بين طموح النفوذ وقيود القوة: هل تعود أوروبا لاعبًا استراتيجيًا في الشرق الأوسط؟
في خضم التصعيد غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، وما يرافقه من مخاطر تهدد أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرات التجارية وخرائط التحالفات الإقليمية، تبدو أوروبا وكأنها تحاول استعادة دور افتقدته طويلًا في الشرق الأوسط. فالاجتماع الطارئ الذي جمع قادة الاتحاد الأوروبي مع عدد من قادة الشرق الأوسط لم يكن مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة، بل عكس إدراكًا متزايدًا داخل العواصم الأوروبية بأن التحولات الجارية في المنطقة لم تعد شأنًا إقليميًا بعيدًا، بل أصبحت قضية تمس الأمن الأوروبي بصورة مباشرة.
لقد اعتادت أوروبا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، العمل داخل الشرق الأوسط من خلال المظلة الاستراتيجية الأمريكية. وحتى عندما حاولت بعض القوى الأوروبية الكبرى، مثل فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا، تطوير سياسات مستقلة تجاه أزمات المنطقة، ظلت هذه السياسات محكومة بقيود القوة العسكرية وموازين النفوذ الدولية. لكن التطورات الأخيرة دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في هذا الدور التقليدي.
من سياسة الجوار إلى معادلة الأمن المباشر
التحول الأهم في المقاربة الأوروبية يتمثل في انتقال الشرق الأوسط من كونه جزءًا من "سياسة الجوار" إلى كونه أحد ملفات الأمن القومي الأوروبي. فالحروب الممتدة في المنطقة لم تعد تُنتج فقط موجات من عدم الاستقرار المحلي، بل أصبحت ترتبط مباشرة بقضايا الهجرة والطاقة والإرهاب والجريمة المنظمة والتجارة الدولية.
ومن هذا المنظور، لا تنظر أوروبا إلى التصعيد الحالي بين إيران وإسرائيل باعتباره أزمة شرق أوسطية فحسب، بل باعتباره تهديدًا محتملاً لسلسلة واسعة من المصالح الأوروبية الحيوية. فأي اضطراب واسع في الخليج أو شرق المتوسط أو البحر الأحمر يمكن أن ينعكس فورًا على الاقتصاد الأوروبي الذي ما يزال يعاني من تداعيات الحرب الأوكرانية وأزمات الطاقة العالمية.
ولهذا السبب، أصبح منع الانهيار الإقليمي هدفًا أوروبيًا بحد ذاته، حتى لو لم تكن أوروبا قادرة على فرض تسويات سياسية شاملة.
مأزق القوة الأوروبية
ورغم هذا الإدراك المتزايد، تواجه أوروبا معضلة بنيوية تتمثل في الفجوة بين حجم مصالحها في الشرق الأوسط وحجم أدواتها الفعلية للتأثير.
فالتجارب الأوروبية خلال العقدين الماضيين كشفت حدود النفوذ الأوروبي في المنطقة. ففي ليبيا فشلت باريس وروما في إنتاج مقاربة موحدة، وتحولت المنافسة بينهما إلى عامل إضافي في تعقيد الأزمة. وفي سوريا بقيت أوروبا لاعبًا هامشيًا مقارنة بروسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا. أما في لبنان، فلم تتمكن المبادرات الفرنسية المتكررة من إحداث اختراق حقيقي في الأزمة السياسية المزمنة. كما أن الدعم الأوروبي المتواصل لحل الدولتين لم يمنع تدهور الوضع الفلسطيني أو انفجار الحرب في غزة.
هذه الإخفاقات لا تعكس فقط ضعف الإرادة السياسية، بل تكشف أيضًا محدودية الأدوات الأوروبية في بيئة إقليمية ما تزال القوة العسكرية والردع الأمني يشكلان عنصرين أساسيين فيها.
إيران: جوهر القلق الأوروبي
إذا كانت الحرب في غزة قد أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، فإن التحدي الاستراتيجي الأعمق بالنسبة لأوروبا يتمثل في إيران.
فالعواصم الأوروبية تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الأمني الإقليمي. ويكمن القلق الأوروبي في أن انتقال إيران من دولة "عتبة نووية" إلى دولة تمتلك سلاحًا نوويًا فعليًا قد يطلق سباق تسلح إقليميًا يمتد إلى قوى أخرى مثل السعودية وتركيا وربما مصر، الأمر الذي سيعيد تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بالكامل.
وفي الوقت نفسه، تدرك أوروبا أن سياسة العقوبات وحدها لم تنجح في تغيير السلوك الإيراني بصورة حاسمة. ولذلك يبرز داخل بعض الدوائر الأوروبية اتجاه يدعو إلى الجمع بين الضغط والاحتواء، عبر إبقاء مسار الحوافز الاقتصادية مفتوحًا بالتوازي مع تشديد القيود على أي خطوات تقود إلى عسكرة البرنامج النووي.
غير أن هذا التوجه يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا يتمثل في توسع النفوذ الإيراني الإقليمي عبر شبكة من الحلفاء والفاعلين غير الحكوميين الذين باتوا يشكلون جزءًا من بنية الأمن الإقليمي الممتدة من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن.
الشرق الأوسط كساحة للتنافس العالمي
المشكلة الأساسية التي تواجه أوروبا أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد إقليم مضطرب يحتاج إلى إدارة أزمات، بل أصبح إحدى ساحات المنافسة بين القوى الكبرى.
فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية المهيمنة، وروسيا رسخت وجودها في سوريا، والصين تواصل توسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي. وفي ظل هذا المشهد، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة: فهي تمتلك مصالح استراتيجية كبيرة، لكنها لا تمتلك مستوى النفوذ نفسه الذي تمتلكه القوى الأخرى.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الأوروبي المتزايد بالعراق وسوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية ومصر. فهذه الملفات لا تُنظر إليها من زاوية إنسانية أو تنموية فقط، بل باعتبارها نقاط ارتكاز في معركة أوسع تتعلق بمنع توسع النفوذ الإيراني، واحتواء تداعيات الانهيار الاقتصادي، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي.
حدود العودة الأوروبية
مع ذلك، فإن الحديث عن "عودة أوروبية" إلى الشرق الأوسط ينبغي التعامل معه بحذر. فالاتحاد الأوروبي ما يزال يفتقر إلى سياسة خارجية موحدة بالكامل، كما أن قدراته العسكرية المشتركة محدودة مقارنة بالولايات المتحدة.
لذلك تبدو الاستراتيجية الأوروبية الراهنة أقرب إلى محاولة إدارة المخاطر منها إلى مشروع لإعادة تشكيل المنطقة. فهي تسعى إلى منع انهيار الدول الهشة، واحتواء النفوذ الإيراني، والحفاظ على تدفق الطاقة والتجارة، وتقليل احتمالات موجات هجرة جديدة نحو السواحل الأوروبية.
وبعبارة أخرى، لا تتحرك أوروبا اليوم بدافع الطموح الإمبراطوري أو الرغبة في الهيمنة، بل بدافع الخوف من تداعيات الفوضى الإقليمية على أمنها الداخلي.
خاتمة
تكشف التطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط عاد مجددًا إلى صدارة الحسابات الاستراتيجية الأوروبية، لكن في سياق مختلف عن ذلك الذي ساد خلال القرن العشرين. فالقارة الأوروبية لا تسعى اليوم إلى فرض ترتيبات سياسية جديدة بقدر ما تحاول منع انهيار الترتيبات القائمة. وبينما يتزايد إدراكها للمخاطر القادمة من الجنوب، تبقى قدرتها على التأثير مرهونة بمدى نجاحها في تجاوز انقساماتها الداخلية، وتطوير أدوات أكثر فاعلية للعمل المشترك مع القوى الإقليمية والدولية.
وفي ظل استمرار الحرب في غزة، والتوتر بين إيران وإسرائيل، وتصاعد المنافسة الدولية على الشرق الأوسط، يبدو أن أوروبا تجد نفسها أمام اختبار استراتيجي جديد: هل تستطيع التحول من قوة اقتصادية ودبلوماسية إلى فاعل جيوسياسي مؤثر، أم ستظل لاعبًا ثانويًا في منطقة لا تزال تحدد ملامح النظام الدولي أكثر مما تتأثر به؟
