الصين وأفريقيا من الشراكة الاقتصادية إلى إعادة التموضع في النظام الدولي

دراسات وأبحاث - Foresight

لم يعد منتدى التعاون الصيني الأفريقي مجرد إطار دوري للحوار بين بكين والعواصم الأفريقية، بل تحول، خلال ربع قرن من تأسيسه، إلى إحدى أهم المنصات التي تعكس التحولات العميقة في طبيعة العلاقات بين الصين والقارة الأفريقية، وفي موقع أفريقيا داخل النظام الاقتصادي والسياسي الدولي. فالقمة التي انعقدت في بكين عام 2024، بمناسبة مرور 25 عامًا على إنشاء المنتدى، لم تكن مجرد مناسبة احتفالية لتقييم مسيرة التعاون، وإنما مثلت محطة كاشفة عن انتقال العلاقة الصينية الأفريقية من مرحلة التعاون الاقتصادي التقليدي إلى مرحلة أكثر تركيبًا، تتداخل فيها التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة والأمن والدبلوماسية والقوة الناعمة.

وقد اكتسبت قمة 2024 دلالة إضافية باعتبارها أول تجمع فعلي كبير للمنتدى في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19، إذ شارك فيها 51 رئيس دولة وحكومة أفريقية، إلى جانب ممثلين رئاسيين ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي والأمين العام للأمم المتحدة، وهو حضور يعكس الوزن السياسي المتزايد للمنتدى، ليس فقط بالنسبة للصين وأفريقيا، وإنما بالنسبة للنظام الدولي الأوسع. ووفق المادة محل التحليل، مثلت الدول المشاركة نحو 27% من أعضاء الأمم المتحدة، وشعوبًا تعادل نحو 33% من سكان العالم.

والأهم من حجم المشاركة أن المنتدى أصبح، على مدار خمسة وعشرين عامًا، آلية قادرة على إعادة تعريف أولويات العلاقة الصينية الأفريقية وفقًا للتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية. فمنصة بدأت بهدف تعزيز التجارة وبناء الثقة السياسية بين أطراف كانت تنتمي إلى ما كان يعرف آنذاك بالعالم الثالث، تطورت تدريجيًا إلى إطار واسع يشمل التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والصحة والتعليم والأمن والتعاون السياسي، بما جعلها تجمع بين أدوات القوة الصلبة وأدوات القوة الناعمة.

من تفاوت اقتصادي محدود إلى علاقة غير متكافئة ولكن أكثر ترابطًا

من المفيد لفهم التحول الذي شهدته العلاقات الصينية الأفريقية النظر إلى اللحظة التي تأسس فيها المنتدى عام 2000. ففي ذلك الوقت لم تكن الصين قد وصلت بعد إلى موقعها الحالي في الاقتصاد العالمي، كما لم تكن تمتلك القدرة المالية والاستثمارية التي أصبحت تتمتع بها لاحقًا. وتشير المادة إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين بلغ عند تأسيس المنتدى نحو 959 دولارًا، مقابل 638 دولارًا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

كان الطرفان آنذاك يواجهان عددًا من التحديات المتشابهة نسبيًا؛ فكلاهما كان مصدرًا صافيًا للعمالة، ومستوردًا صافيًا لرأس المال والتكنولوجيا، وكلاهما يعتمد بدرجات كبيرة على الأسواق الغربية. ولذلك لم تكن العلاقة في بدايتها قائمة على تفاوت هائل في الإمكانات كما تبدو اليوم، وإنما على تصور يقوم على تحقيق مصالح مشتركة من خلال توسيع التجارة وتعزيز الدعم السياسي المتبادل.

غير أن ربع القرن التالي أحدث تغييرًا جوهريًا في ميزان القدرات الاقتصادية. فقد تحولت الصين إلى واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية، وأصبحت مصدرًا رئيسيًا لرأس المال والتكنولوجيا والسلع، في الوقت الذي ظلت فيه غالبية الاقتصادات الأفريقية تواجه تحديات التصنيع والبنية التحتية والتمويل والتنمية البشرية.

وبذلك انتقلت العلاقة من نموذج يقوم على التشابه النسبي في مستوى التنمية إلى علاقة أكثر تفاوتًا من حيث القدرات، لكنها في الوقت ذاته أكثر تشابكًا من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية.

التجارة: نقطة الانطلاق التي أعادت تشكيل العلاقة

كانت التجارة هي نقطة الانطلاق الأساسية في مسار التعاون الصيني الأفريقي. ففي عام 2000 لم يتجاوز حجم التجارة الثنائية 10 مليارات دولار. وبحلول عام 2008 كان الرقم قد ارتفع إلى نحو عشرة أضعاف، ثم تجاوز 200 مليار دولار عام 2015، قبل أن يصل إلى أكثر من 282 مليار دولار عام 2023، أي أكثر من 28 ضعفًا مقارنة بمستواه عند إنشاء المنتدى.

وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها لا تعكس فقط نموًا كميًا في المبادلات التجارية، وإنما تكشف عن تحول الصين إلى طرف مركزي في الاقتصاد الأفريقي. فقد أصبحت بكين أكبر شريك تجاري لأفريقيا منذ عام 2008، وهو تطور يعكس اتساع نطاق العلاقات الاقتصادية الصينية مع القارة.
لكن قراءة هذه العلاقة لا ينبغي أن تتوقف عند حجم التجارة. فالتحدي الحقيقي بالنسبة لأفريقيا يتمثل في طبيعة هذه التجارة ومدى قدرتها على دعم التصنيع والتحول الهيكلي للاقتصادات الأفريقية. ولهذا تبدو الخطوات الصينية المتعلقة بزيادة الواردات من أفريقيا ذات أهمية خاصة.

فمنذ القمة الثانية للمنتدى عام 2003، بدأت الصين في تقديم إعفاءات جمركية لواردات الدول الأفريقية الأقل نموًا، قبل أن يتوسع نطاق هذه الترتيبات تدريجيًا. وفي قمة 2024 تعهدت الصين بإتاحة معاملة جمركية تفضيلية تغطي 100% من الواردات من 33 دولة أفريقية من أقل البلدان نموًا.

ويشير ذلك إلى إدراك صيني بأن استدامة العلاقة الاقتصادية لا يمكن أن تقوم فقط على تصدير السلع الصينية إلى الأسواق الأفريقية، بل تحتاج أيضًا إلى زيادة قدرة الدول الأفريقية على التصدير إلى الصين.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم ليس: هل ازدادت التجارة الصينية الأفريقية؟ فهذا أمر واضح، وإنما: هل تتحول هذه التجارة تدريجيًا من علاقة تعتمد على تبادل السلع والمواد الخام إلى علاقة تساعد أفريقيا على الصعود في سلاسل القيمة العالمية؟

عام 2008 ونقطة التحول في المنافسة على أفريقيا

إذا كانت التجارة قد شكلت أساس العلاقة، فإن الاستثمار شكل المرحلة الثانية من تطورها. وتبرز هنا أهمية عام 2008 باعتباره نقطة تحول في البيئة الدولية المحيطة بأفريقيا. فبعد الأزمة المالية العالمية، تراجعت استثمارات غربية في عدد من الأسواق الأفريقية، في الوقت الذي بدأت فيه الصين بتوسيع حضورها الاستثماري.

ولا يعني ذلك أن الاستثمار الصيني في أفريقيا بدأ بعد الأزمة العالمية؛ فقد شهدت قمة المنتدى عام 2006 مضاعفة برنامج المساعدات المالية الصينية، مع تقديم 5 مليارات دولار في صورة قروض ميسرة وائتمانات خلال السنوات الثلاث التالية، كما تأسس صندوق التنمية الصيني الأفريقي عام 2007 بهدف دعم الاستثمار الصيني المباشر في القارة.

لكن ما تغير لاحقًا هو حجم وطبيعة هذا الاستثمار.

ففي مرحلته الأولى، ركز الاستثمار الصيني بدرجة كبيرة على قطاعات الزراعة والطاقة والمرافق والتعدين والموارد الطبيعية، وكانت الشركات المملوكة للدولة صاحبة الدور الأبرز. وكان هذا منطقيًا في ضوء احتياجات الاقتصاد الصيني نفسه، الذي كان يتحول بسرعة إلى مستورد صاف للغذاء والطاقة والمواد الخام.

لكن مع دخول الصين مرحلة أكثر تقدمًا في التصنيع، تغيرت طبيعة العلاقة الاستثمارية. فقد أصبحت الشركات الخاصة الصينية أكثر حضورًا في أفريقيا، مستفيدة من خبرتها في مجالات الإلكترونيات والمعدات والآلات والاتصالات والتكنولوجيا الرقمية والخدمات.

وتشير المادة إلى أن نحو 90% من الشركات الصينية التي استثمرت في أفريقيا في مطلع عشرينيات القرن الحالي كانت شركات خاصة، وهو تطور مهم لأنه يعني أن جزءًا متزايدًا من الحضور الصيني لم يعد مرتبطًا بصورة مباشرة بتوجيهات الدولة، وإنما بالحوافز الاقتصادية التي توفرها الأسواق الأفريقية.

أفريقيا كسوق مستقبلية وسلسلة إنتاج جديدة

يتزامن هذا التحول مع تغيرات ديموغرافية واقتصادية عميقة في أفريقيا. فالقارة تمتلك قاعدة سكانية شابة وسوقًا استهلاكية متنامية، في الوقت الذي تواجه فيه الصين تحديًا ديموغرافيًا يتمثل في تقدم السكان في العمر وتراجع ميزتها التقليدية القائمة على وفرة العمالة.

وتشير المادة إلى أن متوسط عمر سكان أفريقيا يبلغ نحو 18.9 عامًا، وهو ما يمنح القارة ميزة ديموغرافية طويلة الأمد.

ومن منظور الشركات الصينية، لا تمثل أفريقيا فقط سوقًا لتصريف المنتجات، بل يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى قاعدة إنتاجية جديدة. فالقارة توفر العمالة الشابة، والأسواق المحلية الواسعة، ومجموعة متزايدة من المناطق الاقتصادية الخاصة ومناطق التجارة الحرة.

وهنا يمكن فهم التحول من الاستثمار الصيني التقليدي في الموارد الطبيعية إلى الاستثمار في الصناعة والخدمات والتكنولوجيا باعتباره جزءًا من إعادة ترتيب سلاسل الإمداد العالمية.

فالصين لم تعد تنظر إلى أفريقيا فقط باعتبارها مصدرًا للمواد الخام، وإنما باعتبارها جزءًا محتملًا من منظومة إنتاج عالمية أكثر اتساعًا. وإذا نجح هذا الاتجاه، فقد تصبح العلاقة الصينية الأفريقية أكثر اعتمادًا على التكامل الصناعي، وليس فقط على التجارة الثنائية.

البنية التحتية: من مشروعات منفصلة إلى شبكة قارية

ربما كان قطاع البنية التحتية أكثر المجالات التي أصبح فيها الحضور الصيني واضحًا في أفريقيا. فمنذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق، توسعت الاستثمارات الصينية في السكك الحديدية والطرق والموانئ والمجمعات الصناعية والمناطق الاقتصادية الخاصة.

وتكمن أهمية هذه المشروعات في أنها لا تتعامل مع البنية التحتية بوصفها مشروعات منفصلة، وإنما تسعى إلى إنشاء ممرات تربط المناطق الداخلية الغنية بالموارد بالمناطق الساحلية والأسواق الدولية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل مشروع منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، لأن نجاح التكامل التجاري بين الدول الأفريقية يحتاج إلى شبكات نقل واتصال عابرة للحدود.

وبالتالي، فإن البنية التحتية الصينية يمكن أن تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في معالجة واحدة من العقبات التاريخية أمام التكامل الأفريقي: ضعف الترابط بين الاقتصادات والأسواق الوطنية.

لكن التحول الأكثر أهمية ربما يتمثل في انتقال التعاون من البنية التحتية المادية إلى البنية التحتية الرقمية.

فالشركات الصينية تؤدي دورًا كبيرًا في شبكات الاتصالات والكابلات البحرية في القارة، بما يوفر أساسًا للتوسع في الاقتصاد الرقمي. كما امتد التعاون إلى مجالات الأقمار الصناعية ونظام الملاحة الصيني "بيدو"، وصولًا إلى عرض التعاون في برامج استكشاف الفضاء.

وهذا يعني أن التنافس الدولي على أفريقيا لم يعد يدور فقط حول الموانئ والطرق والسكك الحديدية، بل يمتد إلى البنية الرقمية والبيانات والاتصالات والفضاء.

التكنولوجيا: المرحلة التي يمكن أن تحدد مستقبل العلاقة

تكتسب التكنولوجيا أهمية خاصة لأنها تمثل الفارق بين نموذج اقتصادي يعتمد على استخراج الموارد الطبيعية ونموذج يسعى إلى بناء قاعدة صناعية.

فالصين دخلت خلال العقود الأخيرة مرحلة متقدمة في عدد من الصناعات التكنولوجية، وأصبحت تمتلك شركات ذات حضور عالمي في الاتصالات والإلكترونيات والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم والتقنيات الرقمية.

ومن ثم فإن انتقال التكنولوجيا إلى أفريقيا يمثل أحد أكثر جوانب العلاقة الصينية الأفريقية تأثيرًا في المستقبل.

وقد تضمنت تعهدات قمة 2024 إنشاء 20 برنامجًا رائدًا في المجال الرقمي، و30 مشروعًا للطاقة النظيفة، و20 مختبرًا بحثيًا مشتركًا، وخمس مناطق للتعاون الصناعي الصيني الأفريقي، وعشرة مجمعات صناعية، فضلًا عن التعاون في مجال استكشاف الفضاء.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرات على التكنولوجيا ذاتها، وإنما على قدرتها المحتملة على بناء رأس المال البشري الأفريقي.

فالتصنيع لا يمكن أن ينتقل إلى أفريقيا بمجرد بناء المصانع، وإنما يحتاج إلى عمالة مؤهلة، ومؤسسات تدريب، وقدرة محلية على إدارة التكنولوجيا وتطويرها.

وفي هذا السياق، تعهدت الصين بتوفير مليون وظيفة في أفريقيا بحلول عام 2027 عبر ورش عمل "لوبان"، بعد تعهد سابق بإضافة ما لا يقل عن 800 ألف وظيفة متعددة التقنيات خلال الفترة 2021-2024.

وهنا تظهر نقطة جوهرية: القيمة الحقيقية للتعاون التكنولوجي لن تتحدد بعدد الأجهزة أو المصانع أو المشروعات التي تصل إلى أفريقيا، وإنما بمدى قدرة القارة على اكتساب المعرفة والمهارات التي تسمح لها بتحويل التكنولوجيا المستوردة إلى قدرات إنتاجية محلية.

من الاقتصاد إلى السياسة: صعود القوة الناعمة الصينية

التحول الأبرز في منتدى التعاون الصيني الأفريقي يتمثل ربما في أنه لم يعد اقتصاديًا بالدرجة الأولى.

فمنذ قمة 2021، تطورت آليات التعاون بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب السياسية الأفريقية، وكذلك بين الهيئات التشريعية ومراكز الفكر والمنظمات الإعلامية وقوات الشرطة والقيادات العسكرية. كما أكدت قمة 2024 أهمية التعاون السياسي بوصفه أحد الأبعاد الأساسية للعلاقة المستقبلية.

وهذا يعني أن الصين باتت تسعى إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات تتجاوز الحكومات والوزارات الاقتصادية.

فالعلاقة لا تقتصر على تمويل مشروع أو إنشاء طريق، وإنما تمتد إلى بناء علاقات سياسية وفكرية وإعلامية وأمنية طويلة الأمد.

وقد انعكس ذلك بوضوح في إعلان بكين الصادر عن قمة 2024، الذي تضمن تأييد سياسة الصين الواحدة، ودعم أفريقيا في معالجة قضاياها الأمنية "على الطريقة الأفريقية"، إلى جانب دعم إصلاح صندوق النقد الدولي وإنشاء وكالة تصنيف ائتماني أفريقية.

ومن ثم فإن منتدى التعاون الصيني الأفريقي أصبح منصة لتنسيق المواقف، وليس فقط لتنفيذ المشروعات.

البعد المالي وإعادة التفكير في النظام الدولي

يتجاوز الطموح الصيني في أفريقيا مسألة زيادة التجارة والاستثمار إلى محاولة بناء روابط مالية أكثر تنوعًا.

فخلال قمة 2024، شجعت الصين الدول الأفريقية على الانضمام إلى آلية "بريكس+"، وزيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والتمويل، وإصدار سندات "باندا" الصينية. وتندرج هذه الخطوات في إطار توجه أوسع نحو تعميق التكامل الاقتصادي داخل الجنوب العالمي وتقليل الاعتماد على النظام المالي الدولي الذي يهيمن عليه الدولار.

وهنا تكتسب العلاقات الصينية الأفريقية بعدًا جيو-اقتصاديًا واضحًا.

فإذا كانت الصين تستطيع بناء علاقات تجارية واستثمارية وتكنولوجية ومالية طويلة الأمد مع عدد متزايد من الدول الأفريقية، فإنها لا تعزز وجودها الاقتصادي في القارة فقط، وإنما تساهم أيضًا في بناء شبكات اقتصادية بديلة أو موازية لبعض المؤسسات والترتيبات التقليدية التي تشكلت في ظل الهيمنة الغربية على الاقتصاد العالمي.

وبالنسبة لأفريقيا، فإن تنويع مصادر التمويل والشراكات قد يمنحها مساحة أوسع للمناورة بين القوى الدولية.

لماذا يثير الحضور الصيني قلق الغرب؟

لا يرتبط القلق الغربي من الحضور الصيني في أفريقيا بحجم الاستثمارات والتجارة فقط، وإنما بطبيعة النموذج الذي تقدمه الصين.

فالتوسع الصيني يجمع بين الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتمويل والدبلوماسية في إطار واحد. وبالتالي فإن منافسة الصين في أفريقيا لا تعني منافسة على مشروع أو سوق بعينها، وإنما منافسة على بناء علاقات طويلة الأمد وعلى تحديد طبيعة الشراكات التي ستشكل الاقتصاد والسياسة الأفريقية في العقود المقبلة.

وتشير المادة إلى أن عام 2008 شكل نقطة تحول، حين تراجعت الاستثمارات الغربية في أفريقيا بعد الأزمة المالية العالمية، بينما اتسع الدور الصيني.

ومن هذه الزاوية، فإن صعود الصين في أفريقيا يعكس جزئيًا أيضًا تغيرًا في طبيعة المنافسة الدولية. فالقارة التي كانت لفترات طويلة مرتبطة اقتصاديًا بدرجة كبيرة بالمؤسسات والأسواق الغربية أصبحت أمام خيارات أوسع، مع صعود الصين وروسيا ودول الخليج والهند وقوى دولية أخرى.

لكن من المهم عدم اختزال أفريقيا إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى؛ فالدول الأفريقية ليست مجرد أطراف سلبية في هذه العملية.

أفريقيا بين الفرصة ومخاطر الاعتماد

تقدم الشراكة الصينية لأفريقيا فرصًا واضحة في مجالات البنية التحتية والتجارة والتكنولوجيا والتصنيع والطاقة والتدريب. لكن الاستفادة من هذه الفرص تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدول الأفريقية نفسها على صياغة أولوياتها التفاوضية.

فوجود التمويل أو التكنولوجيا الأجنبية لا يضمن تلقائيًا بناء اقتصاد صناعي مستقل. كما أن زيادة التجارة لا تعني بالضرورة تحولًا هيكليًا إذا ظلت الصادرات الأفريقية مركزة في المواد الخام، بينما تعتمد الواردات على السلع المصنعة ذات القيمة المضافة المرتفعة.

ولهذا تبدو الإشارة الواردة في المادة إلى إطلاق استراتيجية صناعية أفريقية ذات أهمية خاصة. فالهدف النهائي ينبغي أن يكون تحويل أفريقيا من مجرد سوق ومصدر للمواد الخام إلى طرف فاعل في سلاسل القيمة العالمية.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التعاون مع الصين بوصفه أداة يمكن أن تخدم التنمية الأفريقية إذا ارتبط بنقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا وتطوير العمالة المحلية ورفع القيمة المضافة داخل القارة.

أما إذا ظل التعاون قائمًا بصورة أساسية على تصدير الموارد الطبيعية واستيراد المنتجات النهائية، فقد يستمر الاعتماد الاقتصادي، حتى لو تغير الشريك الخارجي.

منتدى التعاون الصيني الأفريقي والنظام الدولي الجديد

تكشف تجربة المنتدى على مدى خمسة وعشرين عامًا عن تحول أوسع في النظام الدولي.

فالعلاقة الصينية الأفريقية لم تعد علاقة بين قوة صناعية صاعدة وقارة نامية فحسب، وإنما أصبحت جزءًا من إعادة توزيع أوسع للثروة والتكنولوجيا والنفوذ السياسي في العالم.

وتزداد أهمية هذا التحول في ظل صعود مفهوم "الجنوب العالمي"، الذي لم يعد مجرد تعبير سياسي، وإنما أصبح إطارًا للتنسيق الاقتصادي والدبلوماسي بين دول تسعى إلى زيادة قدرتها على التأثير في المؤسسات الدولية.

ومن هذه الزاوية، يمثل منتدى التعاون الصيني الأفريقي نموذجًا لآلية دولية لا تعتمد على المؤسسات الغربية التقليدية، وإنما على شراكة مباشرة بين الصين والدول الأفريقية.

وتصف المادة هذا الاتجاه بأنه يعكس تصورًا لنظام عالمي قائم على مبدأ "ويستفاليا"، حيث تتمسك الدول بسيادتها وتحدد بنفسها مساراتها السياسية والأمنية والتنموية. كما تؤكد أن المنتدى أصبح يحمل رؤية سياسية تتباين في بعض جوانبها مع التصور الغربي للعلاقة بين التنمية والأمن وحقوق الإنسان.

ما الذي تغير خلال 25 عامًا؟

عند النظر إلى مسيرة المنتدى منذ عام 2000، يمكن رصد خمس مراحل متداخلة في تطور العلاقات الصينية الأفريقية.

الأولى كانت مرحلة بناء الثقة والتجارة، حين كان الهدف الأساسي هو توسيع العلاقات التجارية وتعزيز الدعم السياسي المتبادل.

والثانية كانت مرحلة الاستثمار في الموارد والبنية التحتية، التي تزامنت مع اتساع القدرات المالية الصينية واحتياجات اقتصادها المتزايدة إلى الطاقة والمواد الخام.

والثالثة تمثلت في إعادة تشكيل سلاسل التوريد، مع انتقال الشركات الصينية الخاصة إلى أفريقيا واستكشاف فرص جديدة في الصناعة والخدمات والاستهلاك.

أما الرابعة فهي مرحلة التكنولوجيا والرقمنة والتصنيع، حيث أصبحت الصين مصدرًا متزايدًا للتكنولوجيا والبنية الرقمية والطاقة النظيفة والتدريب الصناعي.

وتتمثل المرحلة الخامسة، وهي الأكثر حساسية استراتيجيًا، في التكامل السياسي والمالي داخل الجنوب العالمي، حيث لم تعد العلاقة محصورة في الاقتصاد، بل أصبحت تشمل المواقف السياسية والأمنية والمؤسسات المالية والعملات المحلية والتنسيق الدولي.

وبذلك يمكن القول إن المنتدى انتقل من كونه آلية للتعاون بين طرفين إلى منصة تساعد في بناء شبكة أوسع من المصالح المتبادلة.

الخلاصة: أفريقيا ليست هامشًا في المنافسة الدولية

تكمن أهمية منتدى التعاون الصيني الأفريقي في أنه يعكس تحولًا أعمق من مجرد صعود الصين في أفريقيا. فهو يعكس، في الوقت ذاته، صعود أفريقيا نفسها كفاعل أكثر أهمية في الاقتصاد والسياسة الدوليين.

فالقارة تمتلك الموارد الطبيعية، والسكان، والأسواق، والقوة العاملة الشابة، والموقع الجغرافي، وإمكانات التصنيع والطاقة والتكنولوجيا. ولذلك أصبحت موضع اهتمام متزايد من مختلف القوى الدولية.

لكن المنافسة على أفريقيا لا تعني بالضرورة أن أفريقيا ستخسر استقلالية قرارها؛ فالنتيجة ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدول الأفريقية على تحويل التنافس الدولي إلى فرص تفاوضية، وعلى بناء سياسات مشتركة تسمح لها بالحصول على التكنولوجيا والاستثمار والبنية التحتية، مع حماية مصالحها الاقتصادية طويلة الأجل.

وفي هذا السياق، يمثل منتدى التعاون الصيني الأفريقي تجربة مهمة لأنها توضح كيف يمكن للعلاقات بين الصين وأفريقيا أن تتجاوز نموذج المساعدات التقليدية إلى نموذج أكثر اعتمادًا على التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع.

وفي المقابل، فإن التحدي أمام أفريقيا لا يتمثل في اختيار الصين بدلًا من الغرب، أو الغرب بدلًا من الصين، بقدر ما يتمثل في بناء قدرة أفريقية مستقلة على تحديد شروط الشراكة مع الجميع.

وبالنسبة للصين، تبدو أفريقيا جزءًا متزايد الأهمية من تصورها لدورها في الاقتصاد العالمي ولعلاقاتها مع الجنوب العالمي. وبالنسبة للغرب، يمثل الحضور الصيني المتنامي تحديًا لنمط النفوذ الذي ساد لعقود، لكنه في الوقت ذاته يعكس واقعًا جديدًا لا يمكن التعامل معه فقط من خلال المنافسة الجيوسياسية.

أما بالنسبة لأفريقيا، فإن اللحظة الراهنة قد تكون فرصة لإعادة تعريف موقعها في النظام الدولي؛ ليس بوصفها ساحة تتنافس عليها القوى الكبرى، وإنما باعتبارها طرفًا يمتلك من الموارد والأسواق والديموغرافيا والموقع الجغرافي ما يسمح له بأن يكون شريكًا في صياغة قواعد الاقتصاد العالمي المقبل.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي خلال ربع القرن المقبل لن تقاس فقط بحجم التجارة أو عدد المشروعات الصينية في القارة، وإنما بمدى قدرة هذه الشراكة على الإسهام في بناء اقتصادات أفريقية أكثر تصنيعًا، وقدرات تكنولوجية أكثر استقلالًا، وسلاسل قيمة تضيف قيمة داخل القارة، وتمثيل سياسي ومالي أكبر لأفريقيا في مؤسسات النظام الدولي.

وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح المنتدى أكثر من مجرد منصة تعاون ثنائية؛ إذ يتحول إلى مؤشر على اتجاه التحول في الاقتصاد العالمي نفسه، وعلى الصعود المتزايد للجنوب العالمي، وعلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى التقليدية والقوى الصاعدة، وعلى قدرة أفريقيا على الانتقال من موقع المتلقي للتنمية إلى موقع الشريك في صياغة مستقبلها.