"ممداني" ومؤشرات صعود اليسار التقدمي في واشنطن
تشهد الساحة السياسية الأمريكية في السنوات الأخيرة تحولات بنيوية في المزاج الانتخابي، خصوصاً داخل الحزب الديمقراطي، حيث تتنامى قاعدة التيار التقدمي (Progressive Wing) الذي يجمع بين اليسار الليبرالي والناشطين من خلفيات إثنية ودينية متنوعة، ومن بينهم مسلمون وعرب وأفارقة وأميركيون لاتينيون.
زهران ممداني، وهو سياسي أميركي من أصل أوغندي مسلم، يمثل نموذجاً لهذا التيار الذي يتحدى القواعد التقليدية للنفوذ السياسي الأميركي القائم على المال، اللوبيات، والإعلام التقليدي.
رمزية "زهران ممداني" كحالة سياسية
- تحدي ماكينة المال السياسي:
حملته الانتخابية - إن نجحت في اختراق السقف المالي والإعلامي الذي تفرضه المؤسسة الديمقراطية - ستشكل سابقة رمزية. ففوزه يعني أن الخطاب القيمي (العدالة - حقوق الإنسان - الموقف من فلسطين) يمكن أن يتفوّق على التمويل والنفوذ.
- تحول التعاطف مع فلسطين من خطاب أخلاقي إلى ورقة انتخابية:
حتى وقت قريب، كان الدفاع عن فلسطين يُعدّ مخاطرة سياسية في الولايات المتحدة. لكن نجاح شخصيات مثل رشيدة طليب وإلهان عمر ومقرباتهن في تحصيل مقاعد مؤثرة، دفع بالخطاب الداعم لحقوق الفلسطينيين إلى الفضاء الانتخابي العام.
فوز ممداني المحتمل سيعني نقلة نوعية من التعاطف الفردي إلى الحراك الانتخابي المنظم.
- البعد الهويّاتي والسياسي:
ممداني يمثل تحالف الهويات المهمشة: النساء، الأقليات، المهاجرين، والمسلمين. وهذا التحالف بدأ يتحول إلى كتلة انتخابية فعلية، خصوصاً في المدن الكبرى مثل نيويورك، ديترويت، ومينيسوتا.
لذا فإن نجاحه سيؤكد أن الناخب الأميركي لم يعد أسيراً لثنائية الأبيض - الإنجيلي، بل يتجه نحو تنويع تمثيله السياسي.
التأثير المحتمل على الانتخابات النصفية المقبلة
1- داخل الحزب الديمقراطي:
فوز ممداني سيعزز جناح التقدميين بقيادة شخصيات مثل ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز وبيرني ساندرز.
وقد يدفع هذا النجاح المؤسسة الديمقراطية إلى مراجعة خطابها التقليدي المؤيد لإسرائيل، أو على الأقل تخفيف حدته.
من جهة أخرى، قد يزيد من حدة الصراع الداخلي بين الجناح الوسطي المحافظ (المؤيد للوبيات الكبرى) والجناح اليساري الشبابي.
2- بالنسبة للحزب الجمهوري:
الجمهوريون سيرون في هذا التحول تهديداً لمواقعهم، ليس فقط بسبب الموقف من إسرائيل، بل لأن صعود هذا الجيل يعني تآكل نفوذ القيم المحافظة واليمين الديني.
سيتعامل الحزب الجمهوري مع فوز ممداني كمؤشر على “يسارية مفرطة” تهدد الهوية الأميركية كما يعرفها التيار المحافظ، وسيستغلها لتعبئة قاعدته الانتخابية.
- انعكاس على الخطاب العام:
- فوز ممداني سيُحرّك الجدل حول “المال في السياسة” (Money in Politics).
- سيُعيد النقاش حول تأثير اللوبي الإسرائيلي (AIPAC) في تحديد مسار الترشيحات والدعم المالي.
وسيُدخل الموقف من فلسطين في لبّ الاستقطاب الانتخابي بدل أن يبقى قضية هامشية أو خارج النقاش العام.
المخاطر والفرص
الفرص:
- تعزيز الحضور السياسي للمسلمين والعرب في المشهد الأميركي.
- تزايد الوعي الشعبي داخل الحزب الديمقراطي تجاه قضايا العدالة الدولية وحقوق الإنسان.
- كسر احتكار الخطاب المؤيد لإسرائيل داخل الكونغرس.
المخاطر:
- رد فعل عكسي من اللوبيات المالية والإعلامية لمحاصرة أي تقدم انتخابي مماثل.
- إمكانية شيطنة التيار التقدمي بوصفه "معادياً لأميركا أو لإسرائيل".
- تفكك محتمل في التحالفات الداخلية داخل الحزب الديمقراطي، مما قد يفيد الجمهوريين انتخابياً.
القراءة الاستراتيجية
إذا تحقق فوز زهران ممداني، فإنه لن يُقرأ كمجرد فوز محلي في نيويورك، بل كمؤشر استراتيجي على تحول أعمق في الوعي السياسي الأميركي:
- انتقال من "الليبرالية السطحية" إلى "اليسار القيمي".
- توظيف الموقف الأخلاقي من فلسطين كأداة تعبئة انتخابية.
- إضعاف احتكار المال والإعلام لمفاصل القرار السياسي.
وهذا يعني أن الانتخابات النصفية المقبلة قد تشهد مفاجآت حقيقية إذا تكررت نماذج مشابهة في دوائر أخرى، خصوصاً مع تزايد نشاط القواعد الشابة والتقدّمية بعد حرب غزة 2024-2025 التي تركت أثراً عميقاً في الرأي العام الأميركي.
الخلاصة التقديرية
فوز زهران ممداني - إن تحقق - سيكون بمثابة اختبار حقيقي لتوازن القوى داخل الحزب الديمقراطي، وإشارة مبكرة إلى بداية تسييس التعاطف مع فلسطين وتحويله إلى رأسمال انتخابي. وسيُقرأ الحدث داخل واشنطن كتحول ثقافي - سياسي في المزاج الأميركي نحو يسار جديد متعدّد الهويات، يهدد مركزية النفوذ المالي والإعلامي، ويعيد تعريف حدود الممكن في السياسة الأميركية.
