تطرح إدارة الرئيس دونالد ترامب نموذجاً جديداً للتعامل مع الهند، يعكس تحولاً طفيفاً في الاستراتيجية الإمبراطورية الأمريكية، لكنه في الوقت نفسه يواصل العديد من الممارسات التي طبعت السياسة الأمريكية على مدى عقود.
واستناداً إلى استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، التي تزعم أنها تنقل السياسة الأمريكية من هدف «الهيمنة العالمية» إلى هدف «تحقيق توازنات القوى العالمية والإقليمية»، تعيد إدارة ترامب تعريف الهند باعتبارها ركناً أساسياً في توازن القوى بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ورغم تأكيد مسؤولي الإدارة أنهم يريدون للهند أن تصبح مركز قوة رئيسياً في المنطقة، فإنهم في الوقت نفسه يضعون حدوداً لهذا الصعود، حرصاً على عدم تحولها إلى «صين جديدة».
وفي هذا السياق، قال مسؤول وزارة الخارجية الأمريكية كريستوفر لاندو للقادة الهنود في مارس الماضي: «ينبغي للهند أن تدرك أننا لن نكرر معها الأخطاء نفسها التي ارتكبناها مع الصين قبل عشرين عاماً».
النماذج الإمبراطورية الأمريكية تجاه الهند
على مدى العقدين الماضيين، طرحت الولايات المتحدة عدة تصورات استراتيجية للهند. وفي كثير من الأحيان كانت هذه التصورات إعادة صياغة لأفكار متجذرة في التخطيط الإمبراطوري الأمريكي، هدفت إلى دمج الهند في هياكل إقليمية واسعة تدعم النفوذ الأمريكي عبر أوراسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، قدم المسؤولون الأمريكيون نموذجاً واسع النطاق أعاد إحياء تصور إمبراطوري قديم. فقد جرى وضع الهند ضمن قوس جغرافي واسع من الدول يطوق أوراسيا، مع السعي إلى بناء شبكة من الشراكات العسكرية الأمريكية تمتد عبر المحيط الهادئ وصولاً إلى الهند.
وفي يونيو 2012، أوضح وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ليون بانيتا هذه الرؤية بقوله: «سنعمل على توسيع شراكاتنا العسكرية وحضورنا عبر القوس الممتد من غرب المحيط الهادئ وشرق آسيا إلى منطقة المحيط الهندي وجنوب آسيا. ويشكل التعاون الدفاعي مع الهند حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية».
وتشابه هذا النموذج إلى حد كبير مع مفهوم «الهلال العظيم» الذي تصوره وزير الخارجية الأمريكي الأسبق دين أتشيسون في بدايات الحرب الباردة. فوفقاً لرؤيته، كان هناك قوس واسع من الدول يحيط بأوراسيا، يبدأ من اليابان ويمر بجنوب شرق آسيا ويصل إلى الهند ويمتد حتى أفغانستان. وكان أتشيسون يرى أن هذه المنطقة تتمتع بأهمية جيوسياسية كبرى تستوجب تقديم الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي لدولها.
وفي شهادته أمام الكونغرس عام 1951 قال أتشيسون: «إن هدفنا الوطني العام في هذه المنطقة هو مساعدة شعوبها على بناء حكومات مستقلة ومستقرة وصديقة للولايات المتحدة».
من «الهلال العظيم» إلى «العجلة والمحاور»
في الوقت نفسه الذي بدأت فيه إدارة أوباما تطوير رؤية جديدة للهند ضمن إطار «الهلال العظيم»، بدأ المخططون الاستراتيجيون الأمريكيون في التفكير بنموذج آخر يقوم على مفهوم «العجلة والمحاور» (Hub-and-Spoke).
وانطلاقاً من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة والهند تشهدان تقارباً استراتيجياً بسبب القلق المشترك من صعود الصين، بدأ هؤلاء المخططون يتصورون إمكانية تحويل الهند إلى أحد المحاور الرئيسية في شبكة النفوذ الأمريكية في آسيا.
وفي أبريل 2017 قالت كيلي ماجسامين، المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية، أمام الكونغرس: «كلما استطعنا نحن والهند العمل معاً لتوسيع نموذج العجلة والمحاور في المنطقة، كان ذلك أفضل».
ويعود أصل هذا النموذج إلى أفكار وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون فوستر دالاس خلال الحرب الباردة، حيث تصور الولايات المتحدة كمركز رئيسي للقوة يمتد نفوذه عبر مجموعة من الحلفاء والمحاور الإقليمية. ورغم أن الهند لم تكن جزءاً من هذا النموذج في بداياته، فإن واشنطن سعت باستمرار إلى دمجها ضمن هذا النظام.
وبعد سنوات من الجهود الرامية إلى توسيع هذا النموذج ليشمل المحيط الهندي وبناء مفهوم أوسع لمنطقة «الهندو-باسيفيك»، دفعت إدارة جو بايدن بقوة نحو دمج الهند بصورة أوثق في هذه المنظومة.
وفي سبتمبر 2024، قال ريتشارد فيرما، المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية والسفير السابق لدى الهند: «لقد أصبح نموذجنا الأمني القائم على العجلة والمحاور في منطقة الهندو-باسيفيك أكثر تكاملاً، بحيث باتت هذه المحاور تتعاون بصورة منهجية ومنسقة».
نحو نموذج جديد: توازن القوى في مواجهة الصين
ورغم الجهود الأمريكية لدمج الهند في نموذج «العجلة والمحاور»، بدأ المخططون الأمريكيون يبحثون عن أطر بديلة في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها الصين وروسيا.
وفي هذا السياق، ألقى مسؤول وزارة الدفاع الأمريكية إلبريدج كولبي خطاباً مهماً أوضح فيه أن هدف إدارة ترامب يتمثل في توظيف الهند للمساهمة في إنشاء توازن قوى جديد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقال كولبي: «تؤمن الولايات المتحدة بأن الهند ستلعب دوراً محورياً في ضمان توازن قوى ملائم في المنطقة».
ويستند هذا التوجه إلى فكرة قديمة ومتجذرة في الفكر الاستراتيجي الأمريكي، تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين صاغ الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان تصوراً لنظام عالمي يضمن استمرار الهيمنة الأمريكية مع احتواء الاتحاد السوفيتي عبر إعادة بناء توازنات القوى في أوروبا وآسيا.
وفي نوفمبر 1947 كتب فريق التخطيط السياسي التابع لكينان: «يجب أن تتجه سياستنا في مجملها نحو استعادة توازن القوى في أوروبا وآسيا».
لكن ما يميز رؤية إدارة ترامب هو أنها تعتبر الهند مركز قوة رئيسياً إضافياً في أوراسيا. فبينما رأى كينان أن ألمانيا واليابان تمثلان الركيزتين الأساسيتين لتحقيق التوازن مع الاتحاد السوفيتي، يفكر المخططون الأمريكيون اليوم في استخدام الهند كقطب إضافي لمواجهة الصين.
وفي هذا الإطار قال النائب الجمهوري كيث سيلف: «أعتقد أن الهند حليف مهم في تحركنا لمواجهة الصين».
العقبات والطموحات
رغم هذا النموذج الجديد، تواجه إدارة ترامب عقبات عديدة، بعضها نتج عن سياساتها الخاصة.
فالرئيس الأمريكي تسبب في توترات متزايدة مع الهند من خلال فرض رسوم جمركية، وتشديد سياسات الهجرة، وتبني مواقف وُصفت بأنها تحمل نزعات عنصرية تجاه الهنود، الأمر الذي أثار ردود فعل سلبية متزايدة تجاه الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، أظهرت الإدارة قدراً من الغرور الإمبراطوري أضعف قدرتها على تنفيذ رؤيتها. فعندما أعلن كريستوفر لاندو أن واشنطن لن تسمح للهند بأن تصبح «صيناً أخرى»، أثارت تصريحاته استياءً واسعاً داخل الهند، رغم محاولاته الإشادة بإمكاناتها الاقتصادية والاستراتيجية.
وقال لاندو بصراحة: «لن نسمح لكم بتطوير كل هذه الأسواق ثم نفاجأ بأنكم تتفوقون علينا في مجالات تجارية عديدة».
لكن التحدي الأكبر أمام هذه الرؤية يأتي من الهند نفسها.
فمنذ استقلالها، تبنت الهند سياسة عدم الانحياز، ورغم أن المسؤولين الهنود باتوا يفضلون وصفها اليوم بـ«التعددية في التحالفات» أو «الاستقلالية الاستراتيجية»، فإن دوائر صنع القرار في واشنطن تدرك أن الهند ستواصل الاحتفاظ بمسافة معينة عن الولايات المتحدة، تماماً كما فعلت خلال الحرب الباردة.
وفي هذا السياق قال لاندو: «آمل أن نتمكن من تجاوز نموذج الحرب الباردة الذي يجعل الهند تشعر بضرورة إبقاء الولايات المتحدة على مسافة».
الخاتمة
على الرغم من هذه التحديات، لا تزال إدارة ترامب متمسكة بمشروعها الاستراتيجي. فحتى مع التوترات المتكررة في العلاقات الثنائية، تواصل واشنطن العمل على تموضع الهند كقوة إقليمية كبيرة، ولكن ضمن حدود تجعلها شريكاً مؤثراً دون أن تتحول إلى منافس مستقل على غرار الصين.
ويأمل المسؤولون الأمريكيون أن تشكل الهند تحدياً استراتيجياً حقيقياً للصين، حتى وإن لم تكن متحالفة بالكامل مع الولايات المتحدة.
وفي خطاب مهم حول سياسة واشنطن تجاه منطقة الهندو-باسيفيك الشهر الماضي، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث: «إن الهند القوية التي تعمل وفق مصالحها الوطنية تسهم في تحقيق هدفنا المشترك المتمثل في الحفاظ على توازن القوى في المنطقة».
وخلاصة القول إن إدارة ترامب تتبنى تصوراً إمبراطورياً جديداً يمنح الهند دوراً مختلفاً، لكنه لا يغير الكثير من جوهر الممارسات الأمريكية التقليدية. فبدلاً من الانطلاق من اهتمام حقيقي بمصالح الهند وشعبها، تبدو الإدارة وكأنها تعيد إنتاج نموذج إمبراطوري قديم يقوم على توظيف الهند لخدمة النفوذ والقوة الأمريكية في أوراسيا، مع الحرص في الوقت نفسه على منعها من التحول إلى قوة مستقلة قد تنافس واشنطن مستقبلاً.
