الصين واليابان: تايوان كشرارة لصراع استراتيجي أوسع في شرق آسيا
لم تعد حالة التوتر بين الصين واليابان مجرد أزمة دبلوماسية عابرة يمكن احتواؤها عبر اعتذار أو توضيح سياسي. فالمسار الذي بدأ بتصريحات يابانية حول احتمال اعتبار أي استخدام صيني للقوة ضد تايوان تهديدًا لبقاء اليابان، سرعان ما كشف عن أزمة أعمق تتجاوز تايوان نفسها، وتمتد إلى تعريف كل طرف لمصالحه الأمنية، وحدود دوره الإقليمي، وطبيعة علاقته بالولايات المتحدة، وموقعه في النظام الدولي الآخذ في التحول.
ولهذا تبدو الأزمة الراهنة أقرب إلى صراع على البيئة الاستراتيجية في شرق آسيا منها إلى خلاف ثنائي حول جزيرة متنازع عليها. فتايوان كانت الشرارة، لكنها لم تكن السبب الوحيد. فقد جاءت التصريحات اليابانية في بيئة تراكمت فيها خلال السنوات الماضية عوامل عدم الثقة: تنامي القدرات العسكرية الصينية، إعادة تعريف اليابان لمصادر التهديد التي تواجهها، تصاعد أهمية التحالف الياباني–الأمريكي، النزاعات البحرية في بحر الصين الشرقي والجنوبي، المخاوف اليابانية من التقارب الصيني–الروسي–الكوري الشمالي، والأهم من ذلك كله، اختلاف تصور بكين وطوكيو بشأن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه النظام الإقليمي في آسيا.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تدهورت العلاقات الصينية–اليابانية؟ وإنما: هل نحن أمام أزمة مؤقتة بين دولتين متجاورتين، أم أمام إعادة تشكل طويلة الأمد للتوازن الاستراتيجي في شرق آسيا؟
المؤشرات الحالية تميل إلى الاحتمال الثاني.
تايوان: الشرارة التي كشفت الأزمة الكامنة
في السابع من نوفمبر 2025، تحدثت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي أمام مجلس النواب عن احتمال أن يؤدي استخدام القوة في مضيق تايوان إلى وضع يهدد «بقاء» اليابان. وقد اعتبرت بكين هذه التصريحات تجاوزًا للخطوط السياسية التي حكمت العلاقات الصينية–اليابانية لعقود، وطالبت طوكيو باعتذار واضح، بينما لم تعتبر التوضيحات اليابانية اللاحقة كافية.
لكن أهمية التصريح لا تكمن في عبارته وحدها، وإنما في الافتراض الاستراتيجي الذي يقف وراءه.
فمن وجهة النظر الصينية، فإن تايوان قضية سيادة ووحدة وطنية، وترى بكين أن أي تدخل عسكري خارجي في حال اندلاع نزاع حول الجزيرة يمثل تدخلًا في الشؤون الداخلية الصينية. كما أن الصين، رغم تأكيدها تفضيل «التوحيد السلمي»، لم تستبعد استخدام القوة، وأكدت أن احتمال استخدامها لا يتعلق فقط بما تصفه بالقوى الانفصالية داخل تايوان، وإنما أيضًا بالقوى الخارجية التي قد تتدخل في القضية.
أما اليابان، فتنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تمامًا. فاستقرار تايوان ليس بالنسبة إليها قضية بعيدة جغرافيًا؛ إذ ترتبط سلامة خطوط الملاحة والتجارة والأمن البحري الياباني بصورة مباشرة بالتوازن العسكري في غرب المحيط الهادئ.
وهكذا، فإن الشيء نفسه يُقرأ من بكين وطوكيو باعتبارين استراتيجيين متناقضين: ما تعتبره الصين قضية سيادة داخلية، قد تعتبره اليابان قضية أمن قومي ذات تداعيات مباشرة على أمنها.
وهذه هي النقطة التي تجعل أزمة تايوان شديدة الخطورة؛ لأنها لا تنشأ فقط من اختلاف المصالح، بل من اختلاف تعريف «المصلحة الحيوية» نفسها.
من تايوان إلى معضلة الأمن الياباني
لا يمكن فهم الموقف الياباني تجاه تايوان بمعزل عن التحول الأوسع في التفكير الاستراتيجي الياباني.
فخلال السنوات الأخيرة، أصبحت الصين في الرؤية الأمنية اليابانية تحديًا استراتيجيًا متزايدًا، بالتوازي مع القلق من النشاط الروسي والقدرات العسكرية لكوريا الشمالية. وتربط طوكيو بين هذه التحديات وبين احتمال حدوث تغيير بالقوة في البيئة الأمنية المحيطة بها.
ومن هنا ظهر مفهوم «المحيطين الهندي والهادئ» باعتباره إطارًا استراتيجيًا أوسع من مفهوم «آسيا والمحيط الهادئ». وفي هذا التصور، لا تعود اليابان دولة تقع على هامش صراعات القوى الكبرى، وإنما تصبح جزءًا من شبكة أمنية أوسع تمتد من شرق آسيا إلى المحيط الهندي.
هذا التحول يحمل نتيجة مهمة: كلما أصبحت اليابان أكثر اندماجًا في ترتيبات الأمن الإقليمي، أصبحت تايوان أقل قابلية لأن تُعامل في طوكيو باعتبارها قضية صينية داخلية خالصة.
وفي المقابل، كلما زادت طوكيو انخراطًا في ترتيبات أمنية إقليمية ترى الصين أنها تستهدف الحد من نفوذها، زادت بكين قناعتها بأن اليابان تنتقل من سياسة التحفظ الاستراتيجي التي ارتبطت بها بعد الحرب العالمية الثانية إلى سياسة أكثر نشاطًا ومواجهة.
وهنا تتشكل دائرة مغلقة من انعدام الثقة.
اليابان ترى أن زيادة القدرات العسكرية ضرورية لمواجهة بيئة أمنية أكثر خطورة، بينما ترى الصين أن هذه الزيادة دليل على أن اليابان تتجه نحو إعادة التسلح والعسكرة. وبذلك تصبح الإجراءات الدفاعية من وجهة نظر طرف، مصدرًا للتهديد من وجهة نظر الطرف الآخر.
معضلة الأمن: عندما يصبح الدفاع سببًا للتوتر
هذه الحالة تمثل جوهر ما يعرف في العلاقات الدولية بـ«معضلة الأمن».
ففي بيئة يغيب فيها اليقين بشأن نوايا الطرف الآخر، لا يستطيع أي طرف أن يميز بسهولة بين القدرات التي يتم تطويرها لأغراض دفاعية وتلك التي يمكن استخدامها لأغراض هجومية.
بالنسبة إلى اليابان، فإن تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع التعاون مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين يمكن تفسيره باعتباره استجابة طبيعية للتغير في البيئة الأمنية.
أما الصين، فتقرأ الإجراءات نفسها باعتبارها جزءًا من مسار أوسع نحو إعادة تسليح اليابان وتجاوز القيود التي فرضتها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك القيود المتعلقة بتصدير الأسلحة وإعادة تفسير أو تعديل المادة التاسعة من الدستور الياباني.
والنتيجة أن زيادة الأمن لدى طرف يمكن أن تنتج شعورًا بانعدام الأمن لدى الطرف الآخر.
وهذه ليست مشكلة يمكن حلها بسهولة عبر البيانات الدبلوماسية؛ لأنها مرتبطة بتصورات استراتيجية عميقة حول النوايا المستقبلية، وليست فقط بسلوك محدد في الوقت الحاضر.
التاريخ لا يزال حاضرًا في الحسابات الاستراتيجية
هناك عامل آخر يجعل العلاقات الصينية–اليابانية أكثر تعقيدًا من كثير من النزاعات الأخرى في آسيا، وهو ثقل الذاكرة التاريخية.
فبكين لا تنظر إلى إعادة تسليح اليابان باعتبارها تطورًا عسكريًا معاصرًا فقط، بل تربطه بتاريخ اليابان العسكري في القرن العشرين وبالنظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
ولهذا تظهر القضايا التاريخية مجددًا كلما تصاعد التوتر السياسي.
وفي الخطاب الصيني، لا ترتبط معارضة الدور العسكري الياباني بالقلق من القدرات الحالية لطوكيو فحسب، وإنما أيضًا بما تعتبره بكين ضرورة الحفاظ على الترتيبات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الموقف الصيني الرافض لمساعي اليابان للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، حيث ربطت بكين بين الماضي التاريخي لليابان وبين أهليتها للاضطلاع بدور أكبر في إدارة النظام الدولي.
ومن ثم، فإن الخلاف حول «اليابان الجديدة» ليس في حقيقته خلافًا عسكريًا فقط؛ بل هو خلاف حول أي يابان ينبغي أن تكون موجودة داخل النظام الآسيوي والدولي.
هل تظل اليابان دولة ذات قدرات عسكرية مقيدة بسبب إرث الحرب العالمية الثانية؟ أم تصبح قوة عسكرية واستراتيجية طبيعية تتناسب قدراتها مع وزنها الاقتصادي والسياسي؟
هذا السؤال يحمل حساسية شديدة بالنسبة إلى بكين.
التحالف الياباني–الأمريكي: العامل الذي يضاعف التعقيد
ربما لا يمكن فهم أي تطور رئيسي في العلاقات الصينية–اليابانية من دون وضعه داخل مثلث بكين–طوكيو–واشنطن.
فاليابان لا تتعامل مع الصين منفردة، وإنما من خلال شبكة تحالفية تمثل الولايات المتحدة محورها الرئيسي. وفي المقابل، تنظر الصين إلى التحالف الياباني–الأمريكي ليس باعتباره علاقة دفاعية ثنائية فقط، وإنما كجزء من بنية أوسع لاحتواء النفوذ الصيني أو الحد منه في المحيطين الهندي والهادئ.
وهنا تصبح تايوان نقطة التقاء بين الاستراتيجيتين.
فإذا اندلع نزاع حول تايوان، فإن السؤال لن يكون فقط عن العلاقة بين بكين وتايبيه، وإنما عن طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الولايات المتحدة، وكيف يمكن أن تتعامل اليابان مع ذلك الدور، وما إذا كان الصراع سيظل محصورًا في مضيق تايوان أم يمتد إلى قواعد وممرات ومصالح أمريكية ويابانية في المنطقة.
ومن ثم، فإن أي تغيير في ميزان القوة حول تايوان ينعكس على الحسابات الأمنية اليابانية.
وهذا ما يفسر لماذا تتعامل طوكيو مع الاستقرار في مضيق تايوان باعتباره جزءًا من أمنها القومي، ولماذا تعتبر بكين أي انخراط ياباني في القضية تجاوزًا لمبدأ «الصين الواحدة».
بحر الصين الشرقي: تايوان ليست الجبهة الوحيدة
تزداد خطورة الوضع لأن الخلاف بين الصين واليابان لا يقتصر على تايوان.
ففي بحر الصين الشرقي، يمثل النزاع حول جزر سينكاكو، التي تسميها الصين جزر دياويو، مصدرًا مستمرًا للتوتر. وفي بحر الصين الجنوبي، تدعم اليابان مواقف دول إقليمية، وعلى رأسها الفلبين، في مواجهة ما تعتبره تحركات صينية تهدف إلى تغيير الوضع القائم.
وبالتالي، فإن تايوان تتقاطع مع نزاعات بحرية أخرى.
وهذا يخلق شبكة من بؤر التوتر المتداخلة: تايوان، جزر سينكاكو/دياويو، بحر الصين الجنوبي، والوجود العسكري الأمريكي في غرب المحيط الهادئ.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه الملفات ستتحول إلى نزاع واحد، لكنه يعني أن الأزمة في أحدها يمكن أن تؤثر في الحسابات المتعلقة بالملفات الأخرى.
فعندما تعلن اليابان موقفًا من بحر الصين الجنوبي، تقرأ بكين ذلك في سياق موقفها من تايوان وبحر الصين الشرقي. وعندما تعزز الصين حضورها في المياه المتنازع عليها، ترى طوكيو في ذلك دليلًا إضافيًا على ضرورة تعزيز قدراتها وتحالفاتها.
وهكذا يتحول كل ملف إلى جزء من ملف أكبر.
الاقتصاد يتحول إلى أداة استراتيجية
من أبرز سمات الأزمة الحالية أنها لم تعد محصورة في المجالين العسكري والدبلوماسي، وإنما امتدت إلى العلاقات الاقتصادية وحركة التجارة والسفر.
وقد فرضت الصين قيودًا مالية وتجارية على بعض الواردات من اليابان، ووسعت القيود على منتجات ذات استخدام مزدوج، كما اتخذت إجراءات أخرى أثرت في التجارة البحرية والمنتجات اليابانية.
وفي المقابل، بدأت الشركات اليابانية تنظر بصورة أكثر حذرًا إلى مخاطر الاعتماد على السوق الصينية، وتزايدت المخاوف بشأن صعوبة ممارسة الأعمال في الصين.
وهنا تظهر ظاهرة استراتيجية أوسع يمكن وصفها بـ**«تسليح الاعتماد الاقتصادي»**.
فالعلاقات الاقتصادية بين الدول الكبرى لم تعد منفصلة بالضرورة عن الأمن القومي. سلاسل الإمداد، المواد الخام، التكنولوجيا، أشباه الموصلات، المنتجات ذات الاستخدام المزدوج، والسفر والسياحة، كلها أصبحت عناصر يمكن أن تدخل في حسابات القوة الوطنية.
وهذا يعني أن المنافسة الصينية–اليابانية قد تتجه بصورة متزايدة إلى منطقة رمادية بين الاقتصاد والأمن.
لكن استخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح له حدود أيضًا.
فالصين تعتمد بدورها على التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والأسواق الخارجية، بينما تستطيع الشركات اليابانية البحث عن أسواق ومصادر بديلة، وإن كان ذلك بتكلفة أعلى.
لذلك، فإن التصعيد الاقتصادي قد يكون فعالًا في إنتاج ضغط سياسي قصير الأجل، لكنه قد يسرّع في المقابل عملية إعادة هيكلة الاعتماد الاقتصادي على المدى الطويل.
وهذا قد يكون من أخطر النتائج الاستراتيجية غير المباشرة للأزمة.
السياحة كأداة ضغط غير تقليدية
تراجع حركة السفر الصينية إلى اليابان يقدم مثالًا آخر على انتقال الأزمة من المجال الرسمي إلى المجتمع والاقتصاد.
فالصين كانت مصدرًا رئيسيًا للسياح إلى اليابان، ولذلك فإن انخفاض أعداد الزوار الصينيين يترك أثرًا على قطاعات السياحة والتجزئة والنقل والضيافة.
غير أن الأرقام الواردة في المادة تشير أيضًا إلى أن بكين مستعدة لتحمل جزء من التكلفة الاقتصادية المترتبة على إجراءاتها إذا اعتبرت أن الاعتبارات الاستراتيجية تستحق ذلك.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم السلوك الصيني.
فالقوة الاقتصادية لا تستخدم دائمًا بهدف تعظيم العائد الاقتصادي؛ بل يمكن استخدامها لتحقيق أهداف سياسية وأمنية حتى إذا ترتب عليها بعض الخسائر الاقتصادية.
وهنا تظهر إحدى خصائص المنافسة بين القوى الكبرى: لا يقاس نجاح سياسة الضغط الاقتصادي بحجم الأرباح والخسائر التجارية فقط، وإنما بمدى قدرتها على تغيير حسابات الطرف الآخر.
الصين وروسيا وكوريا الشمالية: مثلث يثير القلق الياباني
من منظور طوكيو، لا تنحصر المشكلة في الصين وحدها.
فاليابان تنظر بقلق إلى التقارب بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وترى أن تنسيق هذه القوى قد يخلق بيئة أمنية أكثر تعقيدًا على حدودها.
الصين من جهتها ترى أن تعزيز اليابان لعلاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة وشركائها يندرج ضمن ترتيبات إقليمية تهدف إلى الحد من صعودها.
وهنا يظهر شكل آخر من معضلة الأمن: كل طرف يبني شراكات جديدة بسبب مخاوفه من الطرف الآخر، ثم ينظر الطرف الآخر إلى هذه الشراكات باعتبارها دليلًا على صحة مخاوفه الأصلية.
اليابان تقول: نحتاج إلى تعزيز التحالفات لأن البيئة الأمنية تتدهور.
الصين تقول: البيئة الأمنية تتدهور لأن اليابان والولايات المتحدة تعززان التحالفات ضدنا.
وهكذا يصبح التحالف ذاته مصدرًا إضافيًا لانعدام الثقة.
التنافس على شكل النظام الدولي
الطبقة الأعمق في هذه الأزمة تتجاوز شرق آسيا نفسه.
فالعلاقات الصينية–اليابانية تقع في قلب النقاش حول مستقبل النظام الدولي. الصين ترى أن النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية ينبغي أن يعكس تحولات القوة الحالية، بينما تتمسك الولايات المتحدة وحلفاؤها، ومن بينهم اليابان، بمنظومة ترتيبات أمنية وسياسية مختلفة.
ولهذا فإن الخلاف حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي لا يتعلق فقط بالسيادة الإقليمية.
إنه يتعلق أيضًا بالسؤال الأكبر: من يملك القدرة على وضع قواعد السلوك في شرق آسيا؟
إذا استطاعت الصين فرض رؤيتها بشأن تايوان والمجال البحري المحيط بها، فسيتغير ميزان القوة الإقليمي.
وإذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من الحفاظ على حرية الحركة والتحالفات القائمة، فستظل الصين تواجه قيودًا على قدرتها على تحويل قوتها الاقتصادية والعسكرية إلى نفوذ إقليمي شامل.
أما اليابان، فتجد نفسها في قلب هذه المعادلة، ليس لأنها ترغب بالضرورة في إدارة النظام الإقليمي بمفردها، وإنما لأن موقعها الجغرافي وتحالفها مع الولايات المتحدة ووزنها الاقتصادي والعسكري يجعلها جزءًا لا يمكن تجاهله من أي توازن جديد في آسيا.
لماذا يصعب احتواء الأزمة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الأزمة يمكن احتواؤها عبر استئناف الحوار السياسي. وهذا ممكن بالفعل، لكن الحوار وحده لن يعالج جذور المشكلة.
فالخلاف الحالي يتكون من عدة طبقات متراكبة:
- طبقة تاريخية مرتبطة بإرث الحرب العالمية الثانية.
- طبقة إقليمية مرتبطة بتايوان والنزاعات البحرية.
- طبقة عسكرية مرتبطة بإعادة تسليح اليابان وتنامي القدرات الصينية.
- طبقة تحالفية مرتبطة بالشراكة اليابانية–الأمريكية.
- طبقة اقتصادية مرتبطة بتقليص الاعتماد المتبادل واستخدام أدوات التجارة والقيود الاقتصادية.
- طبقة دولية مرتبطة بالصراع على شكل النظام الدولي ومستقبل توزيع القوة.
ولهذا، فإن أي انفراجة في ملف واحد لن تكون كافية لإنهاء التوتر.
قد تتحسن العلاقات التجارية، لكن الخلاف حول تايوان سيظل قائمًا.
وقد تستأنف اللقاءات السياسية، لكن النزاع البحري سيظل موجودًا.
وقد تهدأ اللهجة العسكرية، لكن المنافسة بين الصين والولايات المتحدة ستستمر في التأثير على حسابات طوكيو وبكين.
السيناريو الأكثر خطورة ليس الحرب الشاملة
لا يعني استمرار التوتر أن حربًا شاملة بين الصين واليابان باتت حتمية. بل إن وجود أسلحة نووية أمريكية، والتحالفات العسكرية، والتشابك الاقتصادي، والتكاليف الهائلة لأي مواجهة مباشرة، كلها عوامل تجعل الحرب خيارًا بالغ الخطورة.
لكن هذا لا يعني أن البديل هو الاستقرار.
الخطر الأكبر قد يتمثل في التصعيد التدريجي غير المقصود.
فحادث بحري في بحر الصين الشرقي، أو أزمة حول جزر سينكاكو/دياويو، أو تطور مفاجئ في تايوان، أو حادث بين طائرات عسكرية، يمكن أن ينتج سلسلة من ردود الفعل يصعب التحكم فيها.
وفي مثل هذه البيئة، لا تحتاج الحرب إلى أن تكون هدفًا مقصودًا لأي طرف حتى تبدأ أزمة عسكرية.
وهذا يجعل آليات منع سوء التقدير والاتصال العسكري المباشر وإدارة الأزمات أكثر أهمية من أي وقت مضى.
هل يمكن أن تعود العلاقات إلى ما قبل نوفمبر 2025؟
تظل التهدئة ممكنة.
فكلا الطرفين يدرك على الأرجح أن استمرار التصعيد له تكاليف كبيرة. الصين لا تحتاج إلى أزمة مفتوحة مع اليابان في وقت تواجه فيه منافسة واسعة مع الولايات المتحدة، كما أن اليابان ليست معنية بإدخال اقتصادها وأمنها في مواجهة مفتوحة طويلة مع أكبر قوة آسيوية.
ومن هنا يمكن أن تلعب الدبلوماسية متعددة الأطراف دورًا مهمًا.
وقد تمثل الاجتماعات الثلاثية التي تجمع الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك اللقاءات على هامش المحافل الإقليمية مثل منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ «أبيك»، مساحات مناسبة لإعادة بناء قنوات الاتصال.
لكن التهدئة التكتيكية لا تعني بالضرورة تسوية استراتيجية.
وهذه نقطة أساسية في قراءة مستقبل العلاقة.
