بث تجريبي

بين الردع والتسوية: لماذا لم تنتهِ المواجهة الأميركية ـ الإيرانية بعد؟

تحليلات - Foresight

في الشرق الأوسط، لا تُقاس التحولات الكبرى بما يُعلن في المؤتمرات الصحافية أو بما يُقال في التصريحات الرسمية، بل بما تكشفه لحظات التراجع المفاجئ عن الحرب أو الانتقال السريع إلى التفاوض. ومن هذا المنظور، فإن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء ضربة عسكرية كانت موجهة ضد إيران لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تعديل تكتيكي في إدارة أزمة عابرة، بل باعتباره مؤشراً على طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها المواجهة بين واشنطن وطهران. فخلال ساعات قليلة انتقل الخطاب الأميركي من التلويح بضرب أهداف استراتيجية إيرانية، بينها جزيرة خرج التي تمثل القلب النابض لصادرات النفط الإيرانية، إلى الحديث عن مذكرة تفاهم وشيكة، ووقف لإطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وربما اتفاق سياسي يجري التوقيع عليه خلال أيام. هذا التحول السريع أوحى للبعض بأن الحرب انتهت وأن المنطقة تتجه نحو تسوية تاريخية، إلا أن قراءة أعمق للمشهد تشير إلى أن ما يحدث ليس نهاية للصراع، بل إعادة تنظيم له وفق قواعد جديدة فرضتها موازين القوى والحقائق الجيوسياسية على الأرض.

في الواقع، تكشف الأزمة الحالية عن حقيقة أصبحت أكثر وضوحاً في السياسة الدولية خلال العقد الأخير، وهي أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها لتحقيق أهداف سياسية مستدامة. فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكن التجارب الممتدة من العراق إلى أفغانستان، ثم الحرب الأوكرانية والأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط، رسخت داخل دوائر صنع القرار الأميركي قناعة متزايدة بأن الحروب الكبرى قد تكون سهلة في بدايتها، لكنها شديدة الكلفة في نتائجها. ولذلك فإن التراجع عن تنفيذ ضربة واسعة ضد إيران لا يعكس ضعفاً أميركياً بقدر ما يعكس إدراكاً لحدود القوة الصلبة عندما تصبح تكلفة استخدامها أكبر من العائد المتوقع منها.

لقد أظهرت التسريبات المتعلقة بدراسة عملية برية تستهدف السيطرة على مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب أن واشنطن كانت أمام معضلة استراتيجية حقيقية. فالعملية، حتى لو نجحت عسكرياً، لم تكن لتُنهي الأزمة، بل ربما كانت ستفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة تمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر، فضلاً عن المخاطر المباشرة التي قد تتعرض لها القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة. كما أن أي اضطراب طويل الأمد في الخليج كان سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وإرباك الاقتصاد الدولي في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية تحديات اقتصادية وسياسية داخلية متزايدة. وبذلك لم يكن السؤال داخل واشنطن يتعلق بإمكانية توجيه ضربة لإيران، وإنما بما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لتحمل ما قد ينتج عنها من تداعيات.

في المقابل، لا يمكن وصف إيران بأنها خرجت منتصرة من هذه الجولة. فالعقوبات الاقتصادية الممتدة منذ سنوات ألحقت أضراراً عميقة بالاقتصاد الإيراني، وفرضت ضغوطاً كبيرة على الدولة والمجتمع. غير أن ما حققته طهران خلال هذه الفترة يتمثل في قدرتها على الصمود ومنع خصومها من فرض شروط الاستسلام عليها. فسياسة «الضغط الأقصى» التي اعتمدتها واشنطن منذ انسحابها من الاتفاق النووي عام 2018 نجحت في إضعاف الاقتصاد الإيراني، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الأساسية. فلم يتراجع البرنامج النووي، ولم يتقلص النفوذ الإقليمي الإيراني، ولم يتعرض النظام السياسي لهزة وجودية كما كان يأمل بعض صناع القرار في الغرب. وعلى العكس من ذلك، استطاعت إيران تطوير قدراتها الصاروخية والعسكرية، ورفع مستويات تخصيب اليورانيوم إلى حدود غير مسبوقة، وتعزيز قدرتها على استخدام الجغرافيا السياسية للمنطقة كورقة ضغط فعالة.

وهنا تظهر الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة من مجرد ممر مائي حيوي إلى أحد أهم عناصر الردع في السياسة الإيرانية. فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية لم يعد يمثل أهمية اقتصادية فحسب، بل أصبح أداة سياسية وأمنية تمنح طهران قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي تتجاوز بكثير حجمها الاقتصادي والعسكري التقليدي. ولهذا السبب لم يكن الحديث عن إعادة فتح المضيق مجرد تفصيل ضمن المفاوضات الجارية، بل كان في جوهره اعترافاً ضمنياً بأن أمن الطاقة العالمي أصبح جزءاً من معادلة التفاوض بين واشنطن وطهران. فكلما ارتفع احتمال إغلاق هرمز، ارتفعت معه كلفة المواجهة العسكرية، ليس على الولايات المتحدة وحدها، بل على الاقتصاد العالمي بأسره.

ومع ذلك، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في المضيق ولا في العقوبات الاقتصادية، بل في الملف النووي الذي ما زال يشكل العقدة المركزية في العلاقة بين الطرفين. فالمشكلة لم تعد تتعلق بما إذا كانت إيران قادرة على تخصيب اليورانيوم، لأن هذه المرحلة أصبحت وراء الجميع، وإنما تتعلق بالقدرة على منعها من التحول إلى دولة تمتلك القدرة التقنية الكاملة على إنتاج سلاح نووي إذا اتخذ القرار السياسي بذلك. وهذا الفارق بالغ الأهمية، لأن أي اتفاق جديد قد ينجح في تأخير البرنامج النووي أو إخضاعه لرقابة أكثر صرامة، لكنه لن يستطيع محو المعرفة التقنية والبنية العلمية التي راكمتها إيران خلال عقود. ومن هنا فإن أي تفاهم مرتقب سيكون في جوهره اتفاقاً لإدارة المخاطر وليس لحلها بصورة نهائية.

وتزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى الموقف الإسرائيلي. فبينما تبدو واشنطن مستعدة للقبول بتفاهم مرحلي يخفف التوتر ويؤجل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مراحل لاحقة، تنظر إسرائيل إلى المسألة من زاوية مختلفة تماماً. فمن منظورها، لا يكفي تجميد التخصيب أو فرض رقابة دولية على المنشآت النووية، بل يجب إزالة القدرة الإيرانية على إنتاج السلاح النووي بشكل كامل، إلى جانب تقليص النفوذ الإقليمي لطهران والحد من برنامجها الصاروخي. وهذه الأهداف تتجاوز كثيراً ما يمكن أن تنتجه المفاوضات الحالية، الأمر الذي يجعل إسرائيل عاملاً دائماً في معادلة عدم اليقين المحيطة بأي اتفاق محتمل.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على أطرافها المباشرين، إذ تراقب القوى الكبرى الأخرى التطورات باهتمام بالغ. فالصين، التي تعتمد بصورة متزايدة على واردات الطاقة القادمة من الخليج، ترى في أي تهدئة ضمانة لاستقرار تدفق النفط وحماية لمصالحها الاقتصادية المتنامية. أما روسيا، فتنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة، إذ تستفيد من انشغال الولايات المتحدة بأزمات الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في انفجار إقليمي واسع قد يهدد استقرار أسواق الطاقة أو يخلق واقعاً أمنياً يصعب السيطرة عليه. وهكذا تتحول الأزمة الإيرانية الأميركية إلى جزء من التنافس الدولي الأوسع على النفوذ وإدارة التوازنات العالمية.

كل ذلك يشير إلى أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية أكثر منه أمام تسوية نهائية. فالولايات المتحدة اكتشفت أن الحسم العسكري ضد إيران يحمل كلفة استراتيجية واقتصادية مرتفعة، وإيران أدركت بدورها أن استمرار المواجهة المفتوحة يهدد استقرارها الاقتصادي ويحد من قدرتها على المناورة. وبين هذين الإدراكين نشأت مساحة للتفاوض، لكنها ليست بالضرورة مساحة للسلام الدائم. فالقضايا الأساسية التي فجرت الأزمة لا تزال قائمة: البرنامج النووي، والعقوبات، والنفوذ الإقليمي، وأمن الممرات البحرية، والهواجس الإسرائيلية. ولذلك فإن الهدنة المحتملة، إذا كُتب لها النجاح، لن تكون أكثر من محطة ضمن مسار طويل من إدارة الصراع.

إن السؤال الحقيقي الذي يواجه المنطقة اليوم لا يتعلق بموعد توقيع مذكرة التفاهم أو احتمالات نجاحها، بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل في أعقابها. فهل تتجه المنطقة نحو نموذج جديد من التوازنات يتيح استيعاب إيران كقوة إقليمية مؤثرة ضمن ترتيبات أمنية مستقرة؟ أم أن ما نشهده ليس سوى استراحة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع؟ حتى الآن لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لم يغادر بعد منطقة الخطر، وأن ما يبدو هدنة اليوم قد يكون مجرد فصل جديد في صراع طويل لم تُحسم أسبابه العميقة بعد.