بث تجريبي

واشنطن ونزاع الصحراء الغربية: مقاربة جديدة بين الضغوط الدبلوماسية والهواجس الإقليمية

دراسات وأبحاث - Foresight

يشكّل التحرك الأمريكي الأخير لاستضافة محادثات بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا في مدريد تحولاً لافتاً في مسار النزاع حول الصحراء الغربية، الذي ظل لعقود رهينة الوساطة الأممية دون اختراق حاسم. فانتقال واشنطن من موقع الداعم للمسار الأممي إلى موقع المبادر والميسّر المباشر يعكس إدراكاً متزايداً بأن الجمود السياسي القائم منذ انهيار وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 لم يعد قابلاً للاستدامة، وأن معالجة النزاع تتطلب مقاربة أكثر ديناميكية تأخذ في الاعتبار الفاعلين الإقليميين الأساسيين، وعلى رأسهم الجزائر.

أولاً: لماذا أصرت واشنطن على إشراك الجزائر؟

إصرار الإدارة الأمريكية على إشراك الجزائر في محادثات مدريد لم يكن إجراءً بروتوكولياً، بل يستند إلى معطيات استراتيجية واضحة. فجبهة البوليساريو باتت تعتمد بدرجة متزايدة على الدعم الجزائري، سواء على المستوى السياسي أو اللوجستي أو الرمزي، في ظل تراجع الاعتراف الدولي بما يُسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”. فبعد أن حظيت هذه الكيان باعتراف أكثر من 80 دولة في سبعينيات القرن الماضي، سحبت أكثر من 50 دولة اعترافها لاحقاً، ما جعل الجزائر الداعم الأكثر ثباتاً وتأثيراً.

كما أن استضافة الجزائر للاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف تعكس عمق انخراطها في الملف. وتكتسب مسألة أعداد اللاجئين أهمية خاصة، ليس فقط من زاوية إنسانية، بل باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية في أي تسوية محتملة، إذ إن قبول هؤلاء اللاجئين بالاندماج ضمن صيغة حكم ذاتي تحت السيادة المغربية سيكون اختباراً حقيقياً لنجاح أي اتفاق.

مع ذلك، فإن اختزال البوليساريو في كونها “أداة جزائرية” يظل تبسيطاً مفرطاً. فالجزائر تنظر إلى النزاع من منظور تاريخي يرتبط بموروثها التحرري ما بعد الاستعمار، وترى في دعم “حق تقرير المصير” امتداداً لمرجعيتها السياسية. كما أن حساسية النخبة الجزائرية تجاه مسألة الحدود — في ضوء تاريخ طويل من التوترات الحدودية مع المغرب — تجعلها تنظر إلى الصحراء الغربية أيضاً كمسألة أمن قومي وجيوسياسي، وليس فقط كقضية مبدئية.

ثانياً: حسابات الضغط وحدود الإكراه

لا يمكن تفسير انخراط الجزائر في محادثات مدريد فقط عبر أدوات الضغط الأمريكي، رغم وجود عوامل ضاغطة مثل التلويح بفرض عقوبات على خلفية صفقات تسليح مع روسيا، أو دعوات في الكونغرس لتصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية. فالنهج الأكثر واقعية تمثل في اعتراف واشنطن بخصوصية الموقف الجزائري ومصالحه، وهو ما سمح بإقناع الجزائر بالانتقال من موقع “المراقب الإقليمي” إلى موقع الطرف الحاضر على طاولة التفاوض.

وهنا تكمن نقطة محورية: نجاح المسار الأمريكي لن يتحقق عبر فرض تغيير قسري في الموقف الجزائري، بل عبر توفير آلية تسمح للجزائر بالحفاظ على ثوابتها المعلنة، مع فتح هامش للمناورة السياسية.

ثالثاً: نحو آلية لتجاوز المأزق

أحد المفاتيح الممكنة لتجاوز الجمود يتمثل في ابتكار آلية تشاور موسعة مع السكان الصحراويين، بمن فيهم اللاجئون في تندوف، دون العودة بالضرورة إلى صيغة الاستفتاء التقليدي التي أثبتت تعقيدها. فتنظيم حوار تشاوري منظم — يتسق مع خطة الحكم الذاتي المغربية المطروحة — قد يشكل أرضية عملية لإعادة تموضع المواقف، خاصة إذا اقترن بضمانات واضحة تتعلق بالتمثيل والمشاركة السياسية.

تصريحات السفير الجزائري في واشنطن التي شددت على أن أي حل يجب أن يكون نتاج إرادة “المعنيين بالأمر”، أي الصحراويين، توفّر مساحة يمكن البناء عليها. فإذا تمكّن مسار سياسي ما من إظهار قبول واسع داخل المجتمع الصحراوي لصيغة معينة، فقد تجد الجزائر نفسها في موقع يسمح لها بقبول تسوية دون أن تبدو وكأنها تراجعت عن مبدأ تقرير المصير.

رابعاً: معضلة الحدود والأمن الإقليمي

إلى جانب البعد السياسي، يبقى هاجس الحدود ركيزة أساسية في الحسابات الجزائرية. ولذلك فإن أي تسوية — حتى ضمن إطار حكم ذاتي — تحتاج إلى تضمين ضمانات صريحة بعدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار. فاستقرار الحدود يمثل في العقيدة السياسية الجزائرية مسألة سيادية لا تقبل التأويل.

في هذا السياق، قد يشكل إعلان البوليساريو العودة إلى وقف إطلاق النار — إذا تأكدت جديته — نقطة انعطاف تتيح إعادة إطلاق العملية السياسية في أجواء أقل توتراً.

خامساً: إدارة الحساسية بين الرباط والجزائر

تاريخ العلاقات المغربية–الجزائرية، المثقل بالخلافات الحدودية والاصطفافات الجيوسياسية، يفرض على واشنطن هامشاً دقيقاً للمناورة. فأي انطباع بانحياز صريح قد يؤدي إلى نسف الجهود من بدايتها. ومن هنا تبدو السرية النسبية للمحادثات أداة ضرورية لبناء الثقة التدريجية بين الأطراف.

أخيرا يمثل التحرك الأمريكي اختباراً مزدوجاً: من جهة، قدرته على إعادة إحياء مسار تسوية ظل مجمداً لعقود؛ ومن جهة أخرى، قدرته على موازنة حساسيات إقليمية عميقة بين الجزائر والمغرب. فإشراك الجزائر لم يكن خياراً تكميلياً، بل شرطاً بنيوياً لأي تقدم حقيقي.

غير أن النجاح لن يتوقف فقط على الضغوط أو الحوافز، بل على قدرة واشنطن على صياغة إطار تفاوضي يراعي الثوابت السيادية للأطراف كافة، ويمنح كل طرف مخرجاً سياسياً يحفظ ماء الوجه. وفي ظل تشابك الاعتبارات الأمنية والرمزية والتاريخية، سيبقى تحقيق اختراق حقيقي رهناً بمدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة النزاع إلى إعادة تعريفه ضمن معادلة إقليمية أكثر استقراراً.