بث تجريبي

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الصناعات الدفاعية؟

تقارير وملفات - Foresight

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تقني يضاف إلى الأدوات العسكرية التقليدية، بل أصبح أحد أبرز العوامل التي تعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين. فكما أحدثت الثورة الصناعية تحولات جذرية في بنية الجيوش، ثم غيرت الثورة الرقمية أساليب القيادة والسيطرة والاستخبارات، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يتجه اليوم نحو إحداث تحول أعمق يمس جوهر العلاقة بين الإنسان والآلة، وبين القرار العسكري والقدرة القتالية. فالمعادلة لم تعد قائمة فقط على امتلاك السلاح، بل على امتلاك العقل الذي يدير السلاح، والبيانات التي تغذيه، والخوارزميات التي تمنحه أفضلية في السرعة والدقة والتوقع.

ورغم اتساع النقاش العالمي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي العسكري، خاصة ما يتعلق بالأسلحة الذاتية التشغيل أو الاعتبارات الأخلاقية، فإن جانبًا بالغ الأهمية لا يزال يحظى باهتمام أقل، وهو التحول الجاري في بنية الصناعات الدفاعية نفسها. فالتغير الحقيقي لا يحدث فقط في ساحات المعركة، بل داخل الشركات العملاقة، ومراكز البيانات، وشبكات الاستثمار، ومختبرات البرمجيات، حيث يجري بناء أدوات القوة العسكرية المقبلة. ومن هنا، فإن فهم مستقبل الأمن الدولي بات يمر أيضًا عبر فهم من يطور هذه التقنيات، ومن يسيطر على مفاصلها الصناعية.

على امتداد القرن العشرين، كانت الدولة هي المحرك الرئيسي للابتكار العسكري. فوزارات الدفاع ومؤسسات البحث العسكري وشركات السلاح التقليدية شكلت معًا ما عرف بالمجمع الصناعي العسكري، حيث كانت الجيوش تحدد احتياجاتها، وتقوم الشركات بتصميم ما يلبي تلك الاحتياجات ضمن دورة طويلة من التعاقد والإنتاج والتطوير. غير أن الذكاء الاصطناعي قلب هذه المعادلة بصورة تدريجية. فالكثير من الابتكارات الأساسية في هذا المجال لم تأت من المؤسسات العسكرية، بل من القطاع الخاص المدني، وتحديدًا من شركات التكنولوجيا التي طورت الحوسبة السحابية، وتحليل البيانات الضخمة، والتعلم الآلي، والنماذج اللغوية المتقدمة. وبذلك أصبحت الدولة، في كثير من الأحيان، تسعى إلى توظيف ما ينتجه السوق بدل أن تكون هي المصدر الأول له.

هذا التحول يعكس حقيقة أعمق، وهي أن صناعة الذكاء الاصطناعي العسكري ليست قطاعًا منفصلًا يمكن عزله أو تعريفه بسهولة، بل هي شبكة معقدة تتداخل فيها طبقات متعددة. ففي الأساس تقف الشركات التي تنتج الرقائق الإلكترونية، وتدير مراكز البيانات، وتوفر البنية السحابية اللازمة لتشغيل النماذج الذكية. وفوق هذه الطبقة تأتي الشركات التي تطور النماذج الأساسية القادرة على التحليل والتنبؤ والتفاعل. ثم تأتي في القمة الشركات التي تحول هذه القدرات إلى تطبيقات عسكرية مباشرة، مثل أنظمة القيادة والسيطرة، والطائرات المسيّرة، وتحليل صور الأقمار الصناعية، وإدارة ساحة المعركة. وبذلك، فإن من يصنع القوة العسكرية الجديدة ليس جهة واحدة، بل منظومة مترابطة من الفاعلين الصناعيين.

في هذا السياق، برزت شركات التكنولوجيا الكبرى لاعبًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله. فشركات مثل ميكروسوفت وجوجل وأمازون لم تعد مجرد مؤسسات تجارية تقدم خدمات مدنية، بل باتت تتحكم في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها الجيوش الحديثة. فالقدرة على إدارة البيانات، وتأمين الشبكات، وتوفير الحوسبة السحابية، أصبحت لا تقل أهمية عن صناعة الطائرات أو الدبابات. ومن هنا، فإن النفوذ العسكري في المستقبل قد يُمارس أحيانًا من خلال المنصات الرقمية والخوادم بقدر ما يُمارس من خلال القواعد العسكرية.

وفي موازاة ذلك، ظهرت موجة من الشركات الدفاعية الناشئة التي تعمل بمنطق مختلف عن شركات السلاح التقليدية. فبدل انتظار عقود حكومية طويلة ومعقدة، تقوم هذه الشركات بتطوير منتجاتها أولًا ثم تعرضها على الجيوش لاحقًا. وقد سمح هذا النموذج بصعود عدد من الشركات الناشئة التي تقدم حلولًا في إدارة العمليات، وتحليل البيانات، وتشغيل الأنظمة الذاتية، ومواجهة أسراب الطائرات المسيّرة. وما يمنح هذه الشركات قوتها ليس حجم مصانعها أو تاريخها الطويل، بل سرعتها في الابتكار، وقدرتها على تحويل البرمجيات إلى أدوات قتالية خلال فترات قصيرة.

وهنا يتغير أيضًا مفهوم المجمع الصناعي العسكري التقليدي. ففي السابق، كانت القوة ترتبط بالشركات القادرة على إنتاج المنصات الثقيلة، مثل الطائرات والسفن والصواريخ. أما اليوم، فإن التفوق قد يتحقق عبر شركة صغيرة تمتلك خوارزمية أفضل، أو نظامًا أكثر دقة في تحليل الصور، أو منصة أسرع في دمج المعلومات وتقديم القرار. وهذا يعني أن رأس المال المعرفي بات ينافس رأس المال الصناعي، وأن البرمجيات أصبحت تنازع الحديد والصلب على موقعهما في قلب القوة العسكرية.

الأكثر حساسية في هذا التحول أن الشركات لم تعد تصنع الأدوات فقط، بل أصبحت تؤثر في القرار العسكري نفسه. فالأنظمة الذكية المستخدمة في دعم القادة العسكريين، أو اقتراح الأهداف، أو تقييم المخاطر، تُبنى وفق نماذج وخوارزميات تطورها شركات خاصة. وهذا يطرح سؤالًا استراتيجيًا عميقًا: إذا كانت الخوارزمية تؤثر في قرار استخدام القوة، فمن يملك القرار الحقيقي؟ المؤسسة العسكرية التي تستخدم النظام، أم الشركة التي صممته؟ كما أن أي انحياز أو خطأ أو ثغرة في هذه الأنظمة قد يتحول من خلل تقني إلى أزمة أمن قومي أو خطأ عملياتي واسع النطاق.

ويتخذ هذا المشهد بعدًا دوليًا واضحًا في ظل التنافس بين الولايات المتحدة والصين.  فالولايات المتحدة تمتلك بيئة ابتكار قوية تجمع بين الجامعات، ورأس المال المغامر، وشركات التكنولوجيا العملاقة، والمؤسسة العسكرية. أما الصين، فتعتمد على نموذج يقوم على التخطيط المركزي، والدعم الحكومي، والاندماج الوثيق بين القطاعين المدني والعسكري. ولهذا، فإن سباق الذكاء الاصطناعي العسكري لا يدور فقط حول من يمتلك السلاح الأفضل، بل حول من يمتلك النظام الصناعي الأكثر قدرة على التطوير السريع والإنتاج المستدام والتكيف مع المتغيرات.

ومع اتساع دور الشركات، تتزايد أيضًا التحديات القانونية والأخلاقية. فهذه المؤسسات، مهما كانت أهميتها، تبقى كيانات اقتصادية تسعى إلى الربح والنفوذ وتوسيع الأسواق. لكن القرارات العسكرية تتعلق بالحياة والموت، والسيادة، والقانون الدولي الإنساني. ومن ثم، تبرز أسئلة معقدة حول المسؤولية عن أخطاء الأنظمة الذاتية، وشفافية الخوارزميات، وحق الشركات في رفض الاستخدام العسكري لتقنياتها، وخطر احتكار عدد محدود من الشركات لمفاتيح القوة الرقمية العالمية.

في المحصلة، يبدو أن العالم يدخل مرحلة يعاد فيها توزيع القوة بين الدول والشركات في آن واحد. فالقوة العسكرية المقبلة لن تُقاس فقط بعدد الجنود، أو حجم الإنفاق الدفاعي، أو امتلاك المنصات القتالية الثقيلة، بل بامتلاك البيانات، والقدرة الحاسوبية، والنظام الصناعي القادر على تحويل الابتكار إلى تفوق عملياتي مستدام. ولذلك، فإن الدولة التي لا تمتلك قاعدة تكنولوجية وصناعية متقدمة قد تجد نفسها معتمدة على غيرها أمنيًا، حتى لو امتلكت جيشًا كبيرًا.

إن السؤال الحقيقي في السنوات المقبلة لن يكون فقط من يملك الجيش الأقوى، بل من يملك المنظومة القادرة على إنتاج القوة باستمرار. وفي هذا السياق، قد تُصنع موازين القوى القادمة داخل مراكز البيانات ومختبرات الخوارزميات، بقدر ما تُصنع في المصانع والثكنات العسكرية.