسسات القضاء الديني اليهودي، ومراكز الحرف التقليدية، وشبكات النشاط التجاري، الأمر الذي أتاح للطائفة اليهودية الحفاظ على خصوصيتها الدينية والاجتماعية، مع بقائها مندمجة بصورة وثيقة في الاقتصاد الحضري المغربي.
ولم تقتصر العلاقة بين المسلمين واليهود على التعايش الشكلي، بل تجلت في أنماط يومية من التعاون الاقتصادي. فقد كان المسلمون يقصدون الأحياء اليهودية للتجارة، وطلب الخدمات الحرفية، والاقتراض، بينما كان بعض الحرفيين المسلمين يزاولون أعمالهم داخل الملاح نفسه، ومن بينهم أصحاب المخابز الذين كانوا يوفرون الخبز للعائلات اليهودية أيام السبت، بما ينسجم مع الأحكام الدينية اليهودية التي تحظر إشعال النار في يوم السبت (Chtatou, 2022، نقلًا عن سيمون ليفي).
وتكشف هذه الممارسات عن درجة عالية من الاعتماد المتبادل، حيث لم يكن التفاعل بين المجتمعين استثناءً، بل كان جزءًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية اليومية.
القواسم الثقافية والدينية بوصفها عوامل مساعدة على التعايش
يرى عالم الاجتماع المغربي سيمون ليفي أن استمرار التعايش الإسلامي–اليهودي في المغرب لم يكن نتيجة الترتيبات السياسية وحدها، بل استند أيضًا إلى مجموعة من القواسم الثقافية والدينية المشتركة التي هيأت بيئة مناسبة للتفاعل بين المجتمعين.
ومن أبرز هذه العوامل:
- الإيمان المشترك بإله واحد.
- التشابه في عدد من قواعد الطهارة الدينية.
- ممارسة الختان في الديانتين.
- التقارب في بعض الأحكام المتعلقة بالطعام والأسرة.
- وجود منظومات أخلاقية وطقسية متقاربة في جوانب متعددة من الحياة اليومية.
وقد أسهمت هذه العناصر، وفقًا لليفي، في تعزيز أنماط من التفاهم الاجتماعي خففت من حدة الاختلافات الدينية، ورسخت ثقافة التعايش على المستوى المجتمعي.
اليهود ودورهم في مؤسسات الدولة المغربية
لم يقتصر إسهام اليهود المغاربة على المجال التجاري، بل امتد إلى مواقع مؤثرة داخل الدولة نفسها.
ويبرز دانيال شرويتر نموذج مائير ماكنين، الذي تحول خلال مطلع القرن التاسع عشر إلى أحد أبرز الوسطاء بين السلاطين العلويين والقوى الأوروبية. فقد لعب دورًا محوريًا في إدارة العلاقات التجارية والدبلوماسية، متنقلًا بين المغرب وجبل طارق ولندن، مع احتفاظه بمكانته داخل البلاط المغربي (Schroeter, 2002).
غير أن هذه المكانة الرفيعة لم تُخرجه من الإطار القانوني الذي حكم وضع اليهود بوصفهم من أهل الذمة؛ إذ ظل نفوذه مرتبطًا بحماية السلطان، بما يعكس الطبيعة المركبة للعلاقة بين الاندماج الاجتماعي والتفاوت القانوني.
الذاكرة الملكية وحماية اليهود المغاربة
تمثل فترة حكم الملك محمد الخامس إحدى أكثر المحطات رسوخًا في الذاكرة المشتركة للمسلمين واليهود في المغرب.
فخلال فترة خضوع المغرب لحكومة فيشي الفرنسية، رفض الملك السماح بتطبيق التشريعات العنصرية المعادية لليهود على رعاياه اليهود، وهو موقف أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من السردية الوطنية المغربية، كما يحتل مكانة بارزة في الذاكرة الجماعية لليهود المغاربة داخل المغرب وخارجه (Chtatou, 2022).
وقد أسهم هذا الحدث في ترسيخ صورة المؤسسة الملكية باعتبارها ضامنًا للتعددية الدينية وحاميةً لمكونات الهوية المغربية المختلفة.
إحياء التراث اليهودي في المغرب المعاصر
لم يقتصر الاهتمام المغربي بالتراث اليهودي على استحضار الماضي، بل تُرجم إلى سياسات ثقافية ومؤسساتية ملموسة خلال العقود الأخيرة.
ومن أبرز هذه المبادرات جمعية ميمونة، التي أسسها طلاب مغاربة مسلمون بهدف الحفاظ على التراث اليهودي المغربي، وأسهمت عام 2011 في تنظيم أول مؤتمر لإحياء ذكرى الهولوكوست في العالم العربي، بجامعة الأخوين في إفران (Distinctions Journal, 2023).
كما يمثل بيت الذاكرة (بيت دكيرة) بمدينة الصويرة أحد أبرز المشاريع الثقافية المخصصة لتوثيق الوجود اليهودي في المغرب، إلى جانب برنامج واسع لترميم عشرات المعابد والمقابر اليهودية في مختلف أنحاء المملكة، برعاية مباشرة من الملك محمد السادس (Chtatou, 2022).
وتعكس هذه المبادرات تحول الحفاظ على التراث اليهودي من مجرد اهتمام تاريخي إلى سياسة ثقافية رسمية، تؤكد أن هذا التراث يُعد جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية المغربية، وليس مجرد إرث يخص أقلية دينية.
4. المراجعات التاريخية: السلطة، والتراتبية الاجتماعية، وحدود نموذج التعايش
رغم المكانة التي يحتلها مفهوم التعايش المغربي في الأدبيات التاريخية والسياسية، فإن العقود الأخيرة شهدت بروز تيار أكاديمي أعاد النظر في كثير من المسلمات التي ارتبطت بهذه التجربة. فقد رأى عدد من المؤرخين والباحثين أن الصورة الشائعة عن المغرب بوصفه نموذجًا استثنائيًا للتسامح الديني تميل إلى تبسيط الواقع التاريخي، وتتجاهل طبيعة البنية السياسية والاجتماعية التي حكمت العلاقات بين المسلمين واليهود عبر قرون طويلة.
ولا تهدف هذه المراجعات إلى نفي وجود التعايش أو التقليل من أهميته، وإنما إلى وضعه في سياقه التاريخي الصحيح، بعيدًا عن القراءات المثالية التي تحوّل التجربة إلى نموذج خالٍ من التوترات أو الاختلالات.
نقد الرواية التقليدية للتعايش
يُعد الباحث المغربي عمر بوم (Aomar Boum) من أبرز ممثلي هذا الاتجاه النقدي. ففي أعماله المتعلقة بتاريخ اليهود المغاربة وذاكرة التعايش، ولا سيما دراساته الإثنوغرافية حول المجتمعات الجنوبية في المغرب، يجادل بأن جانبًا من الأدبيات الغربية والعربية بالغ في تصوير العلاقات الإسلامية–اليهودية باعتبارها نموذجًا للتسامح المطلق، في حين أن الوقائع التاريخية تكشف صورة أكثر تعقيدًا (Boum, 2013).
ويرى بوم أن العلاقات بين المسلمين واليهود كانت، في معظم مراحلها، علاقات تعايش حقيقية، لكنها لم تكن قائمة على المساواة القانونية أو السياسية. فقد عاش اليهود داخل المجتمع المغربي بوصفهم جماعة محمية، إلا أنهم ظلوا خاضعين لمنظومة قانونية واجتماعية تميز بينهم وبين الأغلبية المسلمة.
ومن ثم، فإن الحديث عن التعايش ينبغي ألا يُفهم بوصفه مرادفًا للمساواة، وإنما باعتباره إطارًا تاريخيًا سمح باستمرار الحياة المشتركة رغم وجود تفاوتات في المكانة والحقوق.
التعايش لا يعني غياب الصراع
وتؤكد الدراسات التاريخية أن العلاقات الإسلامية–اليهودية في المغرب لم تكن مسارًا متصلًا من الوئام والاستقرار، بل شهدت، في بعض المراحل، موجات من التوتر والعنف ارتبطت غالبًا بالأزمات السياسية أو الاقتصادية.
فقد سجلت المصادر التاريخية حوادث اعتداء على بعض التجمعات اليهودية، وأعمال نهب، وفرض قيود إضافية في فترات معينة، فضلًا عن حالات محدودة من التحول الديني القسري أو الهجرة الاضطرارية. ومع ذلك، فإن هذه الأحداث ظلت استثناءً بالنسبة إلى المسار العام للعلاقة، ولم تتحول إلى سياسة ممنهجة أو صراع دائم بين المجتمعين.
ويشير الباحثون إلى أن أهمية التجربة المغربية لا تكمن في خلوها من الأزمات، وإنما في قدرتها على استعادة التوازن بعد تلك الأزمات، واستمرار أنماط الحياة المشتركة عبر أزمنة طويلة.
إشكالية نظام أهل الذمة
يشكل نظام أهل الذمة أحد أكثر الموضوعات إثارة للنقاش في تقييم تجربة التعايش، فمن منظور الفقه الإسلامي التقليدي، وفر هذا النظام لليهود والمسيحيين حماية قانونية، وضمانًا لممارسة شعائرهم الدينية، واستقلالًا نسبيًا في إدارة شؤونهم الشخصية والدينية، مقابل الالتزام بمجموعة من الواجبات، أبرزها دفع الجزية والاعتراف بسلطة الدولة الإسلامية. غير أن عددًا من الباحثين المعاصرين يرون أن هذا النظام، رغم ما وفره من حماية، كان يؤسس أيضًا لتراتبية قانونية واضحة، تميز بين المسلمين وغير المسلمين في الحقوق والواجبات.
ولهذا، فإن تقييم التجربة المغربية يختلف باختلاف المنظور الذي يُنظر منه إلى نظام الذمة؛ فبينما يراه بعض الباحثين إطارًا تاريخيًا متقدمًا مقارنة بما كان سائدًا في أوروبا خلال الفترة نفسها، يعتبره آخرون دليلًا على غياب المساواة القانونية الكاملة.
النخبة اليهودية وحدود النفوذ السياسي
تتناول الدراسات النقدية كذلك أوضاع النخبة اليهودية التي شغلت مواقع مؤثرة داخل الدولة المغربية، ويبين دانيال شرويتر أن شخصيات مثل مائير ماكنين، رغم ما تمتعت به من ثروة ونفوذ وعلاقات دولية واسعة، ظلت تعتمد في استمرار مكانتها على رضا السلطان وحمايته (Schroeter, 2002). فلم تكن تلك المكانة تستند إلى حقوق سياسية مستقلة أو إلى مؤسسات تضمن استمراريتها، وإنما إلى طبيعة العلاقة الشخصية مع السلطة. ولذلك ظل كبار التجار والمسؤولين اليهود معرضين لفقدان نفوذهم أو مصادرة ممتلكاتهم إذا تبدلت الظروف السياسية أو فقدوا حماية الدولة. وتكشف هذه الحقيقة عن الطبيعة المركبة للتعايش المغربي؛ إذ جمع بين الاندماج الاقتصادي والاجتماعي من جهة، واستمرار التفاوت في موازين السلطة من جهة أخرى.
إعادة تعريف مفهوم التعايش
لا تنتهي هذه المراجعات إلى رفض مفهوم التعايش، بل تدعو إلى إعادة تعريفه بصورة أكثر دقة، فالدراسات التي قدمها عمر بوم وإيميلي غوترايش ودانيال شرويتر لا تنكر وجود علاقات تعاون وتفاعل اجتماعي عميقة بين المسلمين واليهود، لكنها تؤكد أن هذه العلاقات نشأت داخل نظام سياسي واجتماعي لم يكن قائمًا على المساواة القانونية الكاملة. وبناءً على ذلك، يصبح مفهوم التعايش أكثر دقة إذا عُرّف بأنه:
قدرة جماعات دينية وثقافية مختلفة على تطوير أنماط مستقرة من الحياة المشتركة والتعاون الاقتصادي والتفاعل الاجتماعي، رغم وجود تفاوتات في المكانة السياسية أو القانونية، ودون أن تتحول هذه التفاوتات إلى صراع وجودي دائم.
ويعد هذا التعريف أكثر اتساقًا مع الوقائع التاريخية، كما يجنب الباحث الوقوع في ثنائية التمجيد المطلق أو النقد المطلق للتجربة المغربية.
دلالات هذه المراجعات بالنسبة للحالة الفلسطينية–الإسرائيلية
تكتسب هذه القراءة النقدية أهمية خاصة عند محاولة الإفادة من التجربة المغربية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، فإذا كانت التجربة المغربية نفسها لم تقم على مساواة كاملة، فإن استحضارها في سياق يشهد أصلًا اختلالًا كبيرًا في موازين القوة يقتضي قدرًا كبيرًا من الحذر.
ومن ثم، لا يجوز استخدام مفهوم التعايش بوصفه بديلًا عن معالجة القضايا الجوهرية المتعلقة بالسيادة والحقوق والعدالة السياسية. كما لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب يُستخدم لتجاوز الاختلالات البنيوية أو تبرير استمرارها.
وفي المقابل، فإن التجربة المغربية تؤكد أن استمرار العلاقات الإنسانية والثقافية والاقتصادية بين الجماعات المختلفة يمكن أن يسهم في الحد من احتمالات الصراع، حتى في ظل غياب المساواة الكاملة، وهو ما يمنحها قيمة تحليلية يمكن الاستفادة منها، وإن كانت لا تقدم نموذجًا سياسيًا جاهزًا للتطبيق.
تكشف المراجعات التاريخية أن التعايش المغربي لم يكن أسطورة من الانسجام المطلق، كما لم يكن مجرد علاقة هيمنة أحادية. بل كان تجربة تاريخية مركبة، جمعت بين التعاون والتفاوت، وبين الاندماج والاختلاف، وبين الحماية القانونية والتراتبية الاجتماعية.
وهذه الطبيعة المركبة هي التي تمنح التجربة قيمتها العلمية؛ لأنها تقدم نموذجًا واقعيًا للتعايش كما يحدث في التاريخ، لا كما يُتصور في الخطابات المثالية.
الفصل الخامس
التعايش في السياسة المغربية المعاصرة: بين صون التراث اليهودي والالتزام بالقضية الفلسطينية
لم يبقِ المغرب إرثه التاريخي المتعلق بالتعايش الإسلامي–اليهودي في إطار الذاكرة الوطنية أو الدراسات التاريخية فحسب، بل عمل، خلال العقود الأخيرة، على تحويله إلى أحد مكونات سياساته الثقافية والدبلوماسية. وتبرز خصوصية التجربة المغربية في أنها نجحت في الجمع بين ثلاثة مسارات تبدو، للوهلة الأولى، متعارضة: المحافظة على التراث اليهودي باعتباره جزءًا من الهوية الوطنية، وإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل، والاستمرار في دعم الحقوق الفلسطينية والدفاع عن المكانة القانونية والتاريخية للقدس.
ويمثل هذا التداخل بين البعد الثقافي والسياسة الخارجية أحد أبرز ملامح النموذج المغربي، كما يثير تساؤلات مهمة حول الكيفية التي استطاعت بها الدولة إدارة هذه الملفات المتشابكة دون أن تتخلى، رسميًا على الأقل، عن أي منها.
أولًا: المؤسسة الملكية بوصفها الضامن لاستمرارية التعددية
تحتل المؤسسة الملكية موقعًا محوريًا في إدارة التنوع الديني بالمغرب. فالعاهل المغربي لا يمارس صلاحياته بوصفه رئيسًا للدولة فحسب، وإنما يحمل أيضًا لقب «أمير المؤمنين»، وهو ما يمنحه شرعية دينية تضطلع بدور أساسي في حماية التعددية المذهبية والدينية داخل المملكة.
وقد انعكس هذا الدور في سلسلة من السياسات الهادفة إلى صون الموروث اليهودي المغربي، شملت ترميم عشرات المعابد والمقابر اليهودية، وإعادة تأهيل الأحياء التاريخية، ودعم المؤسسات الثقافية المعنية بتوثيق الذاكرة اليهودية.
وتؤكد هذه السياسات أن الدولة المغربية تنظر إلى التراث اليهودي بوصفه مكونًا أصيلًا من الهوية الوطنية، وليس إرثًا يخص أقلية دينية فحسب.
ثانيًا: لجنة القدس وتجسيد الالتزام بالقضية الفلسطينية
يمثل لجنة القدس أبرز تجليات السياسة المغربية تجاه القضية الفلسطينية، وقد أُنشئت اللجنة عام 1975 في إطار منظمة التعاون الإسلامي، وأسندت رئاستها إلى الملك الراحل الحسن الثاني، قبل أن يتولاها الملك محمد السادس منذ عام 1999. ولا يقتصر دور اللجنة على إصدار المواقف السياسية، بل تمتلك ذراعًا تنفيذية تتمثل في وكالة بيت مال القدس الشريف، التي تضطلع بتنفيذ برامج تنموية وإنسانية داخل مدينة القدس.
وتشمل هذه البرامج:
- ترميم المباني التاريخية.
- دعم المؤسسات التعليمية.
- تمويل المشروعات الصحية والاجتماعية.
- الحفاظ على التراث الثقا
