الطرق التجارية التي لا تستطيع إيران الاستغناء عنها
من المرجح أن تتسم العلاقات المستقبلية بين جمهوريات آسيا الوسطى (كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وأوزبكستان) وإيران، في ظل حكومة بات يهيمن عليها الحرس الثوري الإسلامي، بمزيج من التعاون الاقتصادي واللوجستي البراغماتي والحذر المتزايد. فبينما أفضى صراع عام 2026 إلى اضطرابات قصيرة الأجل، فإن المصالح المشتركة في مجالي الربط الإقليمي وتعددية الأقطاب ستدفع الجانبين إلى الحفاظ على مسار التعاون على المدى الطويل.
تحوّل القيادة في إيران إلى هيمنة الحرس الثوري (حتى منتصف 2026)
في أعقاب اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من أفراد أسرته في 28 فبراير (شباط) 2026 على يد القوات الأمريكية والإسرائيلية، تولى نجله مجتبى خامنئي موقع القيادة بدعم قوي من الحرس الثوري. ومنذ ذلك الحين، برزت قوات «الباسداران» - ولا سيما بقيادة قائدها العميد أحمد وحيدي - باعتبارها القوة الأكثر نفوذاً في طهران.
وبات الحرس الثوري يسيطر على القرارات العسكرية الرئيسية، ويؤثر في مسار المفاوضات، مع احتمال تراجع دور القيادات المدنية، وعلى رأسها الرئيس مسعود بزشكيان. كما أن وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ينتميان أيضاً إلى خلفية مرتبطة بالحرس الثوري.
ويعمل الحرس الثوري بوصفه «دولة داخل الدولة»، معتمداً نهجاً متشدداً يجمع بين الاعتبارات الأيديولوجية واستخدام أدوات الحرب غير التقليدية، مثل دعم الحلفاء الإقليميين والالتفاف على العقوبات، ويُعتقد أنه يسيطر على نحو 50 في المائة من الاقتصاد الإيراني. ويختلف هذا التوجه عن مقاربات التيارات المدنية والإصلاحية الأكثر براغماتية، لكنه يستند في الوقت نفسه إلى سياسة «التوجه شرقاً» التي تبنتها إيران عام 2005 لتعزيز روابطها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية مع آسيا.
العلاقات قبل عام 2026... شراكة قائمة على البراغماتية
قبل اندلاع الحرب، كانت العلاقات بين إيران ودول آسيا الوسطى تشهد مساراً تصاعدياً، مدفوعة بالاعتبارات الاقتصادية أكثر من الدوافع الأيديولوجية.
فقد سجل التبادل التجاري نمواً مطرداً؛ إذ تضاعفت تجارة طاجيكستان مع إيران أربع مرات خلال السنوات الأخيرة، لتصل إلى مئات الملايين من الدولارات، بينما استهدفت كازاخستان رفع حجم التبادل التجاري إلى ثلاثة مليارات دولار، معظمها في المنتجات الزراعية. كما وضعت أوزبكستان خرائط طريق للاستثمارات المشتركة واتفاقيات تتعلق بالموانئ، في حين ركزت تركمانستان على مشاريع مقايضة الغاز وخطوط الأنابيب.
وفي مجال الربط الإقليمي، وفر «ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب» (INSTC)، إلى جانب الموانئ الإيرانية مثل تشابهار وبندر عباس، منفذاً حيوياً لدول آسيا الوسطى نحو المحيط الهندي والأسواق العالمية، بما يتيح لها تجاوز أو استكمال المسارات الأوروبية والروسية والصينية والأفغانية. كما دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وإيران حيز التنفيذ في مايو (أيار) 2025، بما يفتح الباب أمام توسع كبير في حجم التجارة.
واتخذت العلاقات طابعاً مختلفاً من دولة إلى أخرى؛ إذ استفادت طاجيكستان من الروابط الثقافية واللغوية الفارسية، بينما ركزت بقية الجمهوريات على التعاون العملي في مجالات النقل والطاقة والاستثمار. وفي الوقت نفسه، قدمت إيران نفسها شريكاً يساعد على تجاوز آثار العقوبات وتحقيق توازن في مواجهة النفوذ الروسي أو الغربي المفرط.
من جانبها، واصلت دول آسيا الوسطى اتباع سياسات خارجية متعددة المسارات، فحافظت على علاقاتها مع إيران بالتوازي مع روسيا (عبر الاتحاد الاقتصادي الأوراسي)، والصين (من خلال مبادرة الحزام والطريق)، وتركيا، وأوروبا، والولايات المتحدة. كما حرصت إيران على تجنب أي سياسات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة، حفاظاً على علاقاتها مع موسكو وبكين، ولمنع توسيع الحضور الأمريكي فيها.
التداعيات المباشرة لحرب 2026
أحدثت الحرب ضغوطاً كبيرة على المدى القصير.
ففي مارس (آذار) 2026، فرضت إيران حظراً على صادراتها الغذائية، الأمر الذي أضر بالدول المستوردة، مثل طاجيكستان. كما أدت التوترات في مضيق هرمز وحالة عدم الاستقرار الإقليمي إلى ارتفاع تكاليف النقل وتعطيل بعض مسارات التجارة.
تداعيات هيمنة الحرس الثوري على آسيا الوسطى
لطالما أدار الحرس الثوري نفوذه في إقليم خراسان، المحاذي لتركمانستان، من خلال شبكات استخباراتية، وأنشطة ثقافية، وأدوات اقتصادية محدودة. وعلى خلاف دوره الواسع في الشرق الأوسط عبر ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، اتسم نهجه في آسيا الوسطى بقدر أكبر من التحفظ والبراغماتية، حيث ركز على التجارة، وطرق العبور، والقوة الناعمة، تجنباً لاستفزاز القوى الكبرى.
ومن أبرز النتائج المتوقعة لذلك:
لا غنى لآسيا الوسطى عن إيران بوصفها منفذاً جنوبياً
لا تزال جمهوريات آسيا الوسطى، بحكم كونها دولاً حبيسة، بحاجة إلى إيران للوصول إلى المحيط الهندي عبر موانئ مثل بندر عباس وتشابهار، وهو الخيار الأول لها. وفي المقابل، ورغم التوترات بين أفغانستان وباكستان، تتواصل أعمال إنشاء الممر السككي الذي يربط آسيا الوسطى بالموانئ الباكستانية، بوصفه خياراً بديلاً.
وقد أظهرت الحرب مدى اعتماد التجارة الإقليمية على الممرات الإيرانية، إذ تعطلت خطوط السكك الحديدية، وحركة الشحن عبر بحر قزوين، وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، الأمر الذي ألحق أضراراً باقتصادات المنطقة. إلا أن هذه التجربة قد تدفع جمهوريات آسيا الوسطى إلى الإسراع في إعادة تشغيل المسارات الإيرانية، والاستثمار في تعزيز قدرتها على الصمود، مع تنويع خياراتها بدلاً من التخلي عنها.
إعادة الإعمار تفتح فرصاً اقتصادية جديدة
إذا ما خُففت العقوبات، ولو جزئياً، وبدأت عملية إعادة إعمار إيران، فإن دول آسيا الوسطى قد تستفيد من تصدير الحبوب، ومواد البناء، والمعادن، والخدمات الهندسية، والكهرباء، وخدمات النقل واللوجستيات إلى السوق الإيرانية التي تضم نحو 93 مليون نسمة.
وفي المقابل، ستستأنف إيران تصدير المعادن، والمنتجات المعدنية، والبتروكيماويات، والمواد الغذائية إلى دول آسيا الوسطى. غير أن حجم هذا التعافي سيظل مرهوناً بمستقبل العقوبات الدولية ومستوى ثقة المستثمرين.
أوزبكستان مرشحة لتكون أقرب شركاء إيران
اتبعت أوزبكستان باستمرار سياسة خارجية براغماتية تقوم على تعزيز الترابط الاقتصادي بدلاً من الاعتبارات الأيديولوجية، وقد عقد رئيسها ورئيس وزرائها لقاءات متكررة مع القادة الإيرانيين، كما اجتمع وزيرا خارجية البلدين في أواخر يوليو (تموز).
وتتمثل أولويات طشقند في توسيع شبكة السكك الحديدية المؤدية إلى الخليج العربي وخليج عُمان، وزيادة التجارة الإقليمية، وتعزيز ممرات النقل بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، وهي أهداف تنسجم بصورة طبيعية مع تعزيز التعاون مع طهران.
ورغم احتفاظ أوزبكستان بعلاقات دبلوماسية مع كل من إيران وإسرائيل، فإنها لا ترغب في أن تتحول أراضيها إلى منصة لشن هجمات ضد إيران.
كازاخستان لديها دوافع قوية لاستعادة التجارة
كانت كازاخستان قد وسعت بصورة كبيرة صادراتها الزراعية عبر الموانئ الإيرانية قبل اندلاع الحرب، كما عقد رئيسا البلدين لقاءات متبادلة، وأرسلت أستانا وفداً رسمياً للمشاركة في مراسم تشييع خامنئي.
ورغم توقف بعض المشاريع خلال الحرب، فإن لدى كازاخستان أسباباً قوية لاستئناف العلاقات التجارية، لأن الطرق الإيرانية تقلل اعتمادها على الممرات الشمالية عبر روسيا، وتمنحها منفذاً إلى أسواق جنوب آسيا.
وكما هو الحال مع أوزبكستان، تحرص أستانا، التي تربطها علاقات جيدة بكل من تل أبيب وطهران، على عدم الظهور بوصفها طرفاً يسهّل أي هجمات على إيران.
تزايد أهمية تركمانستان
تتقاسم تركمانستان حدوداً مع إيران تمتد لنحو 1100 كيلومتر، وتمثل أهم بوابة برية تربط إيران بآسيا الوسطى، ويُعد معبر سرخس الحدودي ركناً أساسياً في هذا الربط.
وتشمل مجالات التعاون المحتملة تبادل الكهرباء، ومقايضة الغاز الطبيعي، والنقل بالسكك الحديدية، والتجارة الحدودية.
كما أن سياسة الحياد الدائم التي تتبناها تركمانستان تمنحها موقعاً مناسباً لتوسيع التعاون العملي مع إيران، دون الانخراط في التنافسات الجيوسياسية الأوسع.
إدارة ترامب وضغوطها على جمهوريات آسيا الوسطى
يرى الكاتب أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ستُخضع المصالح الاقتصادية لجمهوريات آسيا الوسطى لأولويات حربها على إيران، رغم أن أوزبكستان وكازاخستان انضمتا إلى «مجلس السلام» الذي أطلقه ترامب بوصفه نوعاً من بوليصة التأمين السياسية.
وقد تمارس واشنطن ضغوطاً على هذه الجمهوريات للتخلي عن الفرص الاقتصادية التي تتيحها السوق الإيرانية، من دون أن تقدم لها تعويضات حقيقية، باستثناء وعود دبلوماسية لا تتجاوز بيانات التأييد الصادرة عن السفير الأمريكي.
كما أن الولايات المتحدة أبدت استعدادها لاستهداف البنية التحتية التي تعتمد عليها هذه الدول في تجارتها. ففي يوليو (تموز)، شنت القوات الأمريكية هجوماً على جسر «آق تكه خان» للسكك الحديدية في محافظة جلستان الإيرانية، وهو جزء من ممر استراتيجي يربط الصين وتركمانستان وإيران، ويُعد أحد مكونات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
واستهدفت الضربات الأمريكية أيضاً ميناء تشابهار، حيث تعرض برج مراقبة الحركة البحرية لأضرار، كما قصفت جسوراً في محيط ميناء بندر عباس. كذلك هدد الرئيس ترامب بتوسيع الهجمات لتشمل الجسور ومحطات الكهرباء بهدف إرغام إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات.
البراغماتية الاقتصادية ستظل هي الحاكمة
ورغم صعود الحرس الثوري إلى موقع الهيمنة، وما قد يترتب عليه من تشدد أيديولوجي أكبر أو توظيف للحلفاء الإقليميين، بما يثير قلق العواصم العلمانية في آسيا الوسطى، فإن البراغماتية الاقتصادية ستظل، على الأرجح، هي العامل الحاسم في رسم السياسات.
فالحرس الثوري يستفيد من استمرار تدفقات الإيرادات، ومن قنوات الالتفاف على العقوبات، ومن الأسواق الإقليمية، ومن استقرار حدوده الشرقية، وهي اعتبارات تجعل الحفاظ على علاقات مستقرة مع دول آسيا الوسطى أكثر جدوى من تصدير الأيديولوجيا إليها.
غير أن تصاعد عسكرة المشهد أو استمرار المواجهات قد يؤدي إلى انتقال تداعيات عدم الاستقرار عبر الحدود، سواء من خلال الحلفاء أو عبر تدهور الأوضاع الأمنية، وهو ما سيدفع جمهوريات آسيا الوسطى إلى تعزيز سياسات الموازنة، عبر توثيق علاقاتها مع تركيا، أو الغرب، أو تعميق تعاونها مع روسيا والصين.
جمهوريات آسيا الوسطى لا تريد أن تصبح ساحة صراع
لا ترغب جمهوريات آسيا الوسطى في أن تتحول منطقتها إلى ساحة تنافس جيوسياسي، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى زعزعة استقرار إيران بهدف خنق خطوط الصادرات والواردات الصينية عبر أوراسيا.
فبعد عقود من العنف والجمود خلال الحقبة السوفييتية، ثم الاضطرابات التي صاحبت الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، باتت هذه الدول ترى أن أولويتها تتمثل في استبدال منطق الصراع بالتجارة والتنمية الاقتصادية.
وفي المقابل، قد تزداد أهمية الطرق البرية بالنسبة لإيران، بعد تراجع نفوذ حلفائها التقليديين، ممثلين في حركة «حماس» و«حزب الله» والنظام السوري بقيادة بشار الأسد.
كما تعززت هذه الحاجة مع استمرار الحصار الأمريكي، الأمر الذي قد يدفع طهران إلى توسيع اعتمادها على خطوط النقل الجديدة، مثل الأسطول المشترك بين أوزبكستان وأذربيجان في بحر قزوين، الذي تمتلك إيران ساحلاً عليه بطول 740 كيلومتراً، إضافة إلى «الممر الأوسط» وخط السكك الحديدية الذي يربط الصين بقيرغيزستان وأوزبكستان، والذي لا يزال قيد الإنشاء.
في المستقبل
تتمتع العلاقات بين إيران وجمهوريات آسيا الوسطى بقدر كبير من المرونة، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح، إلا أنها ستتسم بدرجة أكبر من الحذر والبراغماتية.
على المدى القصير (خلال العامين المقبلين): من المرجح أن تبقى حركة التجارة والعبور أقل من مستوياتها السابقة بسبب تداعيات الحرب. وستواصل دول آسيا الوسطى تنويع ممراتها التجارية، وتعزيز انفتاحها على تركيا والغرب، لكنها لن تتخلى عن خيارات الربط مع إيران. وقد تحافظ طاجيكستان على أقوى الروابط الثقافية مع طهران، مع اتخاذ احتياطات أمنية أكبر. وبوجه عام، ستظل العلاقات عملية وبراغماتية، من دون أن تتسم بالعداء.
على المدى المتوسط والطويل، إذا توقفت الأعمال القتالية: تظل فرص استعادة التعاون الاقتصادي ومشروعات الربط الإقليمي كبيرة. فممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، والموانئ الإيرانية، يتوافقان مع حاجة آسيا الوسطى إلى منفذ جنوبي، كما يتوافقان مع حاجة إيران إلى منافذ تجارية جديدة. كذلك تمنح اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي زخماً مؤسسياً لتعزيز التعاون.
ومن شأن القلق المشترك إزاء السياسات الأمريكية المتقلبة أن يدفع الأطراف إلى تنسيق هادئ داخل أطر متعددة الأطراف، مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة «بريكس».
وتبقى هناك عدة متغيرات رئيسية ستحدد مسار هذه العلاقات، من بينها مدة الحرب ونتائجها، ومدى إحكام الحرس الثوري سيطرته الداخلية أو تعرضه لضغوط تدفعه نحو الاعتدال، وسياسات التوازن التي تنتهجها دول آسيا الوسطى، في ظل استمرار روسيا والصين شريكين رئيسيين لها، فضلاً عن مستقبل العقوبات الدولية.
الخلاصة
ستواصل إيران وجمهوريات آسيا الوسطى بناء علاقاتها على أساس المصالح العملية، أكثر من اعتمادها على الروابط الأيديولوجية أو التحالفات الاستراتيجية العميقة.
ومن المرجح أن تركز إيران، في ظل هيمنة الحرس الثوري، على ضمان الاستقرار وتعزيز الربط الاقتصادي على حدودها الشرقية، بدلاً من تصدير الحماسة الثورية إلى آسيا الوسطى.
وفي المقابل، ستواصل جمهوريات آسيا الوسطى انتهاج سياسات خارجية متعددة المسارات، بما يضمن ألا تتمكن أي قوة منفردة، سواء كانت إيران الأكثر تشدداً أو إدارة أمريكية متقلبة، من رسم مستقبل المنطقة أو فرض خياراتها عليها.
