بث تجريبي

أوروبا في غرفة العناية المركزة: هل تكسر الطاقة عظام القارة العجوز؟

تحليلات - حميدة بوحقيفة
حميدة بوحقيفة
باحثة وأكاديمية ليبية

بقلم. حميدة بوحقيفة

بينما انشغل العالم طويلاً بصور الدبابات، وأصوات الطائرات، ومشاهد الجبهات المشتعلة، كانت معركة أخرى أكثر هدوءاً وأشد فتكاً تتشكل في الخلفية: معركة الطاقة. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالقوة العسكرية المباشرة، بل بقدرة الدول على التحكم في الموارد التي تُشغّل المصانع، وتدفئ البيوت، وتحافظ على إيقاع الحياة اليومية. وفي هذا السياق، وجدت الاتحاد الأوروبي نفسها أمام اختبار تاريخي غير مسبوق، حين اكتشفت أن القارة التي امتلكت لعقود فائض القوة الاقتصادية والتكنولوجية، تفتقر إلى أهم عناصر السيادة في القرن الحادي والعشرين؛ أمن الطاقة.

لقد تحوّل مفتاح الغاز، في لحظة جيوسياسية واحدة، من أداة تشغيل اعتيادية إلى ورقة ضغط استراتيجية. وأدركت العواصم الأوروبية أن الأنابيب التي كانت تُقدَّم بوصفها جسوراً للتعاون التجاري، يمكن أن تتحول سريعاً إلى شرايين قابلة للضغط والخنق. وهكذا لم تعد بروكسل تواجه مجرد أزمة إمدادات، بل أزمة تصور كامل للعلاقة بين الاقتصاد والسيادة، وبين السوق والأمن القومي.

شتاء الأوهام... حين خانت الأنابيب أصحابها

لسنوات طويلة، عاشت أوروبا ما يشبه "شهر العسل الطاقوي". فقد اعتمدت قطاعات صناعية كبرى في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها على تدفقات مستقرة من الغاز منخفض التكلفة، وجرى الاعتقاد بأن تشابك المصالح الاقتصادية كفيل بمنع الصراعات الكبرى. كانت الفكرة السائدة أن من يبيع الطاقة لن يخاطر بخسارة السوق، ومن يشتري الطاقة لن يغامر بتسييس التجارة.

لكن الحرب في أوكرانيا هزّت هذا الافتراض من جذوره. ففي غضون أشهر، اكتشفت أوروبا أنها لم تكن تشتري وقوداً فقط، بل كانت تشتري درجة عالية من الاعتماد الاستراتيجي. ارتفعت الأسعار، واهتزت سلاسل الإمداد، وتعرضت صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة لضغوط قاسية، وبدأ الحديث عن إغلاق مصانع، وتراجع تنافسية، ونقل استثمارات إلى مناطق أقل تكلفة.

لقد بدا المشهد وكأن القارة التي صدّرت للعالم مفاهيم الحوكمة والاستقرار وجدت نفسها فجأة رهينة لصمام غاز. وهنا ظهرت الحقيقة الأكثر قسوة: الأسواق وحدها لا تضمن الأمن، والعقود التجارية لا تعني الحصانة الجيوسياسية.

الغاز لم يعد وقوداً... بل أصبح سلاحاً صامتاً

في عالم ما بعد الأزمة، لم يعد الغاز مجرد سلعة. لقد أصبح أداة ضغط تعادل في أثرها كثيراً من الأسلحة التقليدية. فالقرار المتعلق بالتدفقات، أو الأسعار، أو البنية التحتية، قد ينعكس مباشرة على معدلات التضخم، والنمو، والاحتجاجات الاجتماعية، وثقة الناخبين بالحكومات.

إن الدولة التي لا تملك مرونة في مصادر الطاقة، ولا تسيطر على بدائلها، تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات. ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول وزارات الطاقة في أوروبا إلى غرف عمليات سياسية، وأن تصبح خزانات الغاز وموانئ الغاز المسال جزءاً من منظومة الأمن القومي.

لقد أدرك المواطن الأوروبي سريعاً أن الحرب لا تُخاض فقط في الخنادق البعيدة، بل في فاتورة الكهرباء، وفي سعر الخبز، وفي مستقبل الوظائف الصناعية. وهكذا انتقلت الطاقة من خانة الاقتصاد إلى قلب العقد الاجتماعي الأوروبي.

دبلوماسية البحث عن بديل... هل تنقذ الضفة الجنوبية أوروبا؟

في مواجهة هذا الواقع، بدأت أوروبا أكبر عملية إعادة تموضع طاقوي منذ عقود. اتجهت الأنظار نحو الجنوب والشرق، حيث تبرز إمكانات جديدة يمكن أن تعيد رسم الخريطة. من حقول شرق المتوسط، إلى إمكانات مصر، وموارد الجزائر، وشبكات شمال أفريقيا، بات الجوار العربي يمثل فرصة استراتيجية لا مجرد سوق مجاور.

فالقضية لم تعد مجرد شراء شحنات إضافية، بل بناء شراكات طويلة الأمد تشمل تطوير البنية التحتية للربط الكهربائي والغازي، والاستثمار في التخزين والنقل، ودعم الاستقرار السياسي في دول العبور والإنتاج، وتوسيع التعاون في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى خلق مصالح متبادلة تقلل احتمالات الانقطاع والابتزاز

وبهذا المعنى، فإن أمن جنوب المتوسط بات جزءاً من الأمن الأوروبي الداخلي. فاستقرار الضفة الجنوبية لم يعد شأناً خارجياً، بل ضرورة استراتيجية لبروكسل. غير أن السؤال يبقى قائماً: هل ستنجح أوروبا في بناء "جسر طاقة" متوازن، أم أنها ستستبدل تبعية قديمة بتبعيات جديدة موزعة على أكثر من طرف؟

المصيدة الخضراء... الهروب من الأنابيب إلى قبضة المعادن

في موازاة البحث عن مصادر تقليدية بديلة، دفعت الأزمة الأوروبية بقوة نحو تسريع التحول الأخضر. جرى تقديم الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر باعتبارها طريق الاستقلال الحقيقي، لأن الطاقة المنتجة محلياً تبدو أقل عرضة للابتزاز الخارجي.

لكن خلف هذا الوعد الأخضر، تكمن معضلة أخرى. فصناعة البطاريات، والتوربينات، والشبكات الذكية، والسيارات الكهربائية تعتمد على معادن نادرة وسلاسل توريد عالمية تهيمن عليها بدرجات متفاوتة الصين. وهنا تظهر المفارقة الجيوسياسية بوضوح: هل تهرب أوروبا من قبضة الأنابيب لتقع في قبضة المناجم والمصانع البعيدة؟ فالاعتماد لا يختفي دائماً، بل يغيّر شكله. وإذا كانت أزمة الأمس مرتبطة بالغاز، فقد تكون أزمة الغد مرتبطة بالليثيوم والكوبالت والمعالجات الإلكترونية. إنها لعبة انتقال المخاطر لا نهايتها.

الصناعة الأوروبية تحت الضغط

أحد أخطر أبعاد الأزمة يتمثل في تأثيرها على القدرة التنافسية الصناعية. فالصناعة الأوروبية، خصوصاً الكيميائيات والصلب والأسمدة والزجاج والسيارات، قامت جزئياً على طاقة مستقرة نسبياً. وعندما ترتفع التكلفة، تتآكل ميزة الإنتاج الأوروبي أمام منافسين في الولايات المتحدة أو آسيا أو الشرق الأوسط.

هذا الخطر لا يهدد الأرباح فقط، بل يهدد الوظائف، والاستثمار، ومكانة أوروبا الصناعية في النظام العالمي. ومن هنا بدأت بعض الشركات التفكير في نقل أجزاء من إنتاجها إلى مناطق توفر طاقة أرخص ودعماً أكبر. وفي حال استمر هذا الاتجاه، فإن أزمة الطاقة قد تتحول من أزمة ظرفية إلى أزمة بنيوية تمس مكانة القارة الاقتصادية لعقود.

المواطن الأوروبي... الجبهة الداخلية الجديدة

لم تعد المسألة محصورة في الحكومات والشركات. فالمواطن الأوروبي بات يشعر بأن أمنه اليومي مرتبط بقرارات الطاقة أكثر من أي وقت مضى. فاتورة التدفئة، وتكلفة النقل، وأسعار الغذاء، كلها أصبحت مؤشرات سياسية حساسة. وفي المجتمعات الديمقراطية، يمكن للأزمات المعيشية أن تعيد تشكيل المزاج الانتخابي، وتدفع نحو صعود تيارات احتجاجية أو شعبوية تشكك في سياسات الاتحاد الأوروبي، أو في كلفة العقوبات، أو في أولويات الإنفاق العام.

وهكذا، فإن الطاقة أصبحت عاملاً مؤثراً ليس فقط في الاقتصاد، بل في استقرار الديمقراطية الأوروبية نفسها.

بشكل عام، فإن ما يجري اليوم في أوروبا ليس مجرد أزمة أسعار أو خلل مؤقت في الإمدادات، بل إعادة تعريف شاملة لمفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين. فالأمن الأوروبي لم يعد يبدأ فقط من الجيوش والحدود، بل من القدرة على تشغيل المصانع، وإضاءة المدن، وتأمين احتياجات المواطن دون ابتزاز خارجي.

إن القارة العجوز تقف اليوم في غرفة العناية المركزة، لا لأن مؤسساتها انهارت، بل لأن نموذجها الاقتصادي يواجه اختباراً قاسياً. وإذا نجحت في تنويع مصادرها، وتسريع تحولها الأخضر بذكاء، وبناء شراكات متوازنة مع جوارها، فقد تخرج أكثر صلابة واستقلالاً. أما إذا أخفقت، فإن العظام التي قد تكسرها الطاقة لن تكون اقتصادية فقط، بل سياسية واجتماعية أيضاً.

في عالم اليوم، من يملك الطاقة يملك الوقت، ومن يملك الوقت يملك هامش القرار، ومن يملك القرار... يكتب التاريخ.