بث تجريبي

نظام ليبيا النفطي الجديد يقوم على أسس هشة

تحليلات - حافظ الغويل
حافظ الغويل
زميل أول ومدير برنامج في مركز ستيمسون بواشنطن، وزميل أول في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني

جرى تفسير أحدث عملية لإعادة هيكلة المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، إلى حد كبير، باعتبارها إجراءً مؤسسيًا: رئيس جديد، ومجلس إدارة أعيد تشكيله، وجولات تراخيص متجددة، وأهداف طموحة لزيادة الإنتاج ترمي إلى استعادة مكانة البلاد بين كبار منتجي النفط في منطقة البحر المتوسط. بل إن كثيرًا من المراقبين رحبوا بهذه التغييرات باعتبارها دليلًا إضافيًا على أن ليبيا بدأت أخيرًا تطوي صفحة أكثر من عقد من الصراع.

غير أن مثل هذا التفاؤل يخلط بين التنسيق الإداري والتعافي المؤسسي.

فليبيا، في نهاية المطاف، تعمل بهدوء على بناء نظام سياسي جديد لم تعد فيه عائدات النفط تمول الدولة فحسب، بل بات النفط يؤدي بصورة متزايدة وظائف الدولة نفسها. وكل مبادرة سياسية كبرى اتُخذت خلال العام الماضي — من إعادة هيكلة المؤسسة الوطنية للنفط، وإقرار الميزانية الوطنية الموحدة، وتجديد الشراكة بين المؤسسة ومصرف ليبيا المركزي، إلى جهود الوساطة الأمريكية وعودة شركات النفط الدولية — تقود إلى الاستنتاج نفسه.

فبدلًا من إعادة بناء مؤسسات سيادية قادرة على الحكم، تعمل النخب المتنافسة على تصميم بنية اقتصادية قادرة على إدارة البلاد في غياب تلك المؤسسات، فيما تحل حوكمة الشركات تدريجيًا محل الحوكمة الدستورية.

عادة ما تتفاوض الدول الخارجة من الصراعات على تسويات سياسية قبل أن تعيد بناء مؤسساتها الاقتصادية. أما ليبيا فتحاول السير في الاتجاه المعاكس؛ إذ تتحول عائدات النفط إلى آلية لشراء التوافق السياسي، بدلًا من أن تكون ثمرة تتحقق بعد التوصل إلى هذا التوافق. وقد ينجح مثل هذا النموذج في الحفاظ على الاستقرار لسنوات، لكن بناء دولة قادرة وفاعلة يتطلب شيئًا مختلفًا جذريًا.

يُصوَّر رحيل رئيس المؤسسة الوطنية للنفط السابق فرحات بن قدارة وتعيين مسعود سليمان على نطاق واسع باعتباره انتقالًا إداريًا اعتياديًا للسلطة التنفيذية. غير أن مثل هذه التوصيفات تغفل إعادة التصميم المؤسسي المصاحبة لهذا الانتقال. فقد تغيرت عضوية مجلس الإدارة بالتوازي مع إعادة تشكيل هياكل الإدارة التنفيذية، كما أعيد ضبط اللجان المسؤولة عن اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشتريات، والموافقات الاستثمارية، والتخطيط الاستراتيجي. وباتت السلطة الآن متركزة في تركيبة قيادية تحظى بقبول كل من القوى السياسية في غرب البلاد المتحالفة مع حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والسلطات الشرقية المرتبطة بالجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر.

وقد صُممت هذه التعديلات للحفاظ على التوازن السياسي أكثر مما استهدفت تعزيز الكفاءة المؤسسية. فكل تعيين في مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط باتت له تداعيات تتجاوز بكثير إدارة الموارد النفطية. إذ أصبحت عضوية اللجان تحدد، بصورة متزايدة، فرص الوصول إلى عقود هندسية بمليارات الدولارات، والإنفاق على البنية التحتية، والشراكات الأجنبية، ومسارات التوريد والمشتريات. كما باتت المناصب التنفيذية التي كان يشغلها في السابق تكنوقراط تؤثر في قضايا يُفترض، في الظروف الطبيعية، أن تُحسم من خلال وزارات فاعلة أو هيئات تشريعية أو حكومة موحدة.

ولا يزال كثير من المراقبين منشغلين بالتعيينات الوزارية في طرابلس أو بمسارات الدبلوماسية التي ترعاها الأمم المتحدة. وفي غضون ذلك، ينتقل النفوذ المالي بصورة متزايدة عبر قناة مختلفة تمامًا. فالقرارات المتخذة داخل المؤسسة الوطنية للنفط باتت تشكل الاقتصاد السياسي الليبي بصورة أكثر مباشرة من كثير من القرارات التي تُتخذ داخل الحكومة نفسها. وفي الواقع الجديد الآخذ في التشكل في أنحاء ليبيا، تمارس لجان مؤسسية بصورة متزايدة صلاحيات تشبه تلك التي يفترض أن تضطلع بها المؤسسات الدستورية.

ولم يعد النفط مجرد شريان الحياة الاقتصادية لليبيا، بل أصبح أيضًا الأداة المفضلة لدى البلاد لإدارة الانقسام السياسي.

ولنأخذ، على سبيل المثال، أهداف الإنتاج المخطط لها. فالخطط الرسمية تسعى إلى زيادة إنتاج الخام إلى 1.6 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية هذا العام، وصولًا في نهاية المطاف إلى مليوني برميل يوميًا. وتحقيقًا لذلك، تسارعت وتيرة تطوير الحقول الجديدة، فيما تخضع الحقول الناضجة لعمليات إعادة تطوير، كما عادت أصول رئيسية في قطاع التكرير، مثل مصفاة رأس لانوف، إلى صدارة التخطيط الوطني. فضلًا عن ذلك، جذبت جولات التراخيص الجديدة عددًا من كبريات شركات النفط العالمية.

وتوحي هذه الأرقام البارزة بزخم تجاري لافت، غير أن استجابة السوق الفعلية تكشف عن صورة مختلفة.

فقد استقطبت أول جولة تراخيص تنظمها ليبيا منذ أكثر من 17 عامًا طلبات من 44 شركة في البداية، تأهلت منها 37 شركة. وسرعان ما تصاعدت التوقعات بأن ليبيا استعادت مكانتها باعتبارها واحدة من أكثر الوجهات جاذبية للاستثمار في أنشطة الاستكشاف والإنتاج في أفريقيا. لكن الحماس تراجع تدريجيًا مع انتقال المستثمرين من مرحلة إبداء الاهتمام الأولي إلى مرحلة تقديم التزامات تجارية ملزمة. وفي نهاية المطاف، لم تُمنح سوى خمسة من أصل 22 امتيازًا معروضًا. وفضل معظم المستثمرين المحتملين البقاء على الهامش بدلًا من تحويل تفاؤلهم إلى استثمارات فعلية.

لم تكن الجيولوجيا هي التي أثنت المستثمرين، بل السياسة.

فقد تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في أفريقيا، إلى جانب تكاليف إنتاج منخفضة نسبيًا وقرب استثنائي من الأسواق الأوروبية، إلا أن عددًا من الشركات الدولية خلص، رغم ذلك، إلى أن حالة عدم اليقين السياسي والمؤسسي تفوق في أهميتها الفرص الجيولوجية المتاحة. وقد أفضت عمليات الفحص النافي للجهالة إلى تقييم أكثر حذرًا بكثير مما أوحى به الحماس الأولي في السوق.

وعزا كثير من المحللين هذا التردد أساسًا إلى المخاوف الأمنية، غير أن الانقسام الجغرافي للسلطة القانونية يطرح تعقيدًا إضافيًا.

فالشركات الدولية توقع عقودها مع الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس، لأن حكومة الوحدة الوطنية وحدها تمتلك السلطة القانونية لإبرام اتفاقيات نفطية معترف بها دوليًا. غير أن كثيرًا من الأصول المنتجة، ولا سيما في حوض سرت، تخضع فعليًا لحماية السلطات الشرقية المتحالفة مع القيادة العسكرية لحفتر. وهكذا، تستمد الشرعية القانونية من إدارة، بينما يعتمد استمرار العمليات على إدارة أخرى. وبعبارة أخرى، تحصل الشركات على اليقين القانوني من مركز للسلطة، فيما تعتمد في الوقت نفسه على مركز آخر لحماية أصولها على الأرض.

وقليلة هي المناطق النفطية في العالم التي تضطر فيها الشركات إلى الفصل بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية على الأرض بهذه الصورة. ولذلك، ينطوي كل اتفاق للاستكشاف على مخاطر دستورية إلى جانب مخاطره التجارية.

وقد تعيد الحكومات المستقبلية التي قد تنبثق في نهاية المطاف عن تسوية وطنية حقيقية النظر في الاتفاقيات التي أُبرمت خلال فترة الانقسام المؤسسي الطويلة. ومن ثم، قد يصبح التحكيم في مستقبل قطاع الطاقة الليبي بأهمية عمليات الاستكشاف نفسها.

وهذا الغموض القانوني يفسر ضرورة التعامل بحذر مع أهداف الإنتاج المعلنة.

فالطموحات الرسمية للوصول إلى إنتاج قدره مليونا برميل يوميًا لا تعتمد بقدر كبير على اكتشاف مزيد من الموارد الهيدروكربونية، وإنما على القدرة على جذب استثمارات مستدامة على مدى سنوات طويلة. وستحتاج معظم مناطق الامتياز الممنوحة إلى سنوات من أعمال الاستكشاف والتقييم والتطوير قبل أن تسهم بإنتاج ملموس. ولذلك، يعتمد نمو الإنتاج على المدى القصير بدرجة كبيرة على إعادة الاستثمار في الحقول القائمة، لا على اكتشافات نوعية قادرة على إحداث تحول جذري.

وفوق ذلك، تؤدي توقعات زيادة الإنتاج غرضًا سياسيًا آخر، إذ إن ارتفاع الإنتاج يوسع حجم الريع المتاح للتوزيع.

يفترض التحليل الاقتصادي التقليدي أن زيادة الإنتاج تعزز بصورة طبيعية فرص المصالحة السياسية، لأن تنامي الازدهار الاقتصادي يقلل دوافع الصراع. غير أن ليبيا تعمل وفق ديناميكية مختلفة؛ فكل برميل إضافي يجري تصديره يولد حيزًا ماليًا أوسع يسمح لشبكات الحكم المتنافسة بمواصلة التعايش من دون حل الخلافات الدستورية التي تفصل بينها.

ومن ثم، يؤجل النفط الحاجة الملحة إلى الحل السياسي.

فزيادة الإيرادات تقلل الضغوط الفورية للتفاوض بشأن الانتخابات أو الإصلاح الدستوري أو إعادة توحيد المؤسسات، لأن النخب المتنافسة تواصل الوصول إلى المورد الوطني نفسه من خلال ترتيبات مالية تزداد تنسيقًا. وهكذا، يصبح التوافق السياسي أقل إلحاحًا تدريجيًا ما دامت عائدات النفط قادرة على إرضاء الأطراف الرئيسية المستفيدة من استمرار الوضع الراهن.

ولا يزال الخطاب الدبلوماسي العلني يركز على إعادة التوحيد، وإجراء الانتخابات، وتحقيق الحكم الشامل. غير أن المفاوضات العملية تدور بصورة متزايدة حول بناء ترتيب يحظى بقبول مركزي القوة المتمثلين في الدبيبة وحفتر، ولا سيما بعد تحذيرات مصرف ليبيا المركزي من أن الاستمرار إلى أجل غير مسمى في تمويل حكومتين متوازيتين أمر غير قابل للاستدامة اقتصاديًا.

وينطوي هذا التطور على تداعيات كبيرة، لأن ليبيا لم تعد تحاول بناء مؤسسات سياسية قادرة على إدارة ثروتها النفطية، بل تعيد تصميم مؤسساتها النفطية كي تتولى إدارة الانقسام السياسي.

وقد يستمر هذا النموذج في تحقيق مؤشرات اقتصادية كلية مقبولة لعدة سنوات، غير أن بناء مؤسسات قادرة على الصمود يسلك مسارًا مختلفًا تمامًا. فالمؤسسة التي تدير أثمن أصول البلاد تتحول تدريجيًا إلى كيان يتجاوز بكثير دور شركة نفط وطنية. إنها تتطور لتصبح الآلية الرئيسية التي تعتمد عليها ليبيا للحفاظ على تسوية سياسية لم تكتمل بعد — اجتماع مجلس إدارة تلو الآخر، وقرار مشتريات تلو الآخر، وتحويل للإيرادات تلو الآخر.

نُشر المقال في الأصل في صحيفة «عرب نيوز».