قضية الصحراء الغربية في ظل التحولات الدولية: بين تقرير المصير ومقترح الحكم الذاتي
مقدمة
تُعد قضية الصحراء الغربية واحدة من أطول النزاعات الإقليمية غير المحسومة في أفريقيا، إذ تمتد جذورها المعاصرة إلى مرحلة إنهاء الاستعمار الإسباني خلال سبعينيات القرن العشرين، قبل أن تتحول إلى نزاع متعدد الأبعاد تتداخل فيه الاعتبارات القانونية والسياسية والأمنية والإقليمية والدولية.
وعلى الرغم من مرور عقود على إنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو» عام 1991، لم يتمكن المجتمع الدولي من الوصول إلى تسوية نهائية مقبولة من الأطراف الرئيسية.
ويتمحور الخلاف الأساسي حول رؤيتين مختلفتين لمستقبل الإقليم. يتمسك المغرب بسيادته على الصحراء الغربية ويطرح منذ عام 2007 مبادرة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما تطالب جبهة البوليساريو بممارسة الشعب الصحراوي حق تقرير المصير من خلال عملية تتيح خيار الاستقلال.
وقد اكتسب النزاع بعدًا جديدًا في ديسمبر 2020 عندما أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، بالتزامن مع استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل.
أدى هذا التطور إلى تغيير ملموس في البيئة الدبلوماسية المحيطة بالنزاع، لكنه لم ينهِ الخلاف القانوني والسياسي حول الوضع النهائي للإقليم.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل تطور قضية الصحراء الغربية، وموقعها في القانون الدولي، وأثر التحولات في المواقف الأميركية والأوروبية، وأبعاد التنافس المغربي–الجزائري، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل النزاع، مع التمييز بين المواقف السياسية للأطراف والوضع القانوني الدولي للقضية.
أولًا: الجذور التاريخية للنزاع
كانت الصحراء الغربية خاضعة للاستعمار الإسباني، وأُدرجت عام 1963 ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
ومع تصاعد حركات التحرر الوطني في أفريقيا، ظهرت مطالب بإنهاء الاستعمار الإسباني وتحديد الوضع السياسي المستقبلي للإقليم.
وفي عام 1973 تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، المعروفة باسم «جبهة البوليساريو»، وبدأت الكفاح المسلح ضد الوجود الإسباني مطالبة باستقلال الإقليم.
في المقابل، طرح المغرب مطالب تاريخية وسياسية بشأن الصحراء الغربية، معتبرًا الإقليم جزءًا من وحدته الترابية استنادًا إلى روابط تاريخية بين السلطان المغربي وبعض القبائل الصحراوية.
كما كانت لموريتانيا في تلك المرحلة مطالب مرتبطة بجزء من الإقليم.
وأمام تعقيد الوضع، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة رأيًا استشاريًا من محكمة العدل الدولية بشأن الروابط القانونية التي كانت قائمة بين الصحراء الغربية من جهة والمغرب والكيان الموريتاني من جهة أخرى قبل الاستعمار الإسباني.
ثانيًا: رأي محكمة العدل الدولية وإشكالية تفسيره
أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر 1975.
وخلصت المحكمة إلى وجود روابط قانونية من الولاء بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي كانت تعيش في الصحراء الغربية، كما أشارت إلى وجود حقوق وروابط قانونية بين بعض الجماعات الصحراوية والكيان الموريتاني.
لكن المحكمة أكدت في الوقت نفسه أن المواد والمعلومات المقدمة إليها لم تثبت وجود روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية أو الكيان الموريتاني من شأنها التأثير في تطبيق مبدأ تقرير المصير.
وأصبح هذا الرأي لاحقًا موضع تفسيرات سياسية مختلفة.
فالمغرب يشير إلى إقرار المحكمة بوجود روابط تاريخية وقانونية مع بعض قبائل الإقليم باعتباره عنصرًا يدعم روايته التاريخية.
أما البوليساريو والجزائر، فتشددان على أن المحكمة لم تثبت السيادة الإقليمية المغربية، وأنها أكدت ضرورة تطبيق تقرير المصير.
ومن الناحية الأكاديمية، من المهم الفصل بين الإقرار بوجود روابط تاريخية أو قانونية وبين إثبات السيادة الإقليمية، إذ لم تعتبر المحكمة المفهومين متطابقين.
ثالثًا: من الانسحاب الإسباني إلى النزاع المسلح
بعد صدور رأي المحكمة، نظم المغرب «المسيرة الخضراء» في نوفمبر 1975، التي شارك فيها مئات الآلاف من المغاربة باتجاه الإقليم.
وفي الشهر نفسه، وقعت إسبانيا والمغرب وموريتانيا «اتفاق مدريد»، الذي وضع إطارًا لإنهاء الوجود الإداري الإسباني.
أعقب ذلك انسحاب إسبانيا، لكن مسألة السيادة لم تُحسم دوليًا بصورة نهائية.
ودخل المغرب وموريتانيا في مواجهة عسكرية مع جبهة البوليساريو، التي أعلنت في فبراير 1976 قيام «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية».
وفي عام 1979 انسحبت موريتانيا من النزاع بعد اتفاق مع البوليساريو، بينما وسع المغرب وجوده إلى المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة الموريتانية.
استمرت الحرب بين المغرب والبوليساريو خلال الثمانينيات، وأنشأ المغرب سلسلة من الأحزمة الدفاعية المعروفة باسم «الجدار الرملي».
وأدى ذلك تدريجيًا إلى ظهور خريطة ميدانية يسيطر فيها المغرب على الجزء الأكبر من الإقليم، بما في ذلك أهم المدن والمراكز السكانية، بينما تسيطر البوليساريو على مناطق أقل كثافة سكانية شرق الجدار.
رابعًا: وقف إطلاق النار وإشكالية الاستفتاء
توصل المغرب والبوليساريو عام 1991 إلى وقف لإطلاق النار برعاية الأمم المتحدة.
وفي إطار خطة التسوية، أنشأ مجلس الأمن بعثة «المينورسو»، وكان من أبرز أهداف العملية الأممية تنظيم استفتاء يسمح لسكان الإقليم بتحديد مستقبلهم.
إلا أن الاستفتاء لم يُنظم.
وكان تحديد الهيئة الناخبة أحد أكثر الملفات تعقيدًا، إذ ظهرت خلافات بشأن الأشخاص الذين ينبغي السماح لهم بالمشاركة في التصويت والمعايير التي يجب استخدامها لإثبات ارتباطهم بالإقليم.
ومع مرور الوقت، أصبح تنفيذ الاستفتاء أكثر صعوبة، ودخلت العملية السياسية في حالة طويلة من الجمود.
وقد كشفت هذه التجربة عن واحدة من أهم مشكلات النزاع: وجود اتفاق واسع على الحاجة إلى تسوية سياسية، مقابل اختلاف جوهري بشأن مضمون تقرير المصير وآلية تطبيقه.
خامسًا: مبادرة الحكم الذاتي المغربية
في أبريل 2007، قدم المغرب إلى الأمم المتحدة «المبادرة المغربية للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء».
تقوم المبادرة على منح سكان الإقليم مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية وصلاحيات واسعة لإدارة شؤونهم المحلية، مع احتفاظ الدولة المغربية باختصاصات سيادية رئيسية، من بينها الدفاع والعلاقات الخارجية والعملة.
ويرى المغرب أن المبادرة تمثل تسوية واقعية بين الاندماج الكامل والاستقلال، وتوفر إطارًا لممارسة السكان إدارة ذاتية موسعة مع الحفاظ على وحدة الدولة.
وقد وصفت دول عدة المبادرة بأنها «جدية وذات مصداقية وواقعية»، فيما ازداد دعمها الدبلوماسي خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، ترفض جبهة البوليساريو اعتبار الحكم الذاتي صيغة كافية لتقرير المصير، وتطالب بعملية تتيح لسكان الإقليم الاختيار بين بدائل تشمل الاستقلال.
وهكذا انتقل الخلاف تدريجيًا من مسألة كيفية إجراء الاستفتاء إلى سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن اعتبار الحكم الذاتي شكلًا من أشكال ممارسة تقرير المصير، أم أن تقرير المصير يقتضي بقاء خيار الاستقلال متاحًا؟
سادسًا: التحول الأميركي منذ عام 2020
مثّل إعلان الرئيس دونالد ترمب في 10 ديسمبر 2020 اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية تحولًا كبيرًا في السياسة الأميركية تجاه النزاع.
وجاء الإعلان في سياق اتفاق تضمن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل.
قبل ذلك، كانت الولايات المتحدة تدعم العملية الأممية وتصف المبادرة المغربية للحكم الذاتي بأنها جادة وواقعية وذات مصداقية، لكنها لم تكن تعترف رسميًا بالسيادة المغربية على الإقليم.
لذلك نقل قرار 2020 الموقف الأميركي من دعم مقترح سياسي مغربي إلى الاعتراف بمطلب المغرب السيادي.
ولم تتراجع إدارة الرئيس جو بايدن رسميًا عن هذا الاعتراف، وإن واصلت التأكيد على دعم جهود الأمم المتحدة.
ومع عودة ترمب إلى الرئاسة، أعادت الإدارة الأميركية في 2025 تأكيد موقفها الداعم للسيادة المغربية، واعتبرت مقترح الحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات بشأن تسوية النزاع.
وبذلك أصبح التحول الذي بدأ عام 2020 أكثر رسوخًا في السياسة الأميركية، بدل أن يبقى قرارًا مرتبطًا بظروف نهاية الولاية الأولى لترمب.
سابعًا: المواقف الأوروبية وتغير البيئة الدبلوماسية
لم يحدث التحول الأميركي في فراغ.
فخلال السنوات الأخيرة، شهدت مواقف عدد من الدول الأوروبية تغيرات مهمة.
في عام 2022، اعتبرت إسبانيا مبادرة الحكم الذاتي المغربية الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع.
وفي عام 2024، اتخذت فرنسا موقفًا أكثر وضوحًا، معلنة دعمها للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه إطارًا لتسوية القضية.
أدت هذه التحولات إلى تعزيز الموقع الدبلوماسي للمغرب، خصوصًا بالنظر إلى أهمية الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا بالنسبة إلى شمال أفريقيا.
لكن هذه المواقف الثنائية لا تعني تلقائيًا تغير الوضع القانوني للإقليم داخل منظومة الأمم المتحدة.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: السيطرة الفعلية على الأرض، والاعتراف السياسي من دول منفردة، والوضع القانوني الدولي النهائي للإقليم.
هذه المستويات مترابطة، لكنها ليست متطابقة.
ثامنًا: الأمم المتحدة بين الحكم الذاتي وتقرير المصير
رغم التحولات الدبلوماسية، ما زالت الأمم المتحدة تمثل الإطار الدولي الأساسي لمعالجة النزاع.
وتواصل المنظمة إدراج الصحراء الغربية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
كما تستمر «المينورسو» في العمل بموجب قرارات مجلس الأمن المتعاقبة.
وقد أظهر قرار مجلس الأمن رقم 2797 لعام 2025 تطورًا ملحوظًا في اللغة السياسية المحيطة بمقترح الحكم الذاتي، مع استمرار الحديث عن حل سياسي متفاوض عليه وقابل للتطبيق ومقبول من الأطراف ومتسق مع مبدأ تقرير المصير.
وبذلك لا يمكن القول إن الأمم المتحدة تبنت الاعتراف الأميركي بالسيادة المغربية باعتباره موقفًا جماعيًا، كما لا يمكن تجاهل تنامي المكانة السياسية لمقترح الحكم الذاتي داخل النقاش الدولي.
وتكشف هذه المعادلة عن انتقال القضية إلى مرحلة أصبح فيها البحث عن صيغة تجمع الواقعية السياسية مع المتطلبات القانونية أكثر حضورًا.
تاسعًا: البعد الجزائري والمنافسة الإقليمية
لا يمكن تحليل النزاع بمعزل عن العلاقات المغربية–الجزائرية.
تستضيف الجزائر مخيمات اللاجئين الصحراويين في منطقة تندوف، وتقدم دعمًا سياسيًا ودبلوماسيًا لجبهة البوليساريو.
وتؤكد الجزائر أنها ليست طرفًا مباشرًا في النزاع، وأن موقفها يستند إلى الدفاع عن مبدأ تقرير المصير.
أما المغرب فيعتبر الجزائر طرفًا مركزيًا في النزاع، ويرى أن مشاركتها ضرورية للوصول إلى تسوية نهائية.
ويأتي هذا الخلاف في سياق تنافس إقليمي أوسع بين البلدين يشمل النفوذ في شمال أفريقيا والساحل، والسياسات الأمنية، والعلاقات مع القوى الكبرى، وقضايا الحدود والتسلح والطاقة.
وقد أدى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب عام 2021 إلى زيادة صعوبة بناء بيئة إقليمية مناسبة للتسوية.
وبالتالي، فإن حل قضية الصحراء الغربية يرتبط بدرجة كبيرة بإمكانية خفض حدة التوتر المغربي–الجزائري.
عاشرًا: الصحراء الغربية والتحولات الجيوسياسية في أفريقيا
تزامنت التطورات الأخيرة في القضية مع تحولات واسعة في البيئة الاستراتيجية الأفريقية.
شهدت منطقة الساحل تراجعًا في النفوذ الفرنسي، وتوسعًا في الحضور الروسي، واستمرار نمو العلاقات الاقتصادية الصينية مع الدول الأفريقية، إلى جانب محاولات الولايات المتحدة إعادة صياغة شراكاتها الأمنية والاقتصادية في القارة.
ضمن هذه البيئة، يحتل المغرب موقعًا مهمًا بالنسبة إلى القوى الغربية باعتباره شريكًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا في شمال أفريقيا، فضلًا عن توسعه الاقتصادي والدبلوماسي في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل.
وفي المقابل، تمتلك الجزائر موارد طاقة كبيرة وقدرات عسكرية وعلاقات تاريخية مع دول الساحل، كما تحافظ على علاقات مهمة مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن مواقف القوى الدولية من الصحراء الغربية يمكن تفسيرها حصريًا من خلال التنافس الجيوسياسي.
لكن التحولات الإقليمية والدولية أصبحت جزءًا مهمًا من البيئة التي تتشكل داخلها مواقف الدول من النزاع.
حادي عشر: القانون الدولي والواقعية السياسية
تقدم قضية الصحراء الغربية مثالًا واضحًا على التوتر المحتمل بين المبادئ القانونية والاعتبارات السياسية.
من الناحية القانونية، ظل تقرير المصير عنصرًا مركزيًا في تعامل الأمم المتحدة مع القضية.
ومن الناحية السياسية، أدى استمرار النزاع وعدم نجاح خطط التسوية السابقة إلى تنامي توجه دولي يرى في الحكم الذاتي حلًا عمليًا يمكن البناء عليه.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تعارض مطلق بين المفهومين.
فتقرير المصير في القانون والممارسة الدوليين لا يؤدي دائمًا إلى إنشاء دولة مستقلة، ويمكن أن يتخذ أشكالًا سياسية مختلفة إذا تم التعبير عن إرادة السكان بصورة حرة وذات مصداقية.
لكن المشكلة الأساسية في الصحراء الغربية تتمثل في عدم وجود اتفاق بين الأطراف حول العملية التي يمكن من خلالها التعبير عن هذه الإرادة، والخيارات التي ينبغي أن تكون متاحة خلالها.
ومن هنا يصبح الخلاف حول «كيفية» ممارسة تقرير المصير مساويًا تقريبًا في أهميته للخلاف حول النتيجة النهائية.
ثاني عشر: السيناريوهات المستقبلية
يمكن تحديد أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل النزاع.
السيناريو الأول هو استمرار الوضع الراهن، بحيث يحتفظ المغرب بسيطرته الفعلية على معظم الإقليم، بينما تستمر البوليساريو في رفض السيادة المغربية وتبقى العملية الأممية قائمة دون تسوية نهائية.
ويمتلك هذا السيناريو احتمالية مرتفعة إذا استمرت الفجوة بين مواقف الأطراف.
السيناريو الثاني يتمثل في انتقال العملية السياسية نحو مفاوضات تفصيلية بشأن الحكم الذاتي، مدفوعة بتزايد الدعم الدولي للمبادرة المغربية.
وسيتوقف نجاح هذا المسار على مضمون الحكم الذاتي نفسه، والضمانات المرتبطة به، وطريقة الحصول على قبول السكان المعنيين والأطراف الرئيسية.
السيناريو الثالث يتمثل في إعادة صياغة مفهوم تقرير المصير ضمن تسوية تفاوضية تجمع بين درجة واسعة من الحكم الذاتي وآلية متفق عليها للتعبير عن إرادة السكان.
وقد يوفر هذا السيناريو مساحة وسط، لكنه يتطلب تنازلات كبيرة من الأطراف.
أما السيناريو الرابع فهو عودة التصعيد العسكري على نطاق أوسع إذا فشلت العملية السياسية واستمرت حالة انعدام الثقة.
وسيكون لهذا السيناريو تأثير سلبي يتجاوز الإقليم نفسه، نظرًا إلى هشاشة البيئة الأمنية في شمال أفريقيا والساحل.
خاتمة
تكشف دراسة قضية الصحراء الغربية أن النزاع لم يعد قائمًا على معادلات سبعينيات القرن الماضي نفسها.
فقد تغيرت موازين السيطرة على الأرض، وتطورت مواقف القوى الدولية، وبرز مقترح الحكم الذاتي باعتباره عنصرًا أكثر حضورًا في النقاش الدبلوماسي، بينما بقي مبدأ تقرير المصير جزءًا أساسيًا من الإطار الأممي.
وقد عزز التحول الأميركي منذ 2020 الموقف الدبلوماسي المغربي، لكنه لم يؤدِ حتى الآن إلى تسوية نهائية للنزاع أو إلى تغيير جماعي في الوضع القانوني للإقليم داخل الأمم المتحدة.
وفي المقابل، تواجه جبهة البوليساريو تحديًا يتمثل في الحفاظ على مطلبها التقليدي في بيئة دبلوماسية أصبحت أكثر قبولًا لمقترح الحكم الذاتي، بينما تظل الجزائر لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاهل تأثيره في فرص التسوية.
ومن ثم، لا يبدو مستقبل القضية مرهونًا بقدرة طرف واحد على تحقيق انتصار دبلوماسي كامل، بقدر ما يرتبط بإمكانية صياغة عملية سياسية تستطيع الجمع بين ثلاثة عناصر: الواقع القائم على الأرض، ومبدأ تقرير المصير، وضمان قبول الأطراف الرئيسية بالحل النهائي.
ويظل التحدي الأساسي هو الانتقال من إدارة النزاع إلى تسويته. وبعد أكثر من خمسة عقود، قد لا تكمن المشكلة في غياب المقترحات بقدر ما تكمن في غياب التوافق على الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه التسوية وآلية إضفاء الشرعية عليها.
