الهوية والدين والقومية والتعبئة السياسية في الشرق الأوسط
المقدمة
تُعد سياسات الهوية، بما تتضمنه من قومية وإثنية ودين وطبقة اجتماعية ونوع اجتماعي (الجندر)، المصدر العاطفي والمعياري الرئيس الذي يغذي عمليات التعبئة السياسية في مختلف الأنظمة السياسية، سواء كانت ديمقراطية أم سلطوية. وقد أسهمت الدراسة المقارنة لهذه الظاهرة في إنتاج بعضٍ من أكثر النقاشات الفكرية حيوية وإثارةً للجدل في حقل العلوم السياسية.
فالقومية، بوصفها الأيديولوجيا التي ترى أن الأمة هي الوحدة الشرعية للسلطة السياسية، فسّرها بندكت أندرسون (Anderson, 1983/2006) باعتبارها نتاجًا لظروف تاريخية ارتبطت بالحداثة، مثل نشوء الرأسمالية الطباعية، وتوحيد اللغات المحلية، وتراجع هيمنة التصورات الدينية الكونية، وليس باعتبارها التعبير الطبيعي عن جماعات بشرية بدائية أو أزلية.
وبالمثل، قدّم إرنست غلنر (Gellner, 1983) تفسيرًا بنيويًا للقومية، ربط نشأتها بالاحتياجات الثقافية المتجانسة التي فرضها المجتمع الصناعي الحديث، بينما ركز إريك هوبسباوم وترنس رينجر (Hobsbawm & Ranger, 1983) على فكرة «اختراع التقاليد»، مؤكدين أن كثيرًا من الهويات الوطنية التي تبدو قديمة ومتجذرة ليست سوى بناءات سياسية حديثة، يمكن تتبع ظروف تشكلها التاريخية وإعادة تفسيرها.
غير أن منطقة الشرق الأوسط تطرح تحديات معقدة أمام هذا الإجماع الحداثي، بما يجعلها ميدانًا خصبًا للتحليل المقارن.
فأولًا، تشكلت الحدود الوطنية في المنطقة إلى حد كبير بفعل التخطيط الإمبراطوري الخارجي، كما حدث في اتفاقية سايكس–بيكو ونظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم، بحيث جاءت الدولة في كثير من الحالات قبل الأمة، وليس العكس، خلافًا لما افترضته النظريات الأوروبية الكلاسيكية (Hourani, 1991؛ Fromkin, 1989).
وثانيًا، يوفر الإسلام إطارًا معياريًا عابرًا للحدود الوطنية، يتمثل في مفاهيم مثل الأمة الإسلامية (الأمة)، والخلافة، والشريعة، وهي مفاهيم سبقت تاريخيًا ظهور الدولة القومية الحديثة، وما تزال تنافسها باعتبارها مصدرًا أعلى للولاء السياسي والشرعية (Piscatori, 1986؛ Zubaida, 1993).
أما ثالثًا، فإن الانقسامات الإثنية والطائفية، كالقضية الكردية، والأمازيغ، والشيعة، والسنة، والمسيحيين، وغيرها، تتقاطع مع المشروع القومي، بل كثيرًا ما تُقوّضه، وهو ما دفع أسامة المقدسي (Makdisi, 2000) إلى وصف «ثقافة الطائفية» بأنها ليست بقايا لكراهية بدائية متوارثة، وإنما تقنية سياسية مستدامة لإدارة السلطة والصراع.
وتجادل هذه الدراسة بأن فهم التعبئة السياسية في الشرق الأوسط لا يتحقق من خلال افتراض هيمنة محور واحد من محاور الهوية على غيره، وإنما عبر النظر إليها باعتبارها عملية تاريخية مستمرة من إعادة التفاوض بين الهويات القومية والدينية والإثنية والطبقية والجندرية، حيث توظفها الدول والفاعلون من غير الدول بصورة براغماتية وفقًا لتحولات الشرعية وتوازنات القوة (Barnett, 1998؛ Telhami & Barnett, 2002).
أولًا: تنظير القومية: الحداثة، والرمزية الإثنية، وحدود كل منهما
تنظر المدرسة الحداثية، التي ارتبطت بأعمال بندكت أندرسون (Anderson, 1983/2006)، وإرنست غلنر (Gellner, 1983)، وإريك هوبسباوم (Hobsbawm, 1990)، إلى الأمة بوصفها نتاجًا للرأسمالية، والبيروقراطية الحديثة، وانتشار التعليم الجماهيري ومحو الأمية.
ويُعد مفهوم أندرسون عن الأمة باعتبارها «جماعة متخيَّلة» (Imagined Community) أحد أكثر المفاهيم تأثيرًا في هذا المجال؛ فهي جماعة "متخيَّلة" لأن أفرادها، رغم أنهم لن يعرفوا معظم أبناء أمتهم معرفة شخصية، فإنهم مع ذلك يتصورون أنفسهم جزءًا من رابطة أفقية مشتركة قائمة على الشعور بالانتماء. ويرى أندرسون أن هذا الإدراك لم يكن ممكنًا لولا ظهور الرأسمالية الطباعية، التي أسهمت في توحيد اللغات المحلية وخلقت إحساسًا بتزامن التجربة التاريخية، وهو الشرط اللازم لنشوء الوعي القومي.
أما غلنر، فقد قدّم تفسيرًا مختلفًا يقوم على الاحتياجات الوظيفية للمجتمع الصناعي؛ إذ يرى أن الاقتصاد الصناعي يتطلب قوة عاملة متجانسة ثقافيًا، تتمتع بمستوى عالٍ من التعليم وقادرة على الحركة داخل سوق عمل واسع وغير شخصي. ومن ثم، تصبح القومية الغطاء السياسي الضروري الذي يلبّي هذه المتطلبات البنيوية للمجتمع الصناعي.
وفي الاتجاه نفسه، أظهر هوبسباوم ورينجر، من خلال كتابهما الشهير اختراع التقاليد، أن كثيرًا من التقاليد التي تُقدَّم بوصفها ضاربة في القدم ــ مثل بعض الطقوس الملكية، والاحتفالات الوطنية، والرموز الشعبية ــ لم تكن في حقيقتها سوى اختراعات حديثة تعود إلى القرن التاسع عشر، جرى توظيفها لإضفاء عمق تاريخي على كيانات سياسية حديثة النشأة.
في المقابل، قدّم أنتوني دي. سميث (Smith, 1986, 1991) تصحيحًا لهذا المنظور الحداثي عبر ما عُرف بالاتجاه الإثني-الرمزي (Ethno-symbolism). فبرأيه، وعلى الرغم من أن الأمم الحديثة تُعد كيانات سياسية جديدة، فإنها غالبًا ما تتشكل حول جماعات إثنية سابقة الوجود تمتلك أساطير مشتركة عن الأصل، وذكريات تاريخية متراكمة، ورموزًا ثقافية راسخة. ومن ثم، فإن مهمة القومية ليست اختراع الهوية من العدم، بل إعادة تفسير هذا الإرث الثقافي وتعبئته سياسيًا.
كما شدد ووكر كونور (Connor, 1994) على البعد العاطفي العميق للهوية القومية، محذرًا من أن المقاربات التي تفسر القومية باعتبارها مجرد أداة تتلاعب بها النخب السياسية تقلل من القوة الوجدانية الهائلة التي تكتسبها هذه الهويات بعد تنشيطها داخل المجتمع.
وتؤكد حالات الشرق الأوسط صحة جانب من الطرحين معًا؛ فالقومية العربية، على سبيل المثال، جرى بناؤها بصورة واعية باعتبارها مشروعًا سياسيًا حديثًا، استخدم الصحافة، والتعليم، والتنظيمات الحزبية، بما يتوافق مع تفسير أندرسون وغلنر. لكنها، في الوقت ذاته، استندت إلى مخزون سابق من اللغة العربية، والروابط القبلية، والرموز الدينية، وهو مخزون منح المشروع القومي قوة رمزية لا يمكن تصنيعها بالكامل، كما يؤكد سميث وكونور (Dawisha, 2003؛ Choueiri, 2000).
ومن ثم، فإن المهمة التحليلية لا تتمثل في ترجيح المدرسة البنائية على المدرسة الإثنية-الرمزية أو العكس، وإنما في دراسة الكيفية التي يوظف بها الفاعلون السياسيون الموارد الثقافية المتاحة ضمن القيود البنيوية الخاصة بكل مرحلة تاريخية.
ثانيًا: الدين والدولة القومية: توتر بنيوي دائم
تتمثل إحدى أهم خصوصيات الشرق الأوسط في العلاقة المعقدة بين الدين ومشروع الدولة القومية. فقد أوضح جيمس بيسكاتوري (Piscatori, 1986) أن الفكر السياسي الإسلامي لم ينسجم تاريخيًا بصورة كاملة مع المنطق الويستفالي القائم على سيادة الدول القومية ذات الحدود المغلقة؛ إذ إن مفهوم الأمة الإسلامية يقوم على تصور جماعة سياسية وأخلاقية واحدة تتجاوز الحدود العرقية والإقليمية.
غير أن سامي زبيدة (Zubaida, 1993) بيّن أن الدول العربية الحديثة نجحت، بدرجات متفاوتة، في توظيف الرموز الإسلامية لخدمة مشاريعها الوطنية. فقد طورت مصر، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، صيغًا مختلفة لما يمكن تسميته بـ«الإسلام الرسمي»، الذي يربط المرجعية الدينية بحدود الدولة الوطنية، ويحدّ من النزعة العالمية الكامنة في مفهوم الأمة الإسلامية.
أما نزيه الأيوبي (Ayubi, 1991)، فقد رأى أن هذا التوظيف الديني يمثل سمة أساسية لما وصفه بـ«الدولة العربية المتضخمة»، وهي دولة تمتلك أجهزة قوية للسيطرة والإكراه والهيمنة الرمزية، لكنها تعاني في الوقت نفسه ضعفًا في الشرعية السياسية المستقلة، الأمر الذي يدفعها باستمرار إلى استعارة الشرعية الدينية لتعويض هشاشة الإجماع الوطني.
ومن جانبه، قدّم فريد هاليداي (Halliday, 2000) تمييزًا تحليليًا مهمًا بين ثلاثة استخدامات مختلفة للدين في السياسة:
- الدين بوصفه علامة للهوية الجماعية، تؤدي وظيفة مشابهة للهوية الإثنية.
- الدين باعتباره أيديولوجيا سياسية شاملة، كما في الحركات الإسلامية.
- الدين باعتباره خطابًا تستخدمه الدولة لإضفاء الشرعية على سلطتها.
ورغم أن هذه الأبعاد الثلاثة تتداخل في الواقع العملي، فإنها ليست شيئًا واحدًا.
ففي سوريا البعثية، على سبيل المثال، تبنت النخبة الحاكمة، التي انحدر جزء كبير منها من الطائفة العلوية، خطابًا قوميًا عربيًا علمانيًا، لأن الهوية الطائفية وحدها لم تكن قادرة على إنتاج شرعية وطنية عامة (Batatu, 1999).
أما في المملكة العربية السعودية، فقد اندمجت الشرعية الأسرية للدولة منذ تأسيسها مع المرجعية الدينية الوهابية، ليشكلا معًا أساسًا واحدًا للسلطة السياسية (Al-Rasheed, 2010).
ويؤكد هذا التباين صحة ما ذهب إليه مايكل بارنيت (Barnett, 1998)، من أن السياسة العربية تدور داخل فضاء معياري مشترك يضم القومية العربية، والإسلام السياسي، والسيادة الوطنية، إلا أن معاني هذه المفاهيم تظل محل صراع دائم بين النخب السياسية، التي تعيد توظيفها وفقًا لمصالحها الداخلية والإقليمية.
ثالثًا: القومية العربية وتحولاتها التاريخية
نشأت القومية العربية (القومية) في أواخر العهد العثماني على أيدي نخبة من المثقفين العرب، من المسلمين والمسيحيين على السواء، في بلاد الشام، الذين سعوا إلى بناء رابطة قومية تتجاوز الانقسامات الطائفية والولاءات الأسرية والسلالية، مستندين إلى اللغة العربية والثقافة المشتركة بوصفهما الأساس الذي تقوم عليه الأمة العربية. وقد جاء هذا المشروع متوافقًا مع تصور بندكت أندرسون للأمة باعتبارها "جماعة متخيلة" تتشكل عبر الثقافة المطبوعة ووسائل الاتصال الحديثة، حيث لعبت الصحف، والكتب، والجمعيات الأدبية والسياسية دورًا رئيسًا في ترسيخ الشعور القومي العربي (Hourani, 1991؛ Dawisha, 2003).
ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، ثم حصول معظم الدول العربية على استقلالها، تحولت القومية العربية من حركة ثقافية وفكرية إلى مشروع سياسي متكامل، بلغ ذروته خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مع صعود جمال عبد الناصر، وحزب البعث في كل من سوريا والعراق.
وخلال تلك المرحلة، أعادت الناصرية والبعثية صياغة القومية العربية باعتبارها أيديولوجيا للتحرر من الاستعمار، وتحقيق الوحدة العربية، وتبنّي سياسة عدم الانحياز، وإقامة مشروع تنموي مستقل. وقد تجسد هذا الطموح بصورة عملية في تجربة الجمهورية العربية المتحدة (1958–1961)، التي مثلت المحاولة الأكثر طموحًا لتحقيق الوحدة العربية الحديثة (Choueiri, 2000).
إلا أن هذا المشروع واجه منذ البداية تناقضًا بنيويًا عميقًا، أشار إليه فؤاد عجمي (Ajami, 1978)، يتمثل في أن القومية العربية كانت تمنح الشرعية للأمة العربية باعتبارها الوحدة السياسية الحقيقية، بينما كانت الأنظمة القائمة تستند في وجودها إلى الدولة القطرية ذات الحدود الوطنية. وهكذا وجد النظام العربي نفسه أمام معادلة متناقضة؛ فهو يدعو إلى تجاوز الدولة الوطنية، في حين يعتمد في بقائه على مؤسساتها وحدودها وسيادتها.
وقد عبّر الأدبيات العربية عن هذا التناقض بالتمييز بين مفهومين:
- القومية العربية (القومية) التي تجعل الأمة العربية وحدة سياسية واحدة.
- الوطنية القطرية (القطرية) التي تمنح الولاء للدولة الوطنية القائمة.
وكان من الصعب التوفيق بين المشروعين في آن واحد، الأمر الذي خلق أزمة شرعية مزمنة داخل كثير من الأنظمة العربية.
وتُعد هزيمة يونيو/حزيران 1967 نقطة التحول الكبرى في تاريخ القومية العربية؛ إذ لم تكن مجرد هزيمة عسكرية أمام إسرائيل، بل مثلت انهيارًا رمزيًا للمشروع القومي ذاته، بعدما فقدت الأنظمة القومية قدرتها على إقناع الجماهير بأنها تمثل طريق النهضة والتحرير والوحدة (Ajami, 1978؛ Kerr, 1971).
وقد أدى هذا الانهيار إلى فراغ أيديولوجي واسع، استغلته لاحقًا الحركات الإسلامية، التي قدمت نفسها بوصفها البديل القادر على استعادة الكرامة والهوية والعدالة، بعدما أخفقت المشاريع القومية في تحقيق وعودها (Kepel, 2002).
وتكشف دراسة حنا بطاطو (Batatu, 1999) حول سوريا عن جانب آخر من أزمة القومية العربية؛ إذ يوضح أن الخطاب البعثي ظل يرفع شعارات الوحدة العربية والاشتراكية، بينما كانت السلطة الفعلية تنتقل تدريجيًا إلى شبكات ضيقة تقوم على الانتماء الطائفي والروابط الريفية والعائلية.
وبذلك أصبحت القومية العربية، في كثير من الحالات، غطاءً أيديولوجيًا يمنح النظام شرعية رمزية، بينما كانت السلطة تُدار عمليًا عبر شبكات زبائنية وطائفية وشخصية، وهو ما يمثل مثالًا واضحًا على توظيف الهوية لأغراض الحفاظ على السلطة أكثر من كونها إطارًا حقيقيًا للتكامل الوطني.
رابعًا: البديل الإسلامي... الدين بوصفه أيديولوجيا للتعبئة السياسية
أدى تراجع المشروع القومي العربي إلى فتح المجال أمام صعود الحركات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت تمتلك قبل ذلك بنية تنظيمية راسخة وشبكات اجتماعية واسعة، مكنتها من استثمار التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة (Kepel, 2002؛ Wickham, 2002).
وتقدم كاري ويكهام (Wickham, 2002) تفسيرًا مختلفًا لصعود الإسلام السياسي؛ فهي ترى أن نجاح هذه الحركات لا يعود إلى قوة الخطاب الديني وحده، بل إلى قدرتها على بناء شبكات اجتماعية موازية للدولة، شملت الجمعيات الخيرية، والنقابات المهنية، والمؤسسات التعليمية، والخدمات الصحية، بما وفر للمواطنين مظلة اجتماعية في ظل تراجع دور الدولة نتيجة برامج الإصلاح الاقتصادي والخصخصة.
وبذلك لم يعد الإسلام السياسي مجرد خطاب أيديولوجي، بل أصبح إطارًا اجتماعيًا متكاملًا ينتج التضامن الاجتماعي، ويوفر الخدمات، ويعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والمجتمع.
وفي السياق نفسه، تؤكد سلمى إسماعيل (Ismail, 2003) أن قوة الحركات الإسلامية تكمن أيضًا في قدرتها على إعادة تشكيل الحياة اليومية للأفراد؛ فمن خلال حلقات المساجد، وبرامج التربية الدينية، وقواعد السلوك الاجتماعي، وأنماط اللباس، والرقابة الأخلاقية داخل الأحياء، استطاعت هذه الحركات أن تنتج ثقافة اجتماعية جديدة، أصبحت جزءًا من عملية التعبئة السياسية نفسها.
أما أوليفييه روا (Roy, 1994)، فقد قدّم قراءة أكثر نقدية لمسار الإسلام السياسي، إذ رأى أن المشروع الإسلامي الثوري، الذي كان يطمح إلى إعادة أسلمة الدولة والمجتمع بصورة شاملة، قد أخفق إلى حد كبير بحلول تسعينيات القرن العشرين.
وفي المقابل، ظهرت أنماط جديدة من التدين، وصفها بـ"الأصولية الجديدة" (Neo-Fundamentalism)، وهي تيارات تركز على المحافظة الاجتماعية والالتزام الديني الفردي أكثر من تركيزها على السيطرة المباشرة على السلطة السياسية.
وقد أثبتت تطورات ما بعد عام 2011 صحة هذا التحليل؛ إذ كشفت تجارب الإسلاميين في الحكم عن تباينات كبيرة.
ففي مصر، انتهت تجربة جماعة الإخوان المسلمين في السلطة بصورة سريعة وصدامية، بينما اختارت حركة النهضة في تونس مسارًا أكثر براغماتية، قائمًا على التوافق مع التعددية السياسية وقبول قواعد اللعبة الديمقراطية (Cavatorta & Merone, 2015).
وتشير هذه الحالات إلى أن الإسلام السياسي ليس تيارًا واحدًا متجانسًا، بل يضم اتجاهات متعددة تختلف في رؤيتها للدولة والمجتمع والعمل السياسي.
ويعزز هذا الاستنتاج كل من دينيز كانديوتي (Kandiyoti, 1991) وجيل كيبل (Kepel, 2002)، اللذين يبينان أن الحركات الإسلامية نفسها انقسمت إلى تيارات إصلاحية، وثورية، وسلمية، وجهادية، ووطنية، وعابرة للحدود، بما يجعل الحديث عن "الإسلام السياسي" باعتباره فاعلًا واحدًا أو مشروعًا موحدًا أمرًا يفتقر إلى الدقة العلمية.
بل إن قدرة هذه الحركات على التعبئة السياسية ظلت مرتبطة، بدرجة كبيرة، بالسياقات المحلية، وبطبيعة الدولة، وبنية المجتمع، والفرص السياسية المتاحة، أكثر من ارتباطها بعقيدة أيديولوجية ثابتة.
خامسًا: الطائفية والإثنية وسياسات التفكيك السياسي
إذا كانت القومية العربية والإسلام السياسي قد سعيا، كلٌّ بطريقته، إلى تجاوز الانقسامات ما دون الوطنية عبر بناء هويات جامعة، فإن اتجاهًا مهمًا في الأدبيات المقارنة ركّز على الكيفية التي جرى بها إنتاج الهويات الطائفية والإثنية وإعادة توظيفها سياسيًا، بدل النظر إليها باعتبارها مجرد بقايا اجتماعية موروثة من الماضي.
ويُعد عمل أسامة المقدسي (Makdisi, 2000) حول الطائفية في لبنان من أهم الدراسات في هذا المجال؛ إذ يبرهن على أن الطائفية، بصورتها السياسية الحديثة، ليست امتدادًا طبيعيًا لانقسامات دينية قديمة، وإنما نتاج تاريخي ارتبط بإصلاحات الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر، وبالتدخلات الأوروبية التي أعادت تنظيم المجتمع اللبناني ضمن جماعات طائفية محددة قانونيًا وإداريًا.
وبذلك، أصبحت الطائفة وحدة سياسية وإدارية واضحة المعالم، بعد أن كانت الانتماءات الاجتماعية أكثر مرونة وتداخلًا. ويشبه هذا التحول، من الناحية النظرية، ما طرحه بندكت أندرسون وإريك هوبسباوم بشأن القومية؛ فكلاهما يؤكد أن الهويات السياسية ليست معطيات طبيعية ثابتة، بل تُبنى تاريخيًا من خلال مؤسسات الدولة والخطابات السياسية.
وطوّر بسام صلوخ وزملاؤه (Salloukh et al., 2015) هذا التحليل عند دراستهم للنظام اللبناني بعد الحرب الأهلية، حيث خلصوا إلى أن نظام تقاسم السلطة الطائفي لا يعكس الانقسامات الطائفية فحسب، بل يعيد إنتاجها بصورة مستمرة.
فالقيادات السياسية تستمد نفوذها من احتكار تمثيل الطوائف، كما تعتمد شبكات المحسوبية والخدمات العامة على استمرار الولاءات الطائفية، وهو ما يجعل النظام السياسي نفسه عاملًا في تكريس الطائفية بدل الحد منها.
ويتقاطع هذا مع مفهوم "الطائفية الرعائية" (Compassionate Communalism) الذي طرحته مليسا كاميت (Cammett, 2014)، والذي يشير إلى أن الأحزاب الطائفية تعزز نفوذها من خلال تقديم خدمات الرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية لأتباعها، بحيث تتحول الخدمات العامة إلى وسيلة لترسيخ الهوية الطائفية بدل تجاوزها.
ولا يقتصر هذا النمط من التعبئة على الطائفية وحدها، بل يمتد إلى الهويات الإثنية أيضًا.
فالحركة القومية الكردية، الممتدة عبر تركيا والعراق وإيران وسوريا، تقدم نموذجًا واضحًا على أن التعبئة الإثنية تتخذ أشكالًا مختلفة تبعًا للسياقات السياسية.
ففي تركيا، تطورت الحركة الكردية إلى تمرد مسلح طويل الأمد، بينما استطاع أكراد العراق الحصول على نظام حكم ذاتي اتحادي، في حين اتخذت التجربة الكردية في شمال شرق سوريا شكل إدارة محلية شبه مستقلة.
ويرى روجرز بروبيكر (Brubaker, 1996) أن القومية لا ينبغي النظر إليها بوصفها خاصية ثابتة لجماعة بشرية، وإنما باعتبارها عملية سياسية ديناميكية تتفاعل فيها الدولة، والأقليات، والقوى الخارجية بصورة مستمرة، وهو ما يفسر اختلاف التجارب الكردية رغم وحدة الهوية القومية.
أما في شمال أفريقيا، فقد اتخذت الحركة الأمازيغية مسارًا مختلفًا؛ إذ لم تسع غالبية الحركات الأمازيغية في المغرب والجزائر إلى الانفصال السياسي، بل ركزت على المطالبة بالاعتراف باللغة والثقافة والهوية الأمازيغية داخل الدولة الوطنية نفسها، في مواجهة احتكار الهوية العربية الإسلامية للمجال العام (Maddy-Weitzman, 2011؛ Silverstein & Crawford, 2004).
وتكشف هذه الحالات أن التعبئة الإثنية لا تحددها طبيعة المظلومية وحدها، بل ترتبط أيضًا ببنية الفرص السياسية، ومدى انفتاح الدولة، والتحالفات الداخلية والخارجية، وهو ما يؤكد أطروحة أندرياس فيمر (Wimmer, 2013) بأن الهويات الإثنية تصبح مؤثرة سياسيًا عندما تسمح البيئة السياسية بذلك، لا لمجرد وجود اختلافات ثقافية.
سادسًا: الطبقة الاجتماعية والجندر... البعد التقاطعي في سياسات الهوية
لا يمكن اختزال سياسات الهوية في الشرق الأوسط في القومية والدين والإثنية وحدها؛ إذ تمثل الطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي (الجندر) محورين أساسيين يتقاطعان مع بقية الهويات، ويؤثران بصورة مباشرة في أنماط التعبئة السياسية.
فقد أوضح حنا بطاطو، في دراسته الكلاسيكية عن سوريا، أن التحولات التي شهدها النظام البعثي لم تكن مجرد انتقال في موازين القوى الطائفية، بل كانت أيضًا إعادة تشكيل للبنية الطبقية؛ إذ نجحت نخب ريفية، ينتمي كثير منها إلى أقليات طائفية، في إزاحة النخبة السنية المدينية المالكة للأراضي، مستفيدة من مؤسسات الجيش والحزب.
ومن ثم، فإن الطائفية لم تكن العامل الوحيد في إعادة توزيع السلطة، بل جاءت متشابكة مع صعود طبقات اجتماعية جديدة، الأمر الذي يجعل الفصل بين الانتماء الطائفي والانتماء الطبقي أمرًا بالغ الصعوبة.
ومن زاوية أخرى، قدّم آصف بيات (Bayat, 2010) مفهوم "الزحف الهادئ للعاديين" (Quiet Encroachment of the Ordinary)، الذي يفسر الكيفية التي يمارس بها الفقراء والشرائح المهمشة نوعًا من المقاومة اليومية غير المنظمة، من خلال احتلال الفضاءات الحضرية، والعمل غير الرسمي، والحصول التدريجي على الموارد والخدمات.
ولا تعتمد هذه التعبئة على الأحزاب أو الحركات الأيديولوجية، بل تنشأ من الممارسات اليومية التي تعيد توزيع القوة بصورة تدريجية داخل المجتمع.
أما الجندر، فيمثل بدوره أحد أهم ميادين الصراع حول الهوية.
فقد بينت دينيز كانديوتي (Kandiyoti, 1991) أن كلًا من المشاريع القومية والإسلامية جعل من جسد المرأة، وملبسها، وقوانين الأسرة، ساحة رئيسة للصراع حول تعريف الهوية الوطنية أو الدينية.
فغالبًا ما تُقدَّم المرأة باعتبارها رمزًا للأصالة أو الحداثة، بحيث تتحول السياسات المتعلقة بحقوقها إلى مؤشر على طبيعة المشروع السياسي ذاته.
ووسعت فالنتين مقدم (Moghadam, 1993) هذا التحليل من خلال المقارنة بين عدة دول في المنطقة، موضحة أن مشاريع التحديث التي قادتها الدولة استخدمت تحسين أوضاع المرأة باعتباره دليلًا على التقدم الوطني، بينما جاءت كثير من الحركات الإسلامية لاحقًا لتراجع بعض هذه الإصلاحات باعتبارها جزءًا من إرث علماني فقد شرعيته.
كما قدمت سعاد جوزيف (Joseph, 2000) مفهوم "الحقوق العلائقية" (Relational Rights)، الذي يبين أن المواطنة في عدد من دول الشرق الأوسط لا تقوم على العلاقة المباشرة بين الفرد والدولة، وإنما تتوسطها روابط الأسرة والطائفة والعشيرة.
ومن ثم، فإن حقوق الفرد وواجباته القانونية كثيرًا ما تتحدد من خلال موقعه داخل الجماعة، وهو ما يجعل الجندر والطائفة والمواطنة عناصر مترابطة في البناء القانوني والسياسي للمنطقة، لا متغيرات مستقلة يمكن دراستها بصورة منفصلة.
سابعًا: استدامة السلطوية وتوظيف الهوية السياسية
يتعلق البعد الأخير في دراسة سياسات الهوية بالعلاقة بين أنماط التعبئة الهوياتية واستمرار الأنظمة السلطوية، و
