بث تجريبي

تنامي المحور الروسي–الصيني–الإيراني يفرض تحديًا أوسع على الولايات المتحدة

تقارير وملفات - Foresight

كتب: أليكس رافاجلو

يرى عدد من الخبراء والمسؤولين الأمريكيين السابقين أن روسيا والصين وإيران تعمل بشكل متزايد على تشكيل تحالف استراتيجي قائم على المصالح المشتركة، وهو تطور يتعين على صناع القرار في واشنطن التعامل معه بجدية، نظرًا لما يمثله من تحدٍ متنامٍ للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وخلال إحاطة أمنية وطنية بعنوان "خصوم أمريكا: الواقع الروسي" نظمها منتدى النساء المستقلات (Independent Women’s Forum) في 10 يونيو، أشار العديد من المشاركين إلى أن الفوائد المتبادلة التي تحققها هذه الشراكة بدأت بالفعل في إنتاج مكاسب استراتيجية مهمة، لا سيما بالنسبة للنظام الإيراني الذي يواجه عزلة دولية متزايدة.

ويؤكد الخبراء أن الدول الثلاث، التي يجمعها رفضها للهيمنة الأمريكية، تعمل على تنسيق مواقفها الدبلوماسية، وتعزيز التعاون العسكري فيما بينها، وتطوير آليات للالتفاف على العقوبات الغربية.

وقالت ناديا شادلو، الباحثة البارزة في معهد هدسون ونائبة مستشار الأمن القومي الأمريكي السابقة:

"السؤال الحقيقي هو ما إذا كان ما نشهده مجرد استراتيجية لتعطيل النظام الدولي، أو تحالفًا تكتيكيًا مؤقتًا، أو سلوكًا انتهازيًا، أم أنه مشروع يهدف بالفعل إلى خلق نظام عالمي مختلف بنتائج استراتيجية جديدة."

وأضافت أن على واشنطن التوقف عن التعامل مع روسيا والصين وإيران باعتبارها ملفات إقليمية منفصلة، والعمل بدلًا من ذلك على إيجاد وسائل مبتكرة لإحداث شروخ داخل هذا التعاون الثلاثي.

وقالت:

"ينبغي أن نجعل علاقتهم ببعضهم البعض أكثر صعوبة قدر الإمكان."

تحالف بلا معاهدة رسمية

لا تربط بين روسيا والصين وإيران معاهدة دفاع مشترك ثلاثية رسمية، إلا أن مصالحها بدأت تتقاطع بصورة متزايدة خلال السنوات الأخيرة بفعل الأزمات والصراعات الدولية.

فمنذ أن أطلقت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، واجهت موسكو موجة غير مسبوقة من العقوبات الاقتصادية الغربية، ما دفعها إلى توثيق علاقاتها مع شركاء مستعدين للتعاون معها خارج المنظومة الغربية.

وبالمثل، تخضع إيران لعقوبات أمريكية ودولية قاسية منذ سنوات، وقد ازدادت الضغوط عليها بصورة أكبر عقب الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية.

وفي هذا السياق، أصبحت الحاجة المتبادلة إلى الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي عاملًا رئيسيًا في تعزيز التقارب بين الدول الثلاث.

حلقة تغذية استراتيجية متبادلة

يرى إيلان بيرمان، نائب رئيس المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية، أن هذا التعاون لم يعد يقتصر على ضمان بقاء الأنظمة السياسية، بل أصبح يخلق ما وصفه بـ"حلقة تغذية راجعة خطيرة" في المجال العسكري والاستراتيجي.

وأوضح أن إيران زودت روسيا بأعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة الانتحارية التي استُخدمت في الحرب الأوكرانية، بينما تخشى أجهزة الاستخبارات الغربية من أن الخبرات القتالية والبيانات العملياتية التي يتم جمعها في ساحات القتال الأوروبية ستعود لاحقًا إلى إيران، ما سيزيد من فعالية ترسانتها العسكرية المحلية.

وقال بيرمان:

"مشكلة إيران لم تعد مجرد مشكلة إيرانية، بل أصبحت مشكلة إيرانية–روسية–صينية."

وأضاف أن موسكو وبكين وفرتا لطهران شبكة دعم اقتصادية وتكنولوجية ساعدتها على مواجهة العقوبات الدولية والاحتجاجات الداخلية.

زواج مصلحة أكثر منه تحالفًا أيديولوجيًا

ورغم تنامي التعاون بين الأطراف الثلاثة، شدد بعض المشاركين على أن العلاقة ما تزال ذات طبيعة براغماتية أكثر من كونها تحالفًا استراتيجيًا صلبًا.

وقال عضو الكونغرس الأمريكي بات هاريغان، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة الأمريكية:

"إنه أقرب إلى زواج مصلحة."

وأضاف:

"عندما تتوقف المنافع المتبادلة، تتوقف هذه الأفعال أيضًا."

وبحسب هذا التقييم، فإن ما يجمع روسيا والصين وإيران هو تقاطع المصالح الآنية أكثر من وجود رؤية استراتيجية مشتركة طويلة المدى أو رابطة أيديولوجية متماسكة.

لكن حتى هذا النوع من التعاون البراغماتي بدأ بالفعل في إنتاج نتائج استراتيجية مهمة، وخاصة بالنسبة لإيران.

وأشار بيرمان إلى أن موسكو وبكين ساعدتا السلطات الإيرانية خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في مطلع العام من خلال توفير تقنيات وأدوات رقمية ساعدت النظام على السيطرة على المعارضة الداخلية، وهي حملة قمع أسفرت عن مقتل آلاف المحتجين بحسب المشاركين في الندوة.

الصين: شريان الحياة المالي لإيران

وفي الجانب الاقتصادي، يرى الخبراء أن الدور الصيني يشكل حجر الزاوية في قدرة إيران على الصمود.

وقال بيرمان:

"حوالي 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية تذهب إلى دولة واحدة فقط، هي الصين."

وأضاف أن مشتريات بكين من النفط الإيراني، إلى جانب الدعم الدبلوماسي والعسكري الروسي، تمثل عوامل حاسمة لبقاء الاقتصاد الإيراني.

وختم بالقول:

"من دون المشتريات الصينية والدعم الروسي، لن تكون إيران قادرة على الاستمرار ماليًا."

أوكرانيا وخط الصدع بين الديمقراطية والاستبداد

من جانبه، رأى دانيال هوفمان، الرئيس السابق لمحطة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في موسكو، أن الحرب الروسية ضد أوكرانيا تتجاوز حدود الصراع الإقليمي، وتمثل جزءًا من مواجهة أوسع بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة السلطوية.

وقال:

"أوكرانيا تقع اليوم على خط الصدع الجيوسياسي بين الدكتاتورية والديمقراطية."

ويرى هوفمان أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يتحرك بدافع التوسع الإقليمي فحسب، بل بدافع الخوف من انتقال النموذج الديمقراطي إلى جوار روسيا.

وأضاف:

"أكثر ما يخشاه فلاديمير بوتين هو الديمقراطية."

ووصف ما أسماه "محور الدكتاتوريات" الذي يضم روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية بأنه تحالف يجمعه هدف أساسي واحد، وهو تقليص النفوذ الأمريكي العالمي بصورة منهجية.

التعددية القطبية أم مناطق النفوذ؟

كما انتقد هوفمان الخطاب الروسي الداعي إلى بناء "عالم متعدد الأقطاب"، معتبرًا أنه مجرد غطاء دبلوماسي يهدف إلى إضفاء الشرعية على مناطق النفوذ التقليدية.

وقال:

"ما يريدونه حقًا هو حرية غزو جيرانهم وإخضاعهم داخل مناطق نفوذ خاصة بهم."

وبحسب رأيه، فإن موسكو تستخدم مفهوم التعددية القطبية ليس لإقامة نظام دولي أكثر توازنًا، بل لإضفاء الشرعية على سياسات القوة التقليدية.

دعوات إلى الردع بدل إدارة الأزمات

في ظل هذا الواقع، حذر المشاركون من أن التردد الغربي يمنح هذا المحور الوقت اللازم لتعزيز قدراته وترسيخ تعاونه.

وقال هاريغان:

"عندما نقدم القدرات العسكرية تدريجيًا وببطء داخل ساحة الصراع، فإننا نخلق ما يشبه المقاومة للمضادات الحيوية داخل الجيش الروسي."

أما ناديا شادلو فرأت أن مرحلة إدارة الأزمات بصورة رد فعل قد انتهت، داعية صناع القرار الأمريكيين إلى العودة إلى سياسات الردع القوي وإظهار القوة بصورة واضحة وحاسمة.

وفي ختام النقاش، شدد إيلان بيرمان على أن أي استراتيجية فعالة لاحتواء روسيا والصين وإيران يجب أن تنطلق أولًا من الاعتراف بأن هذه القوى أصبحت جزءًا من منظومة مترابطة من الخصوم.

وقال:

"كلما أدركنا هذه الحقيقة بشكل أسرع، أصبح بإمكاننا توزيع الضغوط المناسبة بصورة أكثر فاعلية."

نقلا عن موقع أوراسيا ريفيو