إثيوبيا والبحث عن منفذ بحري: صراع الجغرافيا وحدود القوة في القرن الأفريقي

دراسات وأبحاث - Foresight

لم تعد مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري مجرد ملف اقتصادي مرتبط بتقليل تكلفة تجارتها الخارجية، بل تحولت تدريجياً إلى قضية استراتيجية تتقاطع فيها اعتبارات الجغرافيا والأمن القومي والقانون الدولي مع صراعات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فمنذ أن أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة عقب استقلال إريتريا عام 1993، ظلت تعتمد بدرجة كبيرة على موانئ دول الجوار، وفي مقدمتها جيبوتي، لتأمين احتياجاتها التجارية واللوجستية.

وخلال السنوات الأخيرة، انتقل هذا الملف من مستوى البحث عن ترتيبات تجارية ومينائية إلى خطاب سياسي أكثر وضوحاً بشأن ما تعتبره أديس أبابا حاجة استراتيجية طويلة الأمد. ومع وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، برز مفهوم «دبلوماسية الموانئ» بوصفه أحد محاور السياسة الخارجية الإثيوبية، قبل أن يتطور الخطاب لاحقاً إلى وصف الوصول إلى البحر الأحمر بأنه «ضرورة وجودية».

لكن المشكلة التي تواجهها إثيوبيا لا تتمثل في غياب الخيارات الجغرافية فحسب، وإنما في طبيعة الخيارات المتاحة سياسياً وقانونياً. فالمنافذ المحتملة تقع في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتداخل مصالح إثيوبيا مع مصالح إريتريا والصومال وجيبوتي والسودان، فضلاً عن الحسابات المصرية والعربية والأمنية المرتبطة بالبحر الأحمر وخليج عدن.

ومن ثم، فإن السؤال المركزي لم يعد ما إذا كانت إثيوبيا تحتاج إلى منفذ بحري، بل كيف يمكنها تحقيق هذا الهدف من دون تحويل حاجتها الجغرافية إلى مصدر لصراع إقليمي جديد؟

من الدولة الحبيسة إلى «دبلوماسية الموانئ»

أعاد استقلال إريتريا عام 1993 تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية لإثيوبيا بصورة جذرية. فالدولة التي كانت تمتلك منفذين بحريين رئيسيين، عصب ومصوع، فقدت وصولها المباشر إلى البحر، وتحولت إلى دولة حبيسة تعتمد على موانئ الدول المجاورة.

ومع تولي آبي أحمد رئاسة الحكومة في أبريل 2018، اكتسب البحث عن منفذ بحري زخماً سياسياً جديداً. وسعت أديس أبابا إلى تطوير ترتيبات مع دول الجوار تتيح لها استخدام موانئ إقليمية. وفي مايو من العام نفسه، أبرمت اتفاقاً مع السودان بشأن النفاذ إلى ميناء بورتسودان، كما وقعت في الشهر التالي اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدد من الموانئ.

لكن هذه المبادرات لم تتحول إلى ترتيبات مستقرة، بفعل اختلافات وتعقيدات سياسية وإقليمية حالت دون استمرارها بالصورة التي كانت تطمح إليها أديس أبابا.

وفي أكتوبر 2023، انتقل الخطاب الإثيوبي إلى مستوى أكثر حدة عندما وصف آبي أحمد الوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر بأنه «ضرورة وجودية». وأعاد هذا الخطاب طرح القضية باعتبارها جزءاً من الأمن القومي الإثيوبي، وليس مجرد مسألة تتعلق بتسهيل التجارة.

وفي يوليو 2026، اكتسب الملف بعداً أمنياً إضافياً، عندما ربط رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، السعي إلى منفذ بحري بالحاجة إلى الحفاظ على جاهزية عسكرية مرتفعة، في ظل ما وصفه بتدهور الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. كما تحدث عن جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية قال إنها تعمل على تقويض أمن إثيوبيا ومنعها من الاضطلاع بدورها الإقليمي.

هذا الانتقال من الدبلوماسية الاقتصادية إلى الخطاب الأمني يمثل أحد أهم التحولات في القضية. فكلما ارتبط الوصول إلى البحر بالأمن القومي، ازدادت حساسية الدول الساحلية تجاهه، خصوصاً إذا كان المقصود لا يقتصر على استخدام تجاري للموانئ وإنما يشمل وجوداً عسكرياً أو ترتيبات أمنية طويلة الأجل.

ما الذي تريده إثيوبيا تحديداً؟

تكمن إحدى المشكلات الأساسية في أن عبارة «الوصول إلى البحر» يمكن أن تحمل معاني مختلفة. فقد تعني ترتيبات تجارية تسمح لإثيوبيا باستخدام ميناء أجنبي، أو استئجار مرافق مينائية، أو الاستثمار في البنية التحتية، أو إنشاء ممر تجاري، وقد تمتد في تفسير آخر إلى الحصول على موطئ قدم بحري أو وجود عسكري.

وهذا التمييز جوهري في فهم المواقف الإقليمية.

فالبرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد يؤكد أن بلاده تسعى إلى تحقيق هدفها من خلال الحوار والتفاهم مع دول الجوار، ويقدم المسألة باعتبارها شراكة تقوم على «الأخذ والعطاء» والمنافع الاقتصادية المتبادلة. ويشير في هذا السياق إلى إمكانية تقديم إثيوبيا مزايا للدول المضيفة، مثل الطاقة الكهربائية المولدة من سد النهضة والاستثمارات والفرص الاقتصادية.

وفق هذه الرؤية، يمكن تحويل حاجة إثيوبيا إلى فرصة اقتصادية لدول الجوار، بدلاً من التعامل معها باعتبارها تهديداً أمنياً.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتسع مفهوم «المنفذ البحري» ليشمل ترتيبات عسكرية. فالدول الساحلية ترى أن السماح لدولة غير مشاطئة بإنشاء وجود أمني أو عسكري دائم على سواحلها يختلف جذرياً عن منحها حقاً تجارياً في استخدام الموانئ.

ومن هنا نشأ جانب أساسي من الخلاف الحالي: هل تبحث إثيوبيا عن منفذ تجاري أم عن موطئ قدم استراتيجي على البحر الأحمر؟

الصومال وأرض الصومال: العقدة الأكثر وضوحاً

كان توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال عام 2024 للحصول على منفذ إلى ميناء بربرة أحد أكثر التطورات حساسية في هذا الملف.

فمقديشو اعتبرت الاتفاق مساساً بسيادتها، وألغته بقرار رئاسي، وحظي موقفها بدعم عربي، من بينها دعم مصري. ثم دخلت تركيا على خط الأزمة بوساطة ساعدت على تهدئة الموقف في نهاية ذلك العام.

تكمن حساسية قضية بربرة في أن أرض الصومال أعلنت استقلالها من جانب واحد، لكنها لا تحظى باعتراف دولي بوصفها دولة مستقلة. ومن ثم فإن أي اتفاق مباشر معها بشأن ترتيبات استراتيجية أو عسكرية يواجه تلقائياً سؤال السيادة الصومالية.

بالنسبة إلى أديس أبابا، يمثل بربرة خياراً جغرافياً جذاباً، لأنه يوفر منفذاً قريباً نسبياً من الأراضي الإثيوبية. أما بالنسبة إلى مقديشو، فإن السماح لإثيوبيا بإنشاء وجود دائم في الساحل الشمالي للصومال يمكن أن يتحول إلى سابقة تؤثر في وحدة الأراضي الصومالية.

ولذلك لم يكن الخلاف حول الميناء منفصلاً عن الصراع الأوسع حول مستقبل العلاقة بين الصومال وأرض الصومال، بل أصبح جزءاً من توازنات القرن الأفريقي ذاته.

إريتريا: الماضي الذي لم يغلق ملفه

تمثل إريتريا الحالة الأكثر تعقيداً بالنسبة لإثيوبيا. فهذه الدولة هي التي أدى استقلالها إلى فقدان إثيوبيا منفذها البحري المباشر في الأساس، كما أنها تمتلك ميناءي عصب ومصوع اللذين شكلا تاريخياً جزءاً من المجال البحري الإثيوبي.

وعلى الرغم من التحسن الكبير في العلاقات بين البلدين بعد اتفاق السلام الذي وقع في 2018، فإن العلاقة عادت إلى التوتر لاحقاً، ولا تزال قضية الحدود والنفوذ الإقليمي حاضرة في الحسابات المتبادلة.

وقد رفضت أسمرة مراراً ما تعتبره طموحات إثيوبية تجاه سواحلها. وفي يوليو 2025، اتهم الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات مرتبطة بالمياه والوصول إلى البحر الأحمر، بينما وصف وزير الإعلام الإريتري الخطاب الإثيوبي بأنه عودة إلى «قرع طبول الحرب».

ويكشف الموقف الإريتري عن معضلة أساسية: بالنسبة إلى إثيوبيا، فقدان الوصول إلى البحر نتيجة استقلال إريتريا يمثل مشكلة جيوسياسية مستمرة؛ أما بالنسبة إلى أسمرة، فإن أي محاولة لإعادة صياغة هذا الواقع يمكن أن تُفهم بوصفها تهديداً مباشراً للسيادة الإريترية.

مصر: الفصل بين التجارة والوجود العسكري

يتسم الموقف المصري بدرجة عالية من الوضوح في رفض أي وجود عسكري إثيوبي على البحر الأحمر، مع التأكيد على إمكانية النفاذ التجاري للدول الحبيسة ضمن أطر قانونية وترتيبات متفق عليها.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن الدول ذات السيادة والمطلة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، محذراً من أن منح دول غير ساحلية منفذاً بحرياً عسكرياً يمكن أن يؤدي إلى حالة من الفوضى، خصوصاً مع وجود عدد من الدول الأفريقية الحبيسة.

وفي تصريحات أخرى، شدد عبد العاطي على ضرورة احترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها، ورفض أي تحركات أحادية يمكن أن تهدد السلم والأمن الإقليميين أو تفرض الوصول إلى البحر بالقوة.

كما أكد الموقف المصري رفض «تدويل» أو «عسكرة» البحر الأحمر وخليج عدن، ورفض مشاركة أطراف غير مشاطئة في ترتيبات أمنية تتعلق بالمنطقة.

وتستند هذه السياسة إلى تصور أوسع تعتبر فيه القاهرة البحر الأحمر وخليج عدن مجالاً أمنياً متصلاً بأمن مصر والممرات البحرية والتجارة الدولية. ويزداد هذا التصور حساسية في ظل الموقع الاستراتيجي لباب المندب وقناة السويس، والتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر.

لكن من المهم التمييز بين رفض وجود عسكري إثيوبي على البحر الأحمر وبين رفض حصول إثيوبيا على ترتيبات تجارية. فالتقرير ينقل عن الخبير المصري رمضان قرني أن القاهرة لا تعارض من حيث المبدأ حصول إثيوبيا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية وبترتيبات مع دول الجوار، وإنما تتحفظ بشدة على أي منفذ عسكري.

وهذا التمييز يفتح مجالاً نظرياً لتسويات تفاوضية، إذا أمكن تحديد طبيعة الحقوق التي تطالب بها إثيوبيا وضمان عدم تحولها إلى وجود أمني أو عسكري يغير موازين القوة في البحر الأحمر.

لماذا تنظر القاهرة إلى الملف باعتباره قضية أمن إقليمي؟

لا يمكن فصل الموقف المصري عن البيئة الأمنية المتغيرة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تعدداً متزايداً للقوى الدولية والإقليمية، وتزايدت أهمية الموانئ والقواعد العسكرية والممرات البحرية.

وفي هذا السياق، ترى القاهرة أن أي وجود عسكري جديد لدولة غير ساحلية يمكن أن يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى نظام أمني شديد الحساسية بالفعل.

ويكتسب الأمر بعداً إضافياً بسبب الخلافات المصرية الإثيوبية حول مياه النيل وسد النهضة. وعلى الرغم من تأكيد القاهرة أن اعتراضها على النفاذ البحري ليس مرتبطاً مباشرة بملف المياه، فإن تزامن الملفين يجعل من الصعب عملياً فصل الحسابات الاستراتيجية بينهما بصورة كاملة.

كما أن دخول قوى خارجية على خط التنافس يزيد المخاوف المصرية. ويشير التقرير إلى الدعم الإسرائيلي المعلن للمساعي الإثيوبية، وهو ما تنظر إليه بعض الأوساط المصرية باعتباره عاملاً يزيد حساسية الملف.

إسرائيل والبحر الأحمر: متغير إضافي

في سبتمبر 2026، نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، دعم بلاده جهود أديس أبابا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر، معتبراً أن تمكين إثيوبيا وتعزيز استقرارها يمكن أن يخدم مصالح المنطقة.

ولا يمثل هذا الموقف تفصيلاً ثانوياً في الحسابات المصرية والإقليمية. فإسرائيل تنظر منذ سنوات إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر باعتبارهما جزءاً من بيئتها الأمنية والاستراتيجية الأوسع، فيما تكتسب المنطقة أهمية متزايدة في ظل تهديدات الملاحة البحرية والتوترات في باب المندب.

غير أن طبيعة الدعم الإسرائيلي وأهدافه العملية تحتاج إلى تمييزها عن مجرد التأييد السياسي. فالتأييد الدبلوماسي لا يعني بالضرورة التزاماً بتوفير ترتيبات عسكرية أو ضمانات لإثيوبيا، ولا يعني أن تحقيق المنفذ البحري أصبح أمراً محسوماً.

وبحسب الخبير رمضان قرني، فإن الدعم الإسرائيلي لن يغير الموقف المصري الرافض للوجود البحري الإثيوبي العسكري. وفي المقابل، يرى آخرون أن الدعم الإسرائيلي قد يكون جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بتعزيز العلاقات مع إثيوبيا وموازنة النفوذ الإقليمي.

جيبوتي: النموذج الذي يثبت أن البديل ممكن

تكشف علاقة إثيوبيا بجيبوتي عن مفارقة مهمة. فجيبوتي توفر بالفعل الجزء الأكبر من البنية البحرية التي تعتمد عليها التجارة الإثيوبية، ما يعني أن مشكلة «الدولة الحبيسة» ليست بالضرورة مرادفة لانعدام الوصول إلى البحر.

لكن الاعتماد المكثف على ميناء دولة أخرى يخلق، من منظور إثيوبيا، درجة من الاعتمادية الاستراتيجية والاقتصادية التي قد ترغب أديس أبابا في تقليلها.

ولهذا فإن البحث عن منافذ بديلة يمكن تفسيره جزئياً باعتباره محاولة لتنويع طرق التجارة وتقليل مخاطر الاعتماد على مسار واحد. غير أن تحويل التنويع التجاري إلى وجود عسكري دائم يغير طبيعة المسألة بالكامل، ويجعلها أكثر ارتباطاً بتوازنات القوة والسيادة.

وهنا يمكن أن يكمن أحد المخارج المحتملة للأزمة: الفصل المؤسسي والقانوني بين حق إثيوبيا في الوصول إلى التجارة الدولية وبين حق الدول الساحلية في تحديد طبيعة الوجود العسكري على أراضيها ومياهها الإقليمية.

السودان: الحلقة الأكثر تعقيداً

يمثل السودان عاملاً إضافياً في المعادلة. فالعلاقات الإثيوبية السودانية تتأثر بملفات عدة، من بينها الحدود، وسد النهضة، والحرب السودانية المستمرة، إلى جانب الاتهامات المتبادلة بشأن دعم أطراف في الصراع.

وفي ظل هذه البيئة، يصبح حصول إثيوبيا على موطئ قدم على الساحل السوداني أكثر تعقيداً. ويشير الخبير عبد المنعم أبو إدريس إلى صعوبة حصول أديس أبابا على منفذ في ظل التوترات الحالية، كما يرى أن وجوداً عسكرياً إثيوبياً على الساحل السوداني أو البحر الأحمر سيكون موضع رفض مصري.

ويعني ذلك أن أي ترتيب بحري إثيوبي عبر السودان يحتاج، فضلاً عن موافقة الخرطوم، إلى بيئة سياسية وأمنية مختلفة عن الوضع الحالي.

الأزمة الداخلية الإثيوبية وحدود القدرة على التحرك

لا تجري الدبلوماسية البحرية الإثيوبية في فراغ. فإثيوبيا تواجه تحديات داخلية معقدة، بما في ذلك التوترات والأزمات المسلحة في أقاليم أورومو وأمهرة وتيغراي، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية.

ويجادل البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد بأن هذه التوترات مؤقتة ولن تعرقل استراتيجية بلاده البحرية. لكن التقديرات المقابلة ترى أن استمرار الضغوط الداخلية يمكن أن يحد من قدرة الحكومة على تحمل تكلفة استراتيجية إقليمية طويلة الأمد.

وهذه النقطة مهمة لأن الحصول على منفذ بحري ليس مجرد اتفاق سياسي. فهو يحتاج إلى استثمارات في البنية التحتية، وطرق وممرات نقل، وحماية أمنية، وقدرات بحرية، وترتيبات معقدة مع الدولة المضيفة. وكل ذلك يتطلب موارد مالية وسياسية وأمنية كبيرة.

وبالتالي، فإن قدرة إثيوبيا على تنفيذ طموحها البحري ترتبط جزئياً بقدرتها على إدارة أزماتها الداخلية بالتوازي مع تحركاتها الخارجية.

بين «الحق الوجودي» وقيود القانون الدولي

يشكل التعبير الإثيوبي عن الوصول إلى البحر بوصفه «حقاً وجودياً» أحد أكثر جوانب القضية إثارة للجدل. فمن الناحية السياسية، يمكن فهم هذا الخطاب في ضوء حقيقة أن دولة يزيد عدد سكانها عن مئة مليون نسمة لا تمتلك منفذاً بحرياً مباشراً، وأن جزءاً كبيراً من تجارتها الخارجية يمر عبر دول أخرى.

لكن تحويل الضرورة الاقتصادية إلى «حق» يحتاج إلى تمييز بين الحق في الوصول إلى التجارة الدولية وبين الحق في امتلاك أو السيطرة على منفذ بحري في دولة أخرى.

فالدولة الحبيسة يمكن أن تسعى إلى ترتيبات تضمن لها الوصول إلى الموانئ والأسواق الدولية، لكن هذا لا يعني تلقائياً امتلاكها حقاً في فرض وجود عسكري أو الحصول على إقليم ساحلي من دولة أخرى.

وهنا تكمن أهمية القانون الدولي والتفاوض الثنائي ومتعدد الأطراف. فكلما ارتبط الطلب الإثيوبي بالترتيبات التجارية والاستثمارية، أصبح مجال التفاوض أوسع. وكلما ارتبط بإنشاء قاعدة عسكرية أو موطئ قدم أمني، ازدادت مقاومة الدول المعنية له.

التحالفات الإقليمية تعيد رسم المشهد

أدت الأزمة حول المنفذ البحري إلى دفع عدد من دول المنطقة إلى تنسيق أكبر فيما بينها. ويشير التقرير إلى تنامي التعاون المصري مع إريتريا والصومال وجيبوتي حول مبدأ أساسي يتمثل في اختصاص الدول المشاطئة بإدارة سواحل البحر الأحمر وترتيباته الأمنية.

ومن منظور إثيوبيا، قد يبدو هذا التنسيق محاولة لمحاصرة خياراتها البحرية، وهو ما عبر عنه المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية باتهام القاهرة بالسعي إلى تطويق إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى البحر الأحمر.

أما من منظور الدول المعنية، فيمكن تفسير هذا التنسيق باعتباره دفاعاً عن السيادة ومنعاً لإقامة ترتيبات أحادية الجانب يمكن أن تغير ميزان القوة الإقليمي.

وهكذا ينتقل الخلاف من كونه نزاعاً ثنائياً بين إثيوبيا ودولة ساحلية إلى مشكلة تتعلق بنظام الأمن الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ما الخيارات الواقعية أمام إثيوبيا؟

في ضوء المعطيات المتاحة، تبدو أمام إثيوبيا عدة مسارات، تختلف في مستوى التكلفة والمخاطر.

أولها، توسيع الاعتماد على الترتيبات التجارية مع دول الجوار، بما يسمح بتنويع منافذ التجارة من دون إقامة وجود عسكري دائم. وهذا المسار يمكن أن يقلل مخاوف الدول الساحلية، لكنه لا يلغي اعتماد إثيوبيا على سيادة دولة أخرى.

ثانيها، إبرام ترتيبات طويلة الأجل لاستئجار أو تطوير مرافق مينائية، بما يمنح أديس أبابا قدراً أكبر من الاستقرار الاقتصادي من دون تحويل الميناء إلى قاعدة عسكرية.

ثالثها، الدخول في ترتيبات إقليمية متعددة الأطراف تشارك فيها الدول الساحلية والمنظمات الإقليمية، بما يوفر ضمانات لجميع الأطراف ويقلل مخاوف التحركات الأحادية.

أما الخيار الأكثر حساسية، وهو إقامة وجود عسكري دائم، فيبدو أكثر عرضة لمعارضة الدول المجاورة ومصر وغيرها من الأطراف الإقليمية، لأن أثره لا يقتصر على الاقتصاد الإثيوبي، بل يمتد إلى ميزان القوى في البحر الأحمر.

المعضلة الأساسية: الحاجة الإثيوبية مقابل مخاوف الجوار

توضح القضية في جوهرها وجود مصالح مشروعة ومتعارضة في الوقت نفسه.

إثيوبيا تحتاج إلى تقليل هشاشة وضعها كدولة حبيسة وتنويع طرق تجارتها والوصول إلى البحر بصورة أكثر استقراراً. وفي المقابل، تتمسك الدول الساحلية بحقها في السيادة على أراضيها وموانئها، وتخشى أن تتحول الترتيبات الاقتصادية إلى وجود عسكري أو أداة لتغيير ميزان القوة.

أما مصر، فتتعامل مع البحر الأحمر باعتباره جزءاً من أمنها الإقليمي، وترى أن عسكرة المنطقة أو دخول قوى غير ساحلية إلى ترتيباتها الأمنية قد يؤدي إلى تداعيات يصعب احتواؤها.

وفي الخلفية، توجد منافسة دولية وإقليمية متزايدة على الموانئ والممرات البحرية، تجعل أي تحرك إثيوبي جزءاً من لوحة جيوسياسية أكبر من مجرد علاقة إثيوبيا بجيرانها.

بين التسوية والتصعيد

لا يبدو أن الخلاف حول المنفذ البحري يمكن حسمه بسهولة من خلال موقف أحادي لأي طرف. فإثيوبيا لا تستطيع تغيير جغرافيتها، والدول الساحلية لن تكون مستعدة بسهولة للتنازل عن سيادتها أو قبول وجود عسكري أجنبي على سواحلها.

لذلك، فإن السيناريو الأكثر قابلية للتفاوض يتمثل في التوصل إلى ترتيبات تضمن لإثيوبيا وصولاً تجارياً مستقراً ومتعدد المسارات إلى البحر، مع ضمانات واضحة للدول الساحلية بشأن السيادة وعدم إقامة وجود عسكري غير متفق عليه.

غير أن الوصول إلى مثل هذه التسوية يتطلب معالجة المخاوف المتبادلة وليس الاكتفاء بتبادل الاتهامات. كما يحتاج إلى فصل الملفات الاقتصادية عن الملفات الأمنية قدر الإمكان، وإلى إشراك دول المنطقة في ترتيبات تعطيها شعوراً بأن أمن البحر الأحمر لا يُعاد تشكيله بصورة منفردة.

في المقابل، فإن استمرار الخطاب الذي يربط الوصول إلى البحر بـ«الحق الوجودي»، بالتزامن مع التوترات العسكرية والسياسية في القرن الأفريقي، قد يدفع الدول المجاورة إلى التعامل مع المسألة باعتبارها تهديداً أمنياً لا قضية اقتصادية.

في النهاية، تكشف أزمة المنفذ البحري الإثيوبي عن مفارقة جيوسياسية عميقة: إثيوبيا تحتاج إلى البحر بسبب ثقلها السكاني والاقتصادي، لكن البحر الذي تبحث عنه يقع في منطقة لا تسمح جغرافيتها السياسية لأي دولة منفردة بإعادة ترتيب قواعدها بسهولة.

ولهذا فإن نجاح أديس أبابا لن يتوقف فقط على قدرتها على إقناع دولة ساحلية بمنحها منفذاً، وإنما على قدرتها على بناء صيغة تجعل هذا المنفذ مقبولاً ضمن النظام الأمني والسياسي للبحر الأحمر. أما تحويل الحاجة التجارية إلى وجود عسكري، فقد يجعل تحقيق الهدف أكثر صعوبة، لأنه ينقل القضية من مجال الاقتصاد والتجارة إلى مجال السيادة وتوازنات القوة.

وبهذا المعنى، فإن «دبلوماسية الموانئ» الإثيوبية تدخل مرحلة اختبار حقيقية: هل تستطيع أديس أبابا تحويل حاجتها الجغرافية إلى شراكة إقليمية قابلة للاستمرار، أم أن التنافس على البحر الأحمر سيجعل من منفذها البحري المحتمل نقطة جديدة للصراع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية؟