بث تجريبي

لبنان بين ضغوط الحرب الإقليمية ومعركة السيادة: هل ينجح جوزيف عون في تحييد البلاد عن الصراع؟

تقارير وملفات - Foresight

يجد لبنان نفسه مجددًا في قلب التوترات الإقليمية المتصاعدة في الشرق الأوسط، مع اتساع دائرة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يواجه الرئيس اللبناني جوزيف عون اختبارًا سياسيًا وأمنيًا معقدًا في محاولة لمنع انزلاق بلاده إلى حرب جديدة، في ظل قرار حزب الله الانخراط في الصراع وفتح جبهة مع إسرائيل.

وقد أدى هذا التطور إلى تصاعد التوترات الداخلية، حيث دخلت البلاد في مواجهة سياسية حادة بين مؤسسات الدولة التي تسعى إلى تحييد لبنان عن الصراع الإقليمي، وبين الحزب الذي يرى أن الانخراط في المواجهة جزء من دوره في محور المقاومة الذي تقوده إيران.

لبنان كساحة للصراع الإقليمي

تصاعدت الأزمة بعد أن قرر حزب الله الانخراط في الحرب عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهو قرار اعتُبر بمثابة فتح جبهة جديدة مع إسرائيل. وسرعان ما ردت إسرائيل بسلسلة من الغارات الجوية شبه اليومية استهدفت مواقع في أنحاء لبنان، إضافة إلى محاولات توغل بري على الحدود الجنوبية.

وقد خلّفت هذه المواجهات خسائر بشرية كبيرة وأدت إلى موجات نزوح واسعة، إذ تشير التقديرات إلى نزوح نحو 700 ألف شخص داخل لبنان، في وقت لا يزال فيه البلد يعاني أصلًا من تداعيات المواجهات السابقة مع إسرائيل ومن أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

ويعكس هذا التصعيد واقعًا جيوسياسيًا أوسع يتمثل في تحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى الإقليمية والدولية، وهو نمط تكرر في تاريخ البلاد خلال العقود الماضية.

موقف الدولة ومحاولة فرض سيادة القرار

في مواجهة هذا التصعيد، حاولت الدولة اللبنانية اتخاذ موقف واضح يرفض تحويل البلاد إلى ساحة حرب. وقد أعلن الرئيس جوزيف عون أن الحكومة لن تسمح بجر لبنان إلى الصراع الإقليمي، وذهب إلى حد وصف حزب الله بأنه «فصيل مسلح يعمل خارج إطار الدولة».

كما أعلنت الحكومة إجراءات تهدف إلى الحد من الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل.

ويمثل هذا الموقف محاولة من القيادة اللبنانية لإعادة التأكيد على احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، وهو مبدأ ظل محل جدل طويل في النظام السياسي اللبناني منذ نهاية الحرب الأهلية.

الانقسام الداخلي وتحديات السلطة

أثارت تصريحات الرئيس عون ردود فعل غاضبة من جانب حزب الله وأنصاره، الذين اعتبروا موقفه تخليًا عن «خيار المقاومة» واصفين إياه بأنه يتماشى مع الضغوط الدولية.

غير أن موقف الرئيس حظي في المقابل بدعم سياسي ملحوظ من قوى سياسية وشخصيات بارزة، من بينها رؤساء الحكومات السابقون فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام، الذين أعلنوا دعمهم لجهود الرئاسة والحكومة لوقف التصعيد.

كما عبّر عدد من النواب والقوى السياسية عن تأييدهم لموقف الرئيس، مؤكدين أهمية دعم الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الضامنة للاستقرار الداخلي في ظل الأزمة الحالية.

ويكشف هذا المشهد عن انقسام سياسي عميق داخل لبنان حول دور حزب الله وسلاحه، وهو انقسام يعود إلى سنوات طويلة ويزداد حدة كلما تصاعدت التوترات الإقليمية.

المبادرة الدبلوماسية ومحاولة تجنيب لبنان الحرب

في موازاة المواجهة السياسية الداخلية، حاول الرئيس عون الدفع بمبادرة دبلوماسية تهدف إلى وقف التصعيد. وقد طرح خلال اجتماع افتراضي مع مسؤولين في الاتحاد الأوروبي خطة تدعو إلى وقف كامل لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، إضافة إلى توفير دعم دولي للبنان.

وتتضمن المبادرة تقديم مساعدات لوجستية للجيش اللبناني تمكنه من تأمين مخازن أسلحة حزب الله ونزع سلاحه تدريجيًا، على أن يعقب ذلك إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية.

وتعكس هذه المبادرة محاولة لإيجاد مخرج دبلوماسي للأزمة يحمي لبنان من تداعيات الحرب الإقليمية، لكنها تواجه تحديات كبيرة في ظل تعقيدات الوضع الداخلي ورفض حزب الله لأي مسار قد يمس بسلاحه.

لبنان بين معادلة الداخل والخارج

تكشف الأزمة الحالية مرة أخرى عن هشاشة التوازنات السياسية في لبنان، حيث يتقاطع الصراع الداخلي مع التنافس الإقليمي والدولي. ففي حين تسعى الدولة اللبنانية إلى تحييد البلاد عن الصراع، يبقى نفوذ حزب الله العسكري والسياسي عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الأحداث. وفي ظل الأزمة الاقتصادية العميقة التي يعاني منها لبنان منذ سنوات، فإن اندلاع حرب جديدة قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.

بشكل عام، يواجه لبنان اليوم لحظة مفصلية قد تحدد مسار استقراره في السنوات المقبلة. فبين الضغوط الإقليمية المتصاعدة والانقسامات الداخلية العميقة، تحاول القيادة اللبنانية إيجاد توازن دقيق يمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة. غير أن نجاح هذه الجهود سيعتمد على قدرة الدولة اللبنانية على فرض رؤيتها للأمن الوطني، وعلى مدى استعداد القوى الداخلية للقبول بتسوية تعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والسلاح خارج مؤسساتها. وفي غياب مثل هذه التسوية، سيظل لبنان عرضة لأن يكون ساحة للصراعات الإقليمية بدلًا من أن يكون طرفًا فاعلًا في صياغة مستقبله السياسي.