بث تجريبي

خريف السيادة: الشركات العسكرية الخاصة والشرعية البديلة في أفريقيا

تحليلات - حميدة صالح بوحقيفة
حميدة صالح بوحقيفة
باحثة سياسية وأكاديمية ليبية

كتبت - حميدة صالح بوحقيفة

باحثة أكاديمية ليبية متخصصة في العلاقات الدولية والشؤون الأفريقية

شهدت العقود الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة الصراعات المسلحة، فلم تعد الحروب حكرًا على الجيوش النظامية أو المؤسسات العسكرية التابعة للدول. وفي أفريقيا، ولا سيما في منطقة الساحل والصحراء، برزت ملامح مرحلة جديدة عنوانها “خصخصة الأمن”، مع تصاعد نفوذ الشركات العسكرية الخاصة والفاعلين المسلحين من غير الدول، في مشهد يعيد رسم حدود السيادة الوطنية ووظائف الدولة التقليدية.

وفي قلب هذا التحول، برزت مجموعات مثل “فاغنر” الروسية – التي أُعيدت هيكلتها لاحقًا تحت مسمى “الفيلق الإفريقي” – بوصفها نموذجًا جديدًا للتدخل الخارجي، يتجاوز الأدوار الأمنية التقليدية إلى التأثير المباشر في موازين السلطة والقرار السياسي داخل عدد من الدول الأفريقية، خصوصًا تلك التي شهدت انقلابات أو تحولات عسكرية خلال السنوات الأخيرة، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

من "بلاك ووتر" إلى "الفيلق الإفريقي"

تحوّل في طبيعة النفوذ الأمني

الاستعانة بالشركات الأمنية الخاصة ليست ظاهرة جديدة في القارة الأفريقية، غير أن النموذج الروسي الحالي يبدو أكثر تعقيدًا وتأثيرًا من النماذج الغربية التقليدية. فبينما كانت الشركات الغربية تؤدي غالبًا أدوارًا تقنية أو تدريبية محدودة، تحوّل “الفيلق الإفريقي” إلى شريك أمني وسياسي مباشر للأنظمة الحاكمة، بما يتجاوز مفهوم “الاستشارات الأمنية” إلى إعادة تشكيل بنية السلطة ذاتها.

ولا يقتصر هذا الحضور على العمليات العسكرية أو حماية الأنظمة، بل يمتد إلى صياغة معادلة تقوم على “الأمن مقابل الموارد”، حيث تحصل هذه التشكيلات على امتيازات واسعة في قطاعات الذهب واليورانيوم والمعادن النادرة، بما يخلق اقتصادًا موازيًا خارج الرقابة الوطنية، ويُضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها السيادية بصورة مستقلة.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه الترتيبات إلى نمط جديد من التبعية الأمنية والاقتصادية، تصبح فيه الحكومات بحاجة دائمة إلى الحماية الخارجية لضمان بقائها السياسي، بينما تتراجع قدرة المؤسسات الوطنية على احتكار القوة وإدارة المجال الأمني.

تآكل احتكار العنف الشرعي

التهديد الصامت للدولة الوطنية

في الأدبيات الكلاسيكية للعلوم السياسية، تُعرّف الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر “الاستخدام الشرعي للعنف” داخل حدوده الجغرافية. غير أن الاعتماد المتزايد على الشركات العسكرية الخاصة يضع هذا المفهوم أمام تحدٍ غير مسبوق، إذ تصبح القوة المسلحة موزعة بين الدولة وفاعلين خارجيين يعملون وفق حسابات سياسية واقتصادية تتجاوز المصالح الوطنية للدول المضيفة.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن حماية الأنظمة الحاكمة أو المنشآت الحيوية لم تعد مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الوطنية وحدها، بل باتت مرهونة بقوات أجنبية مدفوعة الأجر، ما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الولاء المؤسسي داخل الجيوش الوطنية، ويحوّل بعض الدول إلى ساحات تنافس جيوسياسي مفتوح بين القوى الدولية.

كما أن هذه الشركات تعمل غالبًا في مناطق رمادية قانونيًا، إذ لا تخضع بصورة واضحة للقوانين العسكرية الوطنية، ولا تلتزم بالمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والمساءلة القانونية بنفس الدرجة التي تُلزم بها الجيوش النظامية. ونتيجة لذلك، تتحول الانتهاكات المرتبطة بها إلى عبء سياسي وأخلاقي على الحكومات المضيفة، وتُعمّق حالة انعدام الثقة بين الدولة والمجتمع.

أفريقيا أمام معضلة التبعية الأمنية

تكشف التجربة الأفريقية الراهنة عن مفارقة سياسية عميقة؛ فالدول التي تلجأ إلى الفاعلين المسلحين من غير الدول لحماية سيادتها، تجد نفسها تدريجيًا أكثر هشاشة وارتهانًا للخارج. فالأمن المستدام لا يمكن استيراده بصورة دائمة من الأسواق الدولية، ولا يمكن بناء الاستقرار على أدوات ترتبط بحسابات الربح والنفوذ أكثر من ارتباطها بالمصلحة الوطنية.

وفي ضوء ذلك، تبدو القارة الأفريقية أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة:

أولًا: سيناريو الاندماج والتبعية

حيث تتحول هذه القوات إلى جزء ثابت من بنية السلطة، بما يؤدي إلى رهن القرار السياسي والأمني للدول الأفريقية بمصالح القوى الراعية لها، وعلى رأسها روسيا في الحالة الحالية.

ثانيًا: سيناريو الانكفاء والفوضى

ففي حال انسحاب هذه القوات بصورة مفاجئة نتيجة تغيرات دولية أو صراعات داخلية، قد تواجه الدول المضيفة فراغًا أمنيًا واسعًا، تعجز الجيوش الوطنية الضعيفة عن احتوائه، ما يفتح المجال أمام تمدد الجماعات المتطرفة وشبكات العنف العابر للحدود.

ثالثًا: سيناريو الاستفاقة السيادية

وهو السيناريو الأكثر تفاؤلًا، ويقوم على تعزيز التعاون الأمني الأفريقي، وتطوير قدرات “مجلس السلم والأمن الأفريقي”، وبناء مؤسسات عسكرية وطنية قادرة على حماية الدولة دون الارتهان للفاعلين الخارجيين.

خاتمة

لم تعد السيادة الوطنية في أفريقيا مرتبطة فقط برفع الأعلام أو حماية الحدود، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على امتلاك قرارها الأمني والعسكري بصورة مستقلة. وفي هذا السياق، فإن تمدد الشركات العسكرية الخاصة يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة الوطنية الأفريقية في المرحلة الراهنة.

فبينما تبدو هذه الشركات في ظاهرها أدوات لتوفير الأمن والاستقرار، فإنها قد تتحول على المدى الطويل إلى بوابة لـ”استعمار أمني جديد”، يعيد إنتاج النفوذ الخارجي بأدوات مختلفة وأكثر مرونة. ولذلك، فإن مستقبل السيادة في أفريقيا سيظل مرهونًا بقدرة الدول الأفريقية على استعادة المبادرة، وبناء جيوش وطنية محترفة، ومؤسسات حكم قادرة على إدارة الأمن بعيدًا عن منطق التبعية والخصخصة المسلحة.