بريكس والشرق الأوسط: هل تتحول القوة الصاعدة إلى فاعل في إدارة الأزمات؟

تحليلات - Foresight

تكشف مواقف مجموعة «بريكس» الأخيرة تجاه الحرب في الشرق الأوسط عن تحول تدريجي في طبيعة الدور الذي تسعى المجموعة إلى أدائه داخل النظام الدولي. فبعد أن ظل التكتل يُنظر إليه أساسًا باعتباره إطارًا للتعاون الاقتصادي بين قوى صاعدة، بدأت الأزمات الجيوسياسية الكبرى تدفعه إلى اختبار قدرته على صياغة مواقف سياسية مشتركة تجاه ملفات تتجاوز التجارة والتنمية إلى الأمن الدولي والطاقة وحرية الملاحة.

وفي قمة المجموعة المنعقدة في نيودلهي، دعت دول «بريكس» إلى «أقصى درجات ضبط النفس» في الشرق الأوسط، وحذرت من الإجراءات التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التصعيد. وعلى الرغم من أن هذه اللغة تبدو دبلوماسية وحذرة، فإن أهميتها السياسية تكمن في أنها صدرت عن إطار يضم دولًا ذات مواقف متباينة بشدة تجاه أطراف الصراع، بينها الصين وروسيا والهند وإيران والسعودية والإمارات ومصر.

ويعكس هذا التباين أحد أهم التحديات التي تواجه «بريكس»: كيف يمكن للمجموعة أن تنتقل من تجمع يضم دولًا غير غربية إلى قوة سياسية قادرة على إنتاج مواقف جماعية، من دون أن تتحول اختلافات أعضائها إلى عامل يشل قدرتها على الحركة؟

من التباين إلى الحد الأدنى من التوافق

تكتسب دعوة «بريكس» إلى ضبط النفس أهمية خاصة بالنظر إلى فشل وزراء خارجية المجموعة في مايو/أيار في التوصل إلى بيان مشترك بشأن الحرب. وكان ذلك الفشل مؤشرًا واضحًا على صعوبة إنتاج موقف جماعي عندما تتقاطع المصالح الوطنية المباشرة لأعضاء المجموعة مع صراعات دولية شديدة الحساسية.

لكن قمة نيودلهي أظهرت أن استمرار الحرب واتساع تداعياتها الاقتصادية والأمنية ربما دفعا أعضاء «بريكس» إلى البحث عن مساحة مشتركة، حتى وإن كانت محدودة. ولم يكن هذا التوافق قائمًا على توحيد مواقف الدول من الحرب، وإنما على الاتفاق بشأن مجموعة من المبادئ العامة: رفض استهداف البنى التحتية المدنية، حماية المنشآت النووية الخاضعة للضمانات الدولية، الالتزام بقواعد السلامة والأمن النووي، وتجنب الإجراءات التي تزيد من احتمالات اتساع الصراع.

وبذلك، يبدو أن «بريكس» اختارت التوافق حول إدارة مخاطر الحرب بدلًا من التوافق حول أسبابها أو المسؤولية عنها. وهذه صيغة أكثر واقعية بالنسبة إلى تجمع يضم قوى ذات حسابات استراتيجية متعارضة.

المنشآت النووية والطاقة: الخط الأحمر المشترك

يشكل موقف «بريكس» من المنشآت النووية أحد أبرز عناصر البيان المشترك، لأنه ينقل المجموعة من التعبير عن القلق السياسي إلى الدفاع عن قواعد ترتبط مباشرة بالأمن الدولي.

فالهجمات على المنشآت النووية لا تحمل مخاطر عسكرية فحسب، بل يمكن أن تؤدي إلى تداعيات بيئية وإنسانية عابرة للحدود، كما تهدد منظومة الضمانات الدولية التي تضطلع بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن ثم، فإن تأكيد «بريكس» ضرورة احترام الضمانات النووية ومعايير السلامة والأمن يعكس إدراكًا بأن استمرار التصعيد العسكري قد يتجاوز حدود الصراع الإيراني ـ الغربي إلى أزمة أوسع تمس النظام الدولي لمنع الانتشار النووي.

وهنا تبرز نقطة مهمة: فوجود إيران داخل «بريكس» لا يعني أن المجموعة أصبحت إطارًا للدفاع غير المشروط عن سياساتها. وفي المقابل، فإن عضوية السعودية والإمارات ومصر والهند لا تعني استعداد هذه الدول للانضمام إلى موقف غربي كامل تجاه طهران.

إن ما يجمع هذه الأطراف هو مصلحة مشتركة في منع تحول الحرب إلى أزمة إقليمية مفتوحة، خصوصًا أن دول الخليج ومصر والهند من أكثر الأطراف تعرضًا لتداعيات اضطراب الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد.

الصين تسعى إلى دور يتجاوز الوساطة التقليدية

تبدو الصين الأكثر استعدادًا لمنح «بريكس» وظيفة سياسية تتجاوز التعاون الاقتصادي. فقد دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ المجموعة إلى لعب دور «صانع سلام» في الصراع بالشرق الأوسط، مؤكدًا أن استمرار الحرب لا يخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي.

ولا ينبغي قراءة هذا الموقف بمعزل عن السياسة الصينية الأوسع. فبكين تسعى منذ سنوات إلى تقديم نفسها باعتبارها قوة دولية قادرة على طرح بدائل عن نماذج إدارة الأزمات التي تقودها الولايات المتحدة والدول الغربية.

وقد عززت الصين هذا التوجه من خلال انخراطها في ملفات دبلوماسية شرق أوسطية، أبرزها رعايتها في عام 2023 للاتفاق السعودي ـ الإيراني لاستعادة العلاقات الدبلوماسية. ولذلك، فإن دعوة شي إلى تحويل «بريكس» إلى قوة لصنع السلام تحمل بعدًا يتجاوز الأزمة الحالية، إذ ترتبط أيضًا بمحاولة بناء صورة للمجموعة باعتبارها إحدى أدوات إعادة تشكيل الحوكمة الدولية.

لكن طموح الصين يواجه اختبارًا صعبًا: هل تستطيع بكين استخدام «بريكس» كمنصة للوساطة من دون أن تبدو المجموعة مجرد أداة للسياسة الصينية؟

الهند: الوسيط الأكثر تعقيدًا

تلعب الهند دورًا مختلفًا. فهي الدولة المضيفة للقمة، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وتحافظ على علاقات وثيقة مع روسيا، وتملك مصالح متنامية مع دول الخليج وإيران.

ولهذا، فإن نجاح نيودلهي في تقريب وجهات النظر داخل المجموعة يمثل مكسبًا دبلوماسيًا للهند بقدر ما يمثل مكسبًا لـ«بريكس». فالهند لا تريد انهيار التكتل بسبب الخلافات الجيوسياسية، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن يتحول إلى تحالف سياسي مناهض للغرب.

هذه الموازنة تعكس طبيعة السياسة الخارجية الهندية الحالية، التي تقوم بدرجة كبيرة على تعدد الشراكات بدلًا من الاصطفاف الكامل خلف محور واحد. ومن ثم، فإن الهند قد تكون من أكثر الدول قدرة على دفع «بريكس» نحو صيغة عملية: مجموعة ذات نفوذ سياسي متزايد، لكنها لا تتحول إلى حلف عسكري أو أيديولوجي.

الخليج ومصر: منطق المصالح قبل الاصطفافات

تكشف عضوية السعودية والإمارات ومصر في «بريكس» عن تغير مهم في بنية المجموعة. فالتكتل لم يعد يتكون فقط من اقتصادات صاعدة تقودها الصين وروسيا والهند، وإنما أصبح يضم دولًا عربية ذات وزن اقتصادي وجغرافي واستراتيجي كبير.

وهذه الدول لديها مصلحة مباشرة في احتواء الحرب. فاضطراب الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، أو تعرض منشآت الطاقة والبنية التحتية للهجمات، يمكن أن ينعكس على صادرات النفط، وأسعار الطاقة، والتجارة العالمية، وسلاسل الإمداد.

لذلك، فإن موقف الرياض وأبوظبي والقاهرة داخل «بريكس» يمكن فهمه في إطار سياسة تقوم على خفض المخاطر الإقليمية والحفاظ على هامش واسع من العلاقات الدولية. فهذه الدول لا تسعى بالضرورة إلى استبدال الشراكة مع الولايات المتحدة بشراكة مع الصين وروسيا، وإنما إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية وعدم الارتهان لمحور واحد.

ومن هذه الزاوية، قد يكون انضمام الدول العربية إلى «بريكس» جزءًا من عملية أوسع لإعادة توزيع مراكز القوة والتأثير في النظام الدولي، وليس مجرد توسع اقتصادي للتكتل.

الطاقة وسلاسل الإمداد: العامل الذي يجبر الخصوم على التعاون

وراء اللغة الدبلوماسية للبيان المشترك توجد مصلحة اقتصادية مباشرة. فقد شددت «بريكس» على أهمية ضمان التدفقات السلسة للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد والطاقة.

وهذا البند تحديدًا قد يكون أكثر أهمية من العبارات السياسية العامة، لأن الحرب أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في البنية التحتية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.

فالشرق الأوسط لا يمثل مجرد منطقة نزاع سياسي، بل هو أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة ومرور التجارة العالمية. وأي اضطراب طويل الأمد في مضائق وممرات استراتيجية، أو في منشآت النفط والغاز وخطوط الأنابيب، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ويزيد الضغوط التضخمية، ويضعف النمو الاقتصادي.

وهنا تتقاطع مصالح أعضاء «بريكس» بصورة واضحة. فالصين والهند من أكبر مستوردي الطاقة، بينما تعد روسيا وإيران والسعودية والإمارات من كبار المنتجين أو اللاعبين الرئيسيين في أسواق الطاقة. وبالتالي، فإن استقرار المنطقة ليس قضية أمنية لدول الشرق الأوسط وحدها، بل مصلحة اقتصادية مشتركة داخل المجموعة.

«بريكس» ليست تحالفًا موحدًا

ومع ذلك، فإن قراءة البيان باعتباره بداية تحول «بريكس» إلى تحالف سياسي متماسك ستكون مبالغة.

فالمجموعة لا تزال تضم دولًا تختلف في رؤيتها للنظام الدولي وفي علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين. كما أن التوسع جعل عملية صنع القرار أكثر تعقيدًا، إذ أصبحت المجموعة تضم مصالح إقليمية متنافسة وأولويات اقتصادية وأمنية مختلفة.

ولهذا، فإن قوة «بريكس» لا تكمن في قدرتها على إصدار بيانات موحدة حول كل أزمة، وإنما في قدرتها على خلق مساحة تفاوضية تجمع قوى لا تتفق بالضرورة على السياسة، لكنها تتفق على ضرورة إصلاح قواعد النظام الدولي وتقليل هيمنة مركز واحد عليه.

ومن هذه الزاوية، فإن التباين داخل المجموعة ليس بالضرورة نقطة ضعف مطلقة؛ فقد يكون جزءًا من طبيعتها بوصفها إطارًا متعدد الأقطاب.

من القوة الاقتصادية إلى التأثير السياسي

يشير مسار «بريكس» إلى انتقال تدريجي من مشروع اقتصادي إلى منصة أوسع للتأثير السياسي. فقد تأسست المجموعة عام 2009 باعتبارها إطارًا للتنسيق بين اقتصادات صاعدة، قبل أن تتوسع عضويتها لتشمل مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات وغيرها.

ومع توسعها، ازدادت قدرتها على تمثيل شريحة واسعة من دول الجنوب العالمي، وهو ما يمنحها وزنًا متناميًا في قضايا التجارة والطاقة والتمويل والتنمية والإصلاح المؤسسي للنظام الدولي.

لكن هذا الوزن لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي. فالقوة السياسية تحتاج إلى مؤسسات وآليات لاتخاذ القرار، وإلى قدرة على تنفيذ المبادرات، وإلى حد أدنى من التوافق بين الأعضاء.

وهنا ستكون رئاسة الصين المقبلة للمجموعة واستضافتها القمة التاسعة عشرة فرصة لاختبار ما إذا كانت بكين ستدفع نحو بناء مؤسسات وآليات أكثر فاعلية، أم ستكتفي بتعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي بين الأعضاء.

ثلاثة مسارات محتملة

يمكن قراءة تطور موقف «بريكس» تجاه الحرب في الشرق الأوسط من خلال ثلاثة مسارات رئيسية.

المسار الأول: بريكس كمنصة لخفض التصعيد.
وفي هذا السيناريو، تستثمر الصين والهند والدول العربية في التباين النسبي داخل المجموعة للضغط باتجاه وقف التصعيد وحماية الطاقة والملاحة والمنشآت الحيوية. ولن تكون المجموعة بديلًا عن الأمم المتحدة أو عن المفاوضات المباشرة، لكنها قد تصبح قناة إضافية للاتصالات السياسية.

المسار الثاني: بريكس كمنصة لمواجهة الهيمنة الغربية.
قد يؤدي استمرار الحرب واتساع الخلافات مع الولايات المتحدة إلى دفع الصين وروسيا وإيران باتجاه استخدام المجموعة بصورة أكثر صراحة في انتقاد النظام الدولي الذي تقوده واشنطن. لكن هذا الخيار قد يضعف قدرة دول مثل الهند والسعودية والإمارات ومصر على الحفاظ على علاقات متوازنة مع الغرب.

المسار الثالث: بريكس كإطار متعدد المصالح.
وهو السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب، حيث تستمر المجموعة في تجنب القضايا التي يستحيل الاتفاق عليها، بينما تركز على الملفات التي تملك فيها مصالح مشتركة، مثل الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والتمويل والتنمية.

الخلاصة

لا يمثل بيان نيودلهي نهاية للخلافات داخل «بريكس»، لكنه يكشف عن تطور مهم في طريقة تعامل المجموعة مع الأزمات الدولية. فقد انتقلت من العجز عن إصدار موقف مشترك في مايو/أيار إلى صياغة حد أدنى من التوافق حول وقف التصعيد وحماية المنشآت المدنية والنووية واستقرار التجارة والطاقة.

وتكمن أهمية هذا التطور في أن «بريكس» أصبحت تضم الآن دولًا تقع في قلب التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. فالصين وروسيا والهند وإيران، إلى جانب السعودية والإمارات ومصر، لا تمتلك فقط ثقلًا اقتصاديًا، بل تملك أيضًا القدرة على التأثير في أسواق الطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية.

غير أن الاختبار الحقيقي للمجموعة لن يكون في قدرتها على صياغة بيان يدعو إلى ضبط النفس، وإنما في قدرتها على تحويل هذا التوافق المحدود إلى أدوات دبلوماسية واقتصادية قادرة على التأثير في مسار الأزمات.

وبذلك، قد تكون حرب الشرق الأوسط نقطة اختبار حاسمة لمستقبل «بريكس»: هل تبقى إطارًا واسعًا للتنسيق بين قوى صاعدة، أم تتحول تدريجيًا إلى أحد مراكز صناعة القرار في نظام دولي أكثر تعددًا للأقطاب؟