بث تجريبي

الخروج من النيلين: عندما تبتلع الجغرافيا السياسية حكايات البشر في السودان

تحليلات - حميدة صالح بوحقيفة
حميدة صالح بوحقيفة
باحثة سياسية وأكاديمية ليبية

لم يكن الثوب السوداني الأزرق الذي ترتديه "حليمة" مجرد قطعة قماش تستر جسدها النحيل وهي تعبر الحدود نحو تشاد؛ كان آخر ما تبقى لها من ملامح حياة كاملة تركتها خلفها في حي "الصحافة" بالخرطوم. تسير وسط الغبار المتصاعد من أقدام آلاف النازحين عند معبر "أدري" الحدودي، وعيناها معلقتان بالأفق حيث يتداخل دخان المعارك بنقع التراب.

​تقول حليمة بصوت متعب، وهي تحاول حماية طفلها من شمس الصبيحة الحارقة: "لم نكن نريد شيئاً سوى أن نكبر بسلام في بيوتنا. والآن، نبحث عن شربة ماء نظيفة في أرض ليست أرضنا".

هذا المشهد، بتفاصيله البسيطة والمؤلمة، يلخص جوهر الأزمة السودانية؛ إنها ليست مجرد صراع عسكري على خارطة نفوذ، بل هي مأساة إنسانية كبرى تلتهم بهدوء جيلًا كاملًا، وتنسج من ورائها خيوط أزمة دولية معقدة تهدد بهز أركان القارة الإفريقية برمتها.
​حرب الأوراق المخفية: كيف تحول الوجع السوداني إلى ورقة مساومة؟

خلف كل رصاصة تطلق في الخرطوم أو دارفور، تقف حسابات دولية معقدة تتجاوز حدود السودان الجغرافية. فالبلد الذي كان يُنظر إليه يوماً كبوابة لإفريقيا ومخزن لثرواتها، تحول اليوم إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات كبرى:

صراع على شاطئ دافئ: يمثل ساحل السودان على البحر الأحمر نقطة جذب استراتيجية لقوى دولية كبرى تسعى لتأمين موطئ قدم عسكري وتجاري في واحد من أهم ممرات الملاحة العالمية.

ذهب السودان وثرواته: تحولت مناجم الذهب والمعادن النفيسة من نعمة للبلاد إلى وقود يغذي آلة الحرب، حيث تتدفق الأموال والسلاح عبر شبكات تهريب دولية معقدة تتغذى على غياب الدولة.

الجوار الهش: تجد دول الجوار (مصر، تشاد، جنوب السودان، وإثيوبيا) نفسها أمام خيارات أحلاها مرّ؛ حيث تضغط أمواج النزوح على اقتصاداتها المنهكة أصلاً، ويهدد شبح السلاح المنفلت أمنها الداخلي.

الأرقام عندما تفقد دهشتها.. وتتحول إلى مأساة صامتة

خلف لغة الأرقام الصامتة التي تصدرها المنظمات الدولية كل صباح، تكمن حكايات من لحم ودم. عندما نتحدث عن الأزمة الإنسانية في السودان، نحن لا نتحدث عن إحصائيات، بل عن حيوات تلاشت:

أكثر من 11 مليون إنسان: اضطروا لترك أسرتهم، وقصصهم، وصور عائلاتهم المعلقة على الجدران، ليصبحوا نازحين داخل وطنهم أو لاجئين وراء الحدود.

جوع يطرق الأبواب بعنف: يعيش نحو نصف سكان السودان (قرابة 25 مليون نسمة) في حالة من عدم اليقين الغذائي، حيث تحولت الوجبة الواحدة في اليوم إلى ترف لا يناله الكثيرون.

صمت غرف الطوارئ: مع خروج أكثر من 80% من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة، باتت الأمراض البسيطة وحالات الولادة الطبيعية تشكل خطراً حقيقياً على الحياة.

إن المأساة في السودان لا تكمن فقط في حجم الدمار، بل في هذا الاعتياد العالمي البارد على المشهد. لقد تحولت الحرب السودانية في وعي المجتمع الدولي إلى مجرد 'أزمة مزمنة أخرى' على الهامش، وهو قصر نظر أخلاقي وسياسي ستدفع المنطقة بأسرها ثمنه غاليًا."
​— من مذكرات ديبلوماسي إفريقي سابق

زلزال الساحل: تأثير "الدومينو" الذي يخشاه الجميع

إن الخطر الحقيقي الذي يحذر منه خبراء الشؤون الإفريقية هو ألا تقف النيران عند الحدود السودانية. فمنطقة الساحل الإفريقي تشبه غابة جافة تنتظر شرارة واحدة لتشتعل بالكامل.

إن سقوط السودان في فوضى مستدامة يعني فتح ممر آمن للجماعات المتطرفة ومهربي السلاح والبشر، ممتداً من البحر الأحمر حتى شواطئ المتوسط. كما أن اقتصاد دولة جنوب السودان، الذي يمر عبر شريان النفط السوداني، يترنح الآن بعنف، مما يهدد بإعادة إشعال فتيل النزاعات القديمة هناك.

هل هناك متسع للأمل؟

بينما يتبادل الساسة والجنرالات الاتهامات في ردهات الفنادق الفاخرة خلال جولات المفاوضات المتعثرة، يبدو أن الحل لن يولد إلا من رحم إرادة دولية حقيقية تتجاوز لغة البيانات والـتنديد الشفهي.

يحتاج السودان اليوم إلى ما هو أكثر من شاحنات الطحين المكدسة على الحدود؛ يحتاج إلى موقف أخلاقي شجاع يوقف تدفق السلاح، ويجبر الأطراف على الجلوس لصياغة مستقبل لا تقرر فيه البندقية مصير ملايين الأبرياء.

تواصل حليمة مسيرتها في شمس "أدري" الحارقة، لا تلتفت إلى الوراء، ليس لأنها نسيت الخرطوم، بل لأن عبء النجاة بأطفالها أثقل من أن تضيعه في التفاتة حزينة. والسؤال المعلق في فضاء إفريقيا اليوم: هل سينتظر العالم حتى يفرغ السودان من أهله ليفهم حجم الجريمة؟