لبنان بين الدولة وتعدد الولاءات: جذور الأزمة وحدود صيغة العيش المشترك

دراسات وأبحاث - Foresight

تعود الأزمة اللبنانية الراهنة، في جانب مهم منها، إلى سؤال أقدم من الأزمات السياسية والأمنية المتعاقبة، يتعلق بطبيعة العقد الذي تأسست عليه الدولة اللبنانية، وبمدى قدرة هذا العقد على استيعاب التعدد الاجتماعي والسياسي داخل حدود دولة واحدة. فكلما دخلت البلاد مرحلة جديدة من الصراع، عادت إلى الواجهة أسئلة تأسيسية لم تُحسم بصورة نهائية: ما هي المرجعية السياسية العليا في لبنان؟ وهل تنبع شرعية القرار من مؤسسات الدولة وحدها، أم تتداخل معها مرجعيات طائفية ودينية وإقليمية تتجاوز الحدود الوطنية؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة في اللحظة الراهنة مع استمرار الجدل حول مفهوم «النأي بالنفس» عن صراعات المنطقة، وحول حق الدولة في احتكار قرار السلم والحرب، وحول حدود ارتباط القوى اللبنانية ببيئات إقليمية تتجاوز الدولة اللبنانية. فجزء من النقاش السياسي المعاصر يدور حول مدى التزام الأطراف المختلفة بالتفاهمات التي قامت عليها الصيغة السياسية اللبنانية، بينما يذهب اتجاه آخر إلى أن الخلاف أعمق من مسألة الالتزام بتعهدات محددة، وأنه يتعلق أصلاً بتعارض تصورات مختلفة لطبيعة لبنان ووظيفته الإقليمية وعلاقاته بمحيطه العربي.

ومن ثم، فإن الأزمة لا يمكن اختزالها بسهولة في ثنائية «الطرف المخطئ» و«الطرف المصيب». فالجماعات اللبنانية المختلفة تستند إلى سرديات تاريخية وسياسية متباينة، ولكل منها قراءتها الخاصة لتاريخ تأسيس الدولة ولمفهوم السيادة ولعلاقات لبنان بمحيطه. غير أن ما يجمع هذه السرديات، رغم اختلافها، هو أنها تكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بمصدر الشرعية السياسية: هل الأولوية للدولة بوصفها الإطار المؤسسي الذي تتساوى داخله المواطنة، أم للجماعة التي تستمد مشروعيتها من الدين أو الطائفة أو الروابط القومية أو التاريخية؟

تأسيس الدولة وإشكالية العقد السياسي

لفهم هذه المعضلة، تظل العودة إلى المرحلة التي سبقت تأسيس «لبنان الكبير» عام 1920 ضرورية. فقد نشأ الكيان اللبناني الحديث في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، وفي ظل تصورات متباينة بشأن حدود الدولة وهويتها وعلاقاتها بمحيطها. وكان توسيع حدود متصرفية جبل لبنان ليشمل مناطق البقاع وعكار ومدن الساحل جزءاً أساسياً من المشروع الذي انتهى إلى قيام «لبنان الكبير» تحت الانتداب الفرنسي.

لم يكن هذا المشروع موضع إجماع داخلي منذ بدايته. فقد نظر إليه قطاع واسع من النخب المسيحية باعتباره إطاراً سياسياً يتيح قيام كيان لبناني ذي مقومات جغرافية واقتصادية أكثر اتساعاً من متصرفية جبل لبنان، بينما رفضت قطاعات من النخب المسلمة هذا المسار، ولا سيما في المناطق التي كانت ترتبط تاريخياً واقتصادياً وسياسياً بالمجال السوري الأوسع.

ولا تعني هذه القراءة أن المواقف كانت موحدة داخل أي طائفة. فالمجتمعات اللبنانية، كما هو الحال في معظم المجتمعات المركبة، شهدت خلافات داخلية واسعة بشأن مستقبل البلاد. كما أن مواقف النخب والأحزاب والأفراد تغيرت بمرور الوقت تبعاً للتحولات الإقليمية والدولية وموازين القوى الداخلية. لكن وجود هذا الانقسام المبكر يظل مهماً لفهم السبب الذي جعل مسألة الهوية الوطنية اللبنانية مرتبطة، منذ البداية، بسؤال العلاقة مع سوريا والعالم العربي.

وقد ساهم الانتداب الفرنسي في ترسيخ هذا التعقيد. ففي الوقت الذي مثّل فيه قيام لبنان الكبير بالنسبة إلى مؤيديه تأسيساً لكيان سياسي مستقل، ارتبط بالنسبة إلى قطاعات أخرى بتدخل قوة خارجية في رسم الحدود والهياكل السياسية. ومن هنا نشأت سرديتان تاريخيتان متوازيتان: الأولى تنظر إلى تأسيس لبنان بوصفه عملية بناء لدولة ذات شخصية سياسية مستقلة، والثانية ترى في إعادة رسم الحدود جزءاً من عملية تفكيك المجال السوري والعربي الأوسع.

من اختلاف الروايات إلى أزمة المرجعية

تكمن أهمية هذه الخلفية التاريخية في أنها تساعد على تفسير استمرار الخلاف حول معنى السيادة حتى الوقت الراهن. فإذا كانت الدولة هي المرجعية السياسية النهائية، فإن مؤسساتها الدستورية يفترض أن تكون صاحبة القرار في القضايا السيادية، وفي مقدمتها السياسة الخارجية والدفاع والسلم والحرب. أما إذا ظلت الجماعات السياسية تحتفظ بمرجعيات تتجاوز الدولة، فإن القرار الوطني يصبح عرضة للتعدد، وتتحول السيادة من مفهوم مؤسسي إلى مجال للتفاوض بين قوى داخلية وخارجية.

وقد مر لبنان خلال القرن الماضي بمحطات متعددة أعادت إنتاج هذه المعضلة بأشكال مختلفة. فالتوافقات التي ساهمت في الاستقلال عام 1943 حاولت بناء صيغة سياسية تستوعب التعدد الطائفي من خلال توزيع السلطة والتوازن بين الجماعات، لكنها لم تُنهِ بصورة كاملة الخلاف بشأن موقع لبنان في محيطه العربي أو بشأن طبيعة علاقاته بالقوى الإقليمية.

وفي مراحل لاحقة، أدى تصاعد القومية العربية والناصرية ثم القضية الفلسطينية إلى إعادة تنشيط الانقسامات اللبنانية حول السياسة الخارجية والأمنية. ومع تزايد حضور القوى المسلحة خارج مؤسسات الدولة، تحولت مسألة السيادة إلى قضية مركزية في الصراع السياسي، وصولاً إلى الحرب الأهلية اللبنانية وما أعقبها من ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في التجربة اللبنانية: فالصيغة التي قامت على محاولة إدارة التعدد من خلال تقاسم السلطة بين الطوائف وفرت آلية مهمة للحفاظ على التوازن السياسي، لكنها لم تؤد بالضرورة إلى بناء توافق دائم حول مفهوم الدولة وموقعها في البيئة الإقليمية.

اتفاق الطائف واختبار الدولة

مثّل اتفاق الطائف محطة رئيسية في إعادة تنظيم النظام السياسي اللبناني وإنهاء الحرب الأهلية، كما أعاد توزيع بعض الصلاحيات بين مؤسسات الدولة والطوائف السياسية. إلا أن مرحلة ما بعد الطائف كشفت بدورها عن حدود القدرة على تحويل التسوية الدستورية إلى احتكار كامل للقرار السيادي.

وقد أصبحت هذه الإشكالية أكثر وضوحاً مع استمرار وجود السلاح خارج الإطار العسكري الرسمي، ثم مع صعود «حزب الله» بوصفه فاعلاً سياسياً وعسكرياً في الوقت نفسه. وتكمن أهمية هذه الحالة في أنها لا تتعلق فقط بالحزب ذاته، وإنما بالسؤال الأوسع حول العلاقة بين المقاومة والدولة، وبين الالتزامات الوطنية والارتباطات الإقليمية، وحول الجهة التي ينبغي أن تمتلك القرار النهائي بشأن استخدام القوة في الداخل والخارج.

وقد اكتسب هذا النقاش بعداً إضافياً مع انخراط «حزب الله» في الصراعات الإقليمية، ولا سيما الحرب السورية، ثم مع استمرار التوترات على الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية. فبالنسبة إلى مؤيدي الحزب، يرتبط سلاحه بمفهوم المقاومة وبمتطلبات الردع والدفاع في مواجهة إسرائيل. بينما يرى خصومه أن استمرار امتلاك قوة عسكرية مستقلة عن الدولة يضعف مبدأ السيادة ويجعل لبنان أكثر ارتباطاً بأجندات إقليمية لا تخضع بالضرورة للمؤسسات الدستورية اللبنانية.

وهنا لا تكمن المسألة الأساسية في ترجيح إحدى الروايتين، بقدر ما تكمن في ملاحظة أن استمرار وجود مرجعيات أمنية وعسكرية متعددة يعكس أزمة لم تُحسم على مستوى مفهوم الدولة ذاته.

من التعدد الطائفي إلى التعدد في مراكز القرار

تاريخياً، تعامل النظام اللبناني مع التعدد الطائفي باعتباره حقيقة سياسية ينبغي إدارتها من خلال تقاسم السلطة. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول التعدد من تعدد في المصالح والتمثيلات السياسية إلى تعدد في مصادر القرار السيادي.

فالاختلاف بين الأحزاب والجماعات حول الاقتصاد أو الإصلاح أو توزيع الموارد يمكن استيعابه داخل النظام الديمقراطي من خلال المؤسسات والانتخابات والتسويات السياسية. أما عندما يمتد الاختلاف إلى مسائل الحرب والسلم والسياسة الخارجية وامتلاك القوة المسلحة، فإنه يلامس جوهر مفهوم الدولة.

وهذا هو أحد أبرز جوانب الأزمة اللبنانية الراهنة. فالمشكلة لا تتعلق فقط بانقسام اللبنانيين حول قضايا سياسية محددة، وإنما بوجود تصورات متباينة حول طبيعة الدولة نفسها ووظائفها وحدود سيادتها. وبقدر ما تستمر هذه التصورات دون إطار دستوري وسياسي قادر على استيعابها، يبقى احتمال إعادة إنتاج الأزمات قائماً.

البعد الإقليمي وأزمة القرار الوطني

لا يمكن فهم هذه الإشكالية بمعزل عن البيئة الإقليمية. فقد كان لبنان، منذ تأسيسه، واقعاً في منطقة تتقاطع فيها مشاريع سياسية وقومية وطائفية وإقليمية متعددة. كما أن موقعه الجغرافي وحساسية تركيبته الاجتماعية جعلاه شديد التأثر بالصراعات المحيطة به.

وقد أدى ضعف الدولة في مراحل مختلفة إلى زيادة قدرة القوى الخارجية على التأثير في السياسة اللبنانية، سواء عبر الدعم السياسي أو المالي أو العسكري أو عبر العلاقات مع القوى المحلية. ومع مرور الوقت، أصبحت بعض القوى اللبنانية تمتلك ارتباطات إقليمية تتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية التقليدية، الأمر الذي جعل السياسة الخارجية اللبنانية نفسها موضوعاً للصراع الداخلي.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم النأي بالنفس الذي اكتسب حضوراً متزايداً في الخطاب السياسي اللبناني. فالمبدأ، في جوهره، يفترض حماية لبنان من الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية. لكن تطبيقه يظل مرتبطاً بوجود توافق داخلي حول الجهة التي تملك قرار السياسة الخارجية، وبقدرة الدولة على تنفيذ هذا التوافق.

وبالتالي، فإن الجدل حول النأي بالنفس ليس مجرد خلاف حول موقف من أزمة إقليمية بعينها، بل يعكس سؤالاً أوسع حول استقلال القرار اللبناني.

هل تكمن المشكلة في النظام أم في تطبيقه؟

يصعب تفسير الأزمة اللبنانية بردّها إلى عامل واحد. فالنظام الطائفي، رغم ما يثيره من إشكالات تتعلق بالمواطنة والمساواة السياسية، لا يعمل في فراغ. فقد تداخلت معه عوامل أخرى، من بينها ضعف المؤسسات، والتدخلات الإقليمية والدولية، والحروب المتعاقبة، والأزمات الاقتصادية، وعدم استكمال بناء مؤسسات الدولة الحديثة بصورة مستقرة.

كما أن التجربة اللبنانية أظهرت أن التسويات السياسية يمكن أن تمنع الانفجار لفترات معينة، لكنها لا تحل بالضرورة الخلافات البنيوية إذا لم تترافق مع بناء مؤسسات قادرة على إدارة التعدد ضمن قواعد مشتركة.

ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ربما لا يتعلق بما إذا كان لبنان قد اختار، منذ تأسيسه، النموذج السياسي الصحيح أو الخاطئ، وإنما بما إذا كان قادراً اليوم على إعادة تعريف عقده السياسي على أساس واضح يحدد العلاقة بين المواطن والطائفة والدولة، وبين الدولة ومحيطها الإقليمي.

نحو إعادة تعريف العقد الوطني

تكشف الأزمة اللبنانية المتكررة أن التسويات المرحلية، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة بنيوية تتعلق بتعريف الدولة وحدود سلطتها. فكل تسوية لا تحسم بوضوح مسألة المرجعية السيادية قد تؤجل الصراع بدلاً من إنهائه.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة التفكير في العقد الوطني اللبناني من منظور يتجاوز مجرد إعادة توزيع المقاعد والصلاحيات بين الطوائف. المطلوب، على المستوى النظري والسياسي، هو تحديد مجموعة من القواعد التي لا تصبح موضوعاً للمساومة في كل أزمة: احتكار الدولة للقرار العسكري، استقلال السياسة الخارجية، الاحتكام إلى المؤسسات الدستورية، والمساواة في المواطنة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التعدد الاجتماعي والثقافي الذي يمثل إحدى سمات المجتمع اللبناني.

ولا يعني ذلك أن تجاوز الطائفية السياسية يمكن أن يتم بقرار سريع أو من خلال إلغاء التوازنات التي تشكلت تاريخياً. فالمسألة أكثر تعقيداً، وتحتاج إلى مسار سياسي ودستوري تدريجي يأخذ في الاعتبار مخاوف مختلف الجماعات اللبنانية ويمنع تحول الانتقال إلى مصدر جديد للصراع.

خاتمة

تُظهر التجربة اللبنانية أن جذور الأزمة الحالية تمتد إلى مرحلة تأسيس الدولة نفسها، حين تداخل سؤال بناء الكيان اللبناني مع سؤال علاقته بسوريا والعالم العربي، ثم تداخلت لاحقاً هذه الأسئلة مع الصراعات الإقليمية والدولية. ولم تكن المشكلة في اختلاف اللبنانيين وحده، فالاختلاف جزء طبيعي من أي مجتمع تعددي، وإنما في عدم نجاح النظام السياسي بصورة نهائية في تحويل هذا الاختلاف إلى تنافس مؤسسي داخل دولة تحتكر القرار السيادي.

وبهذا المعنى، فإن التحدي الأساسي أمام لبنان لا يتمثل فقط في معالجة أزمة سياسية أو أمنية بعينها، وإنما في إعادة بناء توافق وطني حول مرجعية الدولة. فكلما بقيت الدولة واحدة من عدة مرجعيات سياسية وأمنية، ظلت الأزمات قابلة لإعادة الإنتاج مهما تبدلت التحالفات والأسماء والظروف الإقليمية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف يمكن للبنان أن يتجنب أزمة جديدة، وإنما كيف يمكنه بناء صيغة سياسية تجعل الاختلاف بين جماعاته جزءاً من النظام الديمقراطي، لا سبباً لتعدد مراكز القرار والسيادة. وفي نهاية المطاف، فإن استقرار لبنان يرتبط بقدرته على الانتقال من إدارة التوازنات بين الجماعات إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة التعدد داخل إطار دولة واحدة، يكون فيها القرار السيادي نتاجاً للمؤسسات الدستورية والإرادة السياسية للمواطنين.