بث تجريبي

مسار الصين من الأطراف الصناعية للاقتصاد العالمي إلى القلب التكنولوجي للتغيير العالمي

تقارير وملفات - Foresight

يشهد النظام الاقتصادي العالمي واحداً من أعمق التحولات منذ الثورة الصناعية، حيث ينتقل مركز الثقل تدريجياً من مراكز صنع القرار الغربية التقليدية إلى منظومات آسيوية ديناميكية ومتسارعة النمو. وفي قلب هذا التحول تبرز الصين، التي ارتبطت صورتها الاقتصادية طوال العقود الأربعة الماضية بدورها بوصفها "مصنع العالم" ومركزاً للإنتاج منخفض التكلفة والتصدير واسع النطاق، لكنها تتجه اليوم بثبات نحو نموذج اقتصادي قائم على المعرفة والبحث والتطوير والابتكار المشترك للتكنولوجيا.

ولا تمثل هذه التحولات مجرد مرحلة طبيعية من مراحل التطور الاقتصادي، بل هي نتيجة استراتيجية دولة طويلة المدى جرى تنفيذها بصورة منهجية، مدعومة بثقة متزايدة من الشركات العالمية والمؤسسات الأكاديمية والشركاء الجيوسياسيين عبر مختلف القارات. وتشير تصريحات قادة كبرى شركات التكنولوجيا العالمية والخبراء الاستراتيجيين والباحثين إلى أن صورة الصين باعتبارها مجرد قاعدة للتجميع والإنتاج أصبحت جزءاً من الماضي، لتحل محلها حقيقة جديدة تتصدر فيها مدن مثل بكين وشنغهاي وسوتشو وشنتشن مشهد الابتكار العالمي باعتبارها مختبرات للمستقبل تُطوَّر فيها الحلول التقنية التي تُصدَّر لاحقاً إلى أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية وأفريقيا والشرق الأوسط.

ويترتب على هذا التحول آثار عميقة تتجاوز حدود التكنولوجيا لتشمل نماذج الأعمال وسلاسل التوريد والمعايير التنظيمية واستراتيجيات التنافسية طويلة الأجل.

الصين كمركز عالمي للابتكار: فيليبس وبوش وإعادة تعريف مستقبل التكنولوجيا والصناعة

تُعد شركة فيليبس الهولندية، التي تمتلك حضوراً في السوق الصينية منذ أكثر من قرن، نموذجاً واضحاً لهذا التحول الاستراتيجي. فقد أكد الرئيس التنفيذي للشركة روي جاكوبس مؤخراً أن الصين لم تعد مجرد سوق رئيسية لمنتجات الشركة، بل أصبحت أحد المراكز العالمية الأساسية للابتكار.

ولا يمثل هذا التصريح رسالة تسويقية بقدر ما يعكس تحولاً عميقاً في الاستراتيجية التشغيلية للشركة، التي تتبنى شعار "في الصين، من أجل الصين، ومن أجل العالم". فقد نجحت فيليبس في بناء سلسلة قيمة متكاملة داخل الصين تشمل البحث والتطوير والتصنيع والتسويق والخدمات والشراكات الاستراتيجية في قطاع الرعاية الصحية.

وفي العام الماضي، أعلنت الشركة عن إنشاء مقرها الصيني للبحث والابتكار في بكين، ليعمل كمركز تنسيقي لشبكات البحث والتطوير الإقليمية ومسرّع لتوطين الحلول الطبية. كما يدمج مركز سوتشو بين وظائف البحث والتطوير والتصنيع والتصدير العالمي، بينما تحول مركز شنيانغ إلى مركز عالمي لتطوير تقنيات التصوير المقطعي المحوسب.

ويعكس هذا التوزيع الجغرافي والوظيفي للكفاءات تحول الصين من قاعدة إنتاج طرفية إلى قلب تكنولوجي يولد قيمة مضافة لعمليات الشركة في أكثر من مئة دولة حول العالم.

ويرى جاكوبس أن حجم السوق الصينية والبنية التحتية الرقمية المتقدمة يوفران بيئة فريدة لتوسيع نطاق الابتكارات بسرعة، وهو أمر بالغ الأهمية في قطاع التكنولوجيا الطبية حيث يمكن لسرعة نشر الحلول وإتاحتها أن تؤثر مباشرة في حياة المرضى.

ويشهد قطاع الرعاية الصحية الصيني حالياً تحولاً نوعياً من نموذج يعتمد على معالجة الأمراض بعد وقوعها إلى نموذج استباقي يركز على إدارة الصحة والتشخيص المستمر وتخصيص العلاجات، في حين تؤدي تقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تحليل البيانات الطبية الضخمة وتحسين إدارة المستشفيات وتطوير خدمات الطب عن بُعد.

ومن خلال الجمع بين القدرات العالمية للشركات متعددة الجنسيات وسرعة التكيف الصينية وقابلية التوسع الهائلة، تسعى فيليبس إلى توسيع تعاونها في مجالات الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتصوير الطبي والرعاية الصحية المستدامة.

صناعة السيارات: من استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة في إنتاجها

تشهد صناعة السيارات تحولاً مماثلاً، حيث لم تعد الصين تمثل بالنسبة لشركة بوش الألمانية أكبر سوق للسيارات في العالم فحسب، بل أصبحت أيضاً مصدراً رئيسياً للابتكار التكنولوجي.

وخلال معرض بكين الدولي للسيارات عام 2026، أكد ماركوس هاين، عضو مجلس إدارة بوش ورئيس قطاع التنقل بالشركة، أن المجموعة تتمتع بثقة كاملة في قوة الطلب المحلي الصيني والإمكانات البحثية المتنامية في البلاد، وهو ما ينعكس في تخصيص موارد متزايدة للسوق الصينية.

ويُعد تطوير نظام طاقة منخفض الجهد بالتعاون مع إحدى الشركات الصينية مثالاً رمزياً على الانتقال من علاقة المورد والعميل إلى نموذج الشراكة في إنتاج القيمة. فقد صُمم النظام خصيصاً لتلبية الطلب المتزايد على القدرات الحاسوبية في المركبات الحديثة التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على البرمجيات والأنظمة الإلكترونية المتقدمة.

ومن المقرر تطوير هذا النظام وإنتاجه على نطاق واسع بالتعاون مع الشركات الصينية، في مؤشر على بروز نموذج جديد للتعاون يقوم على التصميم المشترك للتكنولوجيا منذ المراحل الأولى بدلاً من مجرد تكييف المنتجات العالمية مع احتياجات السوق المحلية.

وفي عام 2025، بلغت مبيعات قطاع التنقل التابع لشركة بوش في الصين 122.3 مليار يوان، أي ما يعادل نحو 17.8 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية بلغت 4.9%. والأكثر أهمية أن نحو 70% من هذه الإيرادات جاءت من شركات صينية محلية، ما يعكس التحول الجذري في دور الشركات الصينية التي لم تعد مجرد مستهلك للتكنولوجيا، بل أصبحت محركاً رئيسياً للابتكار العالمي.

كما دعمت بوش ما يقرب من 300 طراز من العلامات التجارية الصينية التي دخلت الأسواق الخارجية، وهو ما يمثل انعكاساً تاريخياً لاتجاه تدفق المعرفة والتكنولوجيا، حيث تنتقل الابتكارات من الصين إلى بقية العالم بدلاً من العكس.

الشراكة الاستراتيجية الصينية–السعودية وصعود اقتصاد الابتكار متعدد الأقطاب

يمثل التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين الصين والمملكة العربية السعودية ركناً أساسياً آخر في البنية الجديدة لسلاسل القيمة العالمية، القائمة على تبادل الخبرات والشراكات طويلة الأمد والرؤى التنموية المشتركة.

وتشير ريان العمودي، المدير التنفيذي للاستراتيجية وتطوير الأعمال في شركة نسما للبنية التحتية والتكنولوجيا ورئيسة مركز الابتكار التكنولوجي السعودي–الصيني، إلى أن العلاقات الثنائية تجاوزت منذ فترة طويلة حدود التجارة التقليدية والعقود الهندسية لتشمل نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات والاستثمارات المشتركة والتحول الرقمي وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ويركز التعاون بين الجانبين على مجالات المدن الذكية والبنية التحتية الحيوية والطاقة والتحول الرقمي، وهي مجالات تتوافق بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وتؤكد العمودي أن السوق السعودية لم تعد تبحث فقط عن منتجات جاهزة مستوردة، بل أصبحت تسعى إلى بناء القدرات المحلية ونقل المعرفة وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية التقنية. وفي هذا السياق، نجحت شركات التكنولوجيا الصينية، وعلى رأسها هواوي، في ترسيخ حضورها بفضل قدرتها على تقديم حلول متكاملة وعالية الجودة بأسعار تنافسية.

كما تتطلع الرياض وبكين إلى توسيع التعاون في مجالات البنية التحتية الخضراء ومعالجة المياه ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. وتمنح المزايا الجغرافية والطاقة المتوفرة في المملكة فرصاً كبيرة لتحويلها إلى مركز إقليمي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع الاستفادة من الخبرات والتقنيات الصينية.

وتتوافق رؤية السعودية 2030 بصورة كبيرة مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، ما يفتح آفاقاً واسعة لتعاون اقتصادي طويل الأمد يقوم على المصالح المتبادلة والاستقرار.

نحو نظام عالمي جديد للابتكار

يتجه النظام الاقتصادي العالمي بصورة متزايدة بعيداً عن النموذج التقليدي الذي كانت تتدفق فيه التكنولوجيا ورؤوس الأموال من الغرب إلى بقية العالم، نحو نموذج شبكي متعدد الأقطاب يقوم على التعاون والابتكار المشترك.

وفي هذا النظام الجديد، تتحول الصين من دور المنتج النهائي إلى شريك استراتيجي يساهم في وضع المعايير الدولية وتمويل الأبحاث وتوسيع نطاق الحلول التكنولوجية.

وتكتسب هذه الديناميات أهمية خاصة في ظل التوترات التجارية المتصاعدة والقيود التكنولوجية المتبادلة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين. ففي الوقت الذي تشدد فيه واشنطن القيود التجارية والجمركية على السلع الصينية وتدفع نحو تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية في القطاعات الاستراتيجية، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين حماية صناعاتها المحلية والحفاظ على الوصول إلى الأسواق والتقنيات الحيوية.

ومع ذلك، لا تبدو الشركات الأوروبية الكبرى في طريقها إلى الانسحاب من الصين، بل على العكس، فهي تعمق وجودها المحلي وتشارك في تطوير المنتجات وتوسيع الابتكارات داخل المنظومة الصينية ثم تصديرها عالمياً.

ورغم أن الرسوم الجمركية والقيود التجارية قد تؤدي على المدى القصير إلى إطالة سلاسل التوريد ورفع التكاليف التشغيلية وإعادة هيكلة نماذج الأعمال، فإنها تدفع الشركات في الوقت نفسه إلى تعزيز المرونة وتنويع الشراكات وتوطين القدرات الحيوية في أكثر من منطقة جغرافية.

وتشير الاستثمارات الأوروبية في الصين، إلى جانب الشراكات المتنامية مع دول الشرق الأوسط، إلى أن مستقبل الاقتصاد العالمي لن يقوم على الانعزال أو الحمائية الاقتصادية، بل على مفهوم "الاعتماد المتبادل المُدار"، حيث تصبح الرسوم الجمركية واللوائح التنظيمية والمعايير التكنولوجية أدوات للتفاوض وتحسين الجودة أكثر من كونها حواجز مطلقة.

وبالنسبة للشركات، يعني ذلك ضرورة بناء سلاسل قيمة متعددة الأقطاب وأكثر مرونة. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فيعني إيجاد توازن بين الاستقلالية الاستراتيجية والانفتاح الاقتصادي. وبالنسبة للصين، فإنه يعني مواصلة التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار والاستدامة، ليصبح أحد الأعمدة الرئيسية للهندسة الاقتصادية العالمية الجديدة في القرن الحادي والعشرين.