ديفيد مونتغمري هارت والريف المغربي: الأنثروبولوجيا، والبنية الانقسامية، والإرث الفكري
الملخص
تتناول هذه الدراسة أعمال وإرث عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي ديفيد مونتغمري هارت (1927–2001)، الذي تُعد أبحاثه الميدانية في الريف المغربي، والتي أُنجزت أساسًا بين عام 1952 وسبعينيات القرن العشرين، من بين أهم الإسهامات في الأنثروبولوجيا المغاربية خلال القرن العشرين. واستنادًا إلى مؤلفه الضخم «آيث ورياغر في الريف المغربي» الصادر سنة 1976، تتتبع الدراسة مساره الفكري، ومنهجه الإثنوغرافي القائم على المعايشة الطويلة، وتوظيفه للنموذج الانقسامي (Segmentary Model) في تحليل التنظيم القبلي الريفي.
كما تتناول الدراسة الجدل النظري الذي أثاره هنري مونسون الابن سنة 1989، عندما شكك في صلاحية نموذج النسب الانقسامي في تفسير المجتمع الريفي، وتناقش رد هارت على هذه الانتقادات، إلى جانب مواقف إرنست غلنر في هذا السجال الذي شكل إحدى أهم المحطات في أنثروبولوجيا المغرب العربي.
وتختتم الدراسة بتقييم الإرث العلمي الذي خلفه هارت في دراسات الأمازيغ والريف وفي تاريخ الأنثروبولوجيا المغاربية المعاصرة.
أولاً: مقدمة – أنثروبولوجي في مواجهة الريف
يمثل تاريخ الأنثروبولوجيا في شمال المغرب، إلى حد بعيد، تاريخ علاقة فكرية وإنسانية جمعت بين باحثين أجانب وفضاء بشري شديد التعقيد والثراء. ومن بين هؤلاء الباحثين يحتل ديفيد مونتغمري هارت مكانة فريدة، ليس فقط لأنه كرّس عقودًا من حياته لدراسة القبائل الريفية، بل لأن عمق انغماسه في المجتمع المحلي، واتساع نطاق توثيقه، وصلابة إطاره النظري – رغم ما تعرض له من نقد – أنتجت corpus معرفيًا يُعد من أكثر الأعمال كثافة وأهمية في الدراسات الخاصة بشمال إفريقيا.
وُلد هارت في فيلادلفيا بالولايات المتحدة في 18 مايو (أيار) 1927، وتوفي في 22 مايو 2001 بمدينة غاروتشا الإسبانية. وقد عاش بين عالمين: العالم الأكاديمي الأمريكي الذي تلقى فيه تكوينه العلمي، وعالم الريف المغربي وجنوب إسبانيا حيث وجد موضوعه البحثي ورسالة حياته العلمية.
ويُعد الريف المغربي، الممتد على طول الساحل المتوسطي من طنجة إلى وادي ملوية، واحدًا من أغنى المجالات الأنثروبولوجية في شمال إفريقيا. فهو فضاء يجمع بين تاريخ طويل من المقاومة المسلحة، تجسد في حرب الريف (1921–1926) وشخصية الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وبين بنية قبلية معقدة، ونظام قانوني عرفي متجذر في التقاليد الأمازيغية، وثقافة شفوية نابضة بالحياة.
وعندما بدأ هارت أبحاثه الميدانية في المنطقة سنة 1952، كان يسير على خطى الأنثروبولوجي الأمريكي كارلتون إس. كون، الذي شكل كتابه «قبائل الريف» (1931) أول دراسة إثنوغرافية أمريكية موسعة حول الريف المغربي. غير أن هارت تجاوز سلفه من حيث مدة التفرغ الميداني وعمق التحليل الاجتماعي، ليصبح المرجع الأكثر شمولًا في دراسة المجتمع الريفي.
وتهدف هذه الدراسة إلى تحليل أعمال هارت من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة:
- البعد السيري والمنهجي، من خلال دراسة تكوينه العلمي ومنهج عمله الميداني وعلاقاته الأكاديمية.
- البعد النظري، عبر تحليل توظيفه للنموذج الانقسامي والنقاشات التي أثارها.
- البعد التراثي والمعرفي، من خلال تقييم تأثير أعماله في الدراسات الأمازيغية والأنثروبولوجيا المغاربية المعاصرة.
ومن خلال هذه المقاربة، تسعى الدراسة إلى وضع هارت ليس فقط في سياق الأنثروبولوجيا المغاربية، بل أيضًا ضمن التطور العام للأنثروبولوجيا الاجتماعية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ثانياً: التكوين الفكري والسياق الأكاديمي
2.1 من فيلادلفيا إلى الريف: مسار إثنوغرافي ميداني
حصل ديفيد مونتغمري هارت على درجة الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا تحت إشراف كارلتون إس. كون (1904–1981)، أحد أبرز علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين في القرن العشرين وأكثرهم إثارة للجدل.
وكان كون قد نشر سنة 1931 كتابه الشهير «قبائل الريف» الذي تزامن صدوره مع السنوات الأخيرة من مقاومة الريفيين للاستعمار الإسباني. ورغم محدودية بعض مقارباته المنهجية التي تأثرت بالتصنيفات الأنثروبولوجية السائدة آنذاك، فإن عمله شكل أول محاولة علمية شاملة لدراسة الأمازيغ في شمال المغرب.
بالنسبة لهارت، لم يكن التتلمذ على يد كون مجرد انتقال للمعرفة الأكاديمية، بل كان وراثة لموضوع بحث كامل يتمثل في قبائل المغرب الأمازيغية، ولأسلوب علمي يقوم على الاحتكاك المباشر بالمجتمع المدروس بعيدًا عن النماذج النظرية المجردة.
بدأ هارت أبحاثه الميدانية في الريف سنة 1952 وهو في الخامسة والعشرين من عمره، واستقر تدريجيًا بين قبائل آيث ورياغر، أكبر اتحادات القبائل في الريف الأوسط، والمتمركزة حول منطقة الحسيمة.
وقد استمرت هذه الإقامة سنوات متواصلة، قبل أن يعود مرارًا إلى المنطقة على امتداد مسيرته العلمية، ليقضي ما مجموعه نحو أحد عشر عامًا من العمل الميداني الفعلي داخل الريف.
كما عمل خلال جزء من هذه الفترة أستاذًا في معهد السوسيولوجيا بجامعة محمد الخامس في الرباط، الأمر الذي سمح له بالحفاظ على ارتباط مؤسسي بالمغرب بالتوازي مع استكمال أبحاثه الميدانية.
ومن أبرز ما ميز هارت عن كثير من معاصريه إتقانه الاستثنائي للغات. فقد كان يتحدث بطلاقة:
- الريفية (تاريفيت)
- العربية المغربية
- العربية الفصحى
- الإسبانية
- الفرنسية
- الألمانية
ولم يكن هذا التعدد اللغوي مجرد مهارة إضافية، بل كان عنصرًا أساسيًا في نجاح مشروعه البحثي. فقد أتاح له الوصول المباشر إلى المصادر الشفوية المحلية، والاطلاع على الأدبيات الاستعمارية الإسبانية والفرنسية، وربطها بالمعلومات التي يجمعها ميدانيًا.
ولهذا السبب يُوصف هارت غالبًا بأنه من أنثروبولوجيي "المدرسة القديمة"، أي أولئك الذين اعتبروا الإقامة الطويلة في الميدان، والملاحظة بالمشاركة، وإتقان اللغة المحلية، شروطًا أساسية لإنتاج معرفة علمية موثوقة.
وفي هذا الإطار ينتمي هارت إلى تقليد كبار الإثنوغرافيين في القرن العشرين، مثل إيفانز بريتشارد في السودان، وبرونيسلاف مالينوفسكي في ميلانيزيا، وفريدريك بارث في إيران؛ أولئك الذين جعلوا من المعايشة المباشرة أساسًا للمعرفة الأنثروبولوجية.
2.2 هارت في المشهد الأنثروبولوجي لشمال إفريقيا
لفهم المكانة العلمية التي احتلها ديفيد هارت، لا بد من وضعه ضمن السياق الأكاديمي الذي شهد نشاط عدد من أبرز علماء الأنثروبولوجيا الذين اشتغلوا على المغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ففي عام 1954 بدأ إرنست غلنر (1925–1995) أبحاثه الميدانية في الأطلس الكبير، والتي أثمرت لاحقًا كتابه الشهير «أولياء الأطلس» (Saints of the Atlas) الصادر عام 1969، والذي أصبح المرجع النظري الأبرز لتطبيق النموذج الانقسامي على المجتمعات الأمازيغية في المغرب.
وفي الفترة نفسها تقريبًا، كان كليفورد غيرتز ينجز أبحاثه في مدينة صفرو بالأطلس المتوسط، مطورًا ما عُرف لاحقًا بالأنثروبولوجيا التأويلية التي ركزت على فهم المعاني والرموز الثقافية. أما بول رابينو وفنسنت كرابانزانو فقد أسهما في إدخال النزعة النقدية والتأملية إلى الأنثروبولوجيا المغربية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، في حين ركز ديل إيكلمان على دراسة الإسلام الشعبي والتعليم الديني في المغرب.
ضمن هذا المشهد الفكري المتنوع، احتل هارت موقعًا متميزًا بوصفه المتخصص الأكبر في الريف المغربي، وهي منطقة غالبًا ما ظلت على هامش الدراسات الكبرى التي انصبت على المدن الإمبراطورية أو قبائل الأطلس.
لقد ملأ هارت فراغًا معرفيًا كبيرًا في الأدبيات الأنثروبولوجية الخاصة بالمغرب، من خلال توثيق دقيق وموسع للمجتمعات الريفية، وهو ما جعل حتى منتقديه يعترفون بقيمة مادته الإثنوغرافية الاستثنائية.
وبالاشتراك مع كارلتون كون وإرنست غلنر، يُنظر إلى هارت باعتباره أحد أهم الباحثين الأجانب الذين أسهموا في بناء المعرفة الأنثروبولوجية حول الريف المغربي خلال القرن العشرين.
ومن الجوانب اللافتة في نشاطه العلمي أيضًا شبكة المراسلات الواسعة التي أقامها مع عدد كبير من الباحثين. فقد تبادل آلاف الرسائل مع زملائه، وعلى رأسهم المؤرخ الأمريكي روس إي. دن، حتى تجاوز مجموع هذه المراسلات عشرة آلاف صفحة.
وقد أودعت هذه الوثائق لاحقًا في الأرشيف الوطني المغربي، لتتحول إلى مصدر تاريخي وأنثروبولوجي بالغ الأهمية. وقد وصف غلنر هذه الرسائل بأنها شكل فريد من أشكال الكتابة الإثنوغرافية، أطلق عليه "الرسالة الإثنوغرافية"، حيث كانت تمزج بين الملاحظات الميدانية اليومية والتأملات النظرية والنقاشات العلمية.
وتكشف هذه المراسلات عن تصور خاص للمعرفة الأنثروبولوجية؛ إذ لم يكن هارت ينظر إلى العلم بوصفه بناءً نظريًا مكتملًا، بل باعتباره حوارًا مستمرًا وتراكمًا متواصلاً للملاحظات والتفاصيل التي غالبًا ما تتجاوز قدرة النماذج النظرية على استيعابها.
ثالثاً: العمل الإثنوغرافي – توثيق المجتمع القبلي في الريف
3.1 كتاب «آيث ورياغر في الريف المغربي» (1976): دراسة موسوعية
يمثل كتاب «آيث ورياغر في الريف المغربي: دراسة إثنوغرافية وتاريخية» (The Aith Waryaghar of the Moroccan Rif: An Ethnography and History)، الصادر سنة 1976، أهم أعمال ديفيد هارت وأشهرها على الإطلاق.
ويقع الكتاب في 556 صفحة، وقد صدر ضمن سلسلة منشورات مؤسسة وينر-غرين للأنثروبولوجيا، ويعكس عنوانه المزدوج – الإثنوغرافيا والتاريخ – طبيعة المشروع الذي سعى هارت إلى إنجازه.
فهو لم يكتف بوصف المجتمع الريفي في لحظة زمنية محددة، بل حاول ربط معطياته الميدانية بالسياق التاريخي طويل المدى، مستعينًا بالمصادر الاستعمارية الإسبانية والفرنسية، والروايات الشفوية التي جمعها من أبناء المنطقة، إضافة إلى أعمال الباحثين السابقين.
ويعكس بناء الكتاب اهتمامات هارت الأساسية؛ إذ خصص فصولًا مطولة لدراسة:
- التنظيم القبلي والانقسامي.
- الأنساب والبنى القرابية.
- القانون العرفي الأمازيغي (إزرف).
- مؤسسات التحكيم وتسوية النزاعات.
- التحالفات القبلية.
- الأنشطة الزراعية والرعوية.
- الطقوس الاجتماعية ومراحل دورة الحياة.
- الدين ومظاهره المحلية.
- تاريخ المقاومة الريفية.
وقد منح هذا الشمول الكتاب قيمة مرجعية استثنائية، حتى بات بمثابة موسوعة متكاملة عن الريف الأوسط خلال القرن العشرين.
غير أن هذه الموسوعية نفسها كانت موضع بعض النقد؛ إذ رأى بعض الباحثين أن كثافة المادة الوصفية طغت أحيانًا على وضوح الحجة النظرية المركزية.
ورغم ذلك، حظي الكتاب باستقبال أكاديمي إيجابي واسع. فقد أشاد الباحثون بغزارة المعلومات التي جمعها هارت، ودقة وصفه للمجتمع الريفي، واعتبروا العمل أحد أهم الإنجازات الإثنوغرافية في شمال إفريقيا.
كما تُرجم الكتاب إلى العربية سنة 2007 على يد محمد ونيبة وعبد المجيد عزوزي وعبد الحميد الرايس، في خطوة عكست أهميته ليس فقط داخل الأوساط الأكاديمية، بل أيضًا بالنسبة للمجتمعات الريفية ذاتها التي وجدت فيه توثيقًا شاملاً لتاريخها ومؤسساتها الاجتماعية.
3.2 أعمال أخرى: آيت عطا والمجتمع القروي
لم يقتصر اهتمام هارت على الريف المغربي، بل امتد إلى مجتمعات أمازيغية أخرى داخل المغرب.
ففي عام 1981 نشر كتابه «دادا عطا وأحفاده الأربعون» (Dadda ‘Atta and His Forty Grandsons)، الذي تناول فيه البنية الاجتماعية والسياسية لقبائل آيت عطا في الأطلس الكبير والمجالات الصحراوية الجنوبية.
وقد سمح له هذا العمل بإجراء مقارنات بين آيت ورياغر وآيت عطا، مبرزًا أوجه التشابه والاختلاف في أنماط التنظيم القبلي والحركة الرعوية والبنية السياسية.
وتكتسب هذه المقارنات أهمية خاصة لأنها أتاحت له اختبار صلاحية النموذج الانقسامي خارج المجال الريفي، وتوسيع نطاق تطبيقاته النظرية.
كما نشر سنة 2000 كتاب «القبيلة والمجتمع في المغرب القروي» (Tribe and Society in Rural Morocco)، الذي جمع فيه مجموعة من مقالاته ودراساته الممتدة على عقود من البحث.
وتناولت هذه الدراسات موضوعات متعددة، من بينها:
- نظم القرابة.
- الثأر والعنف القبلي.
- الأسواق الدورية.
- أنماط القيادة المحلية.
- البنى الاجتماعية التقليدية.
أما مقالته الشهيرة المنشورة عام 1967 بعنوان:
«الأنظمة الانقسامية ودور الأخماس الخمسة في المغرب القبلي»
فقد شكلت الأساس النظري الذي بنى عليه لاحقًا تحليله للمجتمع الريفي.
كما شارك مع أكبار أحمد في تحرير كتاب «الإسلام في المجتمعات القبلية: من الأطلس إلى السند»، وهو عمل يعكس طموحه المقارن في دراسة المجتمعات القبلية الإسلامية خارج المغرب أيضًا.
رابعاً: المنهج الإثنوغرافي – المعايشة والملاحظة بالمشاركة
اعتمد هارت المنهج الكلاسيكي في الأنثروبولوجيا الميدانية، وهو المنهج الذي طوره مالينوفسكي وإيفانز بريتشارد، والقائم على الإقامة الطويلة داخل المجتمع المدروس، وإتقان اللغة المحلية، والملاحظة بالمشاركة، وجمع الروايات الشفوية والأنساب والتقاليد المحلية بصورة مباشرة.
وقد عاش هارت بين الأسر الريفية، وشارك أفرادها حياتهم اليومية، وحضر احتفالاتهم ومناسباتهم الاجتماعية، ورافق الرجال في تنقلاتهم وأعمالهم الزراعية والرعوية.
ومن أهم إنجازاته المنهجية جمع الأنساب القبلية بصورة دقيقة، وهو عمل بالغ الصعوبة بسبب تعدد الأسماء المحلية واختلاف طرق كتابتها وتعقيد العلاقات القبلية.
وتُعد هذه المادة الجينالوجية من أكثر أجزاء أعماله قيمة واستمرارًا حتى اليوم، إذ توفر للباحثين قاعدة بيانات تاريخية واجتماعية يصعب تعويضها.
خامساً: البنية الانقسامية القبلية – النموذج والتطبيق والجدل النظري
5.1 النموذج الانقسامي وأصوله النظرية
يُعد مفهوم البنية الانقسامية القبلية (Segmentary Lineage System) حجر الأساس في التحليل الأنثروبولوجي الذي تبناه ديفيد هارت لفهم المجتمع الريفي. وترجع جذور هذا النموذج إلى الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية في أربعينيات القرن العشرين، ولا سيما أعمال إدوارد إيفانز بريتشارد حول قبائل النوير في جنوب السودان.
في كتابه الشهير «النوير» (1940)، وصف إيفانز بريتشارد نمطًا من التنظيم السياسي يميز المجتمعات التي تفتقر إلى سلطة مركزية دائمة، حيث تنتظم الجماعات في وحدات نسبية متداخلة ومتدرجة. ووفق هذا النموذج، فإن الوحدات الاجتماعية التي تتنافس أو تتصارع على مستوى معين تتحد في مواجهة خصم مشترك على مستوى أعلى.
وغالبًا ما يُلخص هذا المبدأ بالمقولة الشهيرة:
"أنا ضد أخي، وأنا وأخي ضد ابن عمي، وأنا وأخي وابن عمي ضد الغريب."
ويقوم النظام الانقسامي على فكرة "المعارضة التكاملية"، حيث تتغير التحالفات والصراعات تبعًا لمستوى التهديد أو المنافسة.
وقد انتقل هذا النموذج إلى الدراسات المغاربية من خلال أعمال روبير مونتاني في ثلاثينيات القرن العشرين، لكنه بلغ ذروة حضوره النظري مع إرنست غلنر في كتابه «أولياء الأطلس» (1969)، الذي اعتبر المجتمع الأمازيغي في الأطلس نموذجًا مثاليًا للتنظيم الانقسامي، ورأى أن الأولياء والزوايا يؤدون دور الوسطاء بين الوحدات القبلية المختلفة.
أما هارت فقد بدأ تطبيق هذا النموذج على الريف المغربي منذ أوائل خمسينيات القرن العشرين، بصورة مستقلة نسبيًا عن غلنر، قبل أن تتقاطع أعمالهما لاحقًا.
وبالنسبة لهارت، كانت قبائل آيث ورياغر تمتلك بنية انقسامية واضحة تتدرج من:
- الأسرة النووية (أخام).
- الفخذ أو الفرع العائلي (أدروم).
- العشيرة أو السلالة الكبرى (إيغس).
- القبيلة (تقبيليت).
وترتبط هذه المستويات ببعضها ضمن شبكة من التحالفات والانقسامات التي تتغير تبعًا للظروف السياسية والاجتماعية.
وقد رأى هارت أن فهم هذه البنية يفسر كيفية إدارة الصراعات الداخلية، وتوزيع السلطة، وتنظيم العلاقات بين المجموعات القبلية في الريف.
5.2 نقد هنري مونسون: هل كانت الانقسامات القبلية مجرد وهم نظري؟
تعرض تطبيق هارت للنموذج الانقسامي لأشد انتقاداته على يد عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي هنري مونسون الابن، الذي نشر عام 1989 دراسة أصبحت من أكثر النصوص تأثيرًا في أنثروبولوجيا المغرب بعنوان:
«حول عدم ملاءمة نموذج النسب الانقسامي في الريف المغربي»
وقد انطلق مونسون من إعادة قراءة دقيقة لكتاب هارت ومصادره التاريخية، ليصل إلى استنتاج مفاده أن هارت أساء تفسير معطياته الإثنوغرافية.
فعلى المستوى الميداني، لاحظ مونسون أن معظم النزاعات التي شهدها الريف التقليدي لم تكن تدور بين وحدات نسبية متقابلة وفق المنطق الانقسامي، بل كانت غالبًا صراعات بين إخوة وأبناء عمومة حول ملكية الأراضي والمصالح الاقتصادية.
وبعبارة أخرى، فإن التنافس كان يجري بين أفراد وجماعات صغيرة داخل البنية القبلية نفسها، وليس بين وحدات نسبية متدرجة كما يفترض النموذج الانقسامي.
ورأى مونسون أن ما وصفه هارت بوصفه بنية نسبية منظمة لم يكن في الواقع سوى شبكة متحركة من التحالفات والانقسامات المؤقتة التي تتجاوز الحدود الجينالوجية التقليدية.
كما أكد أن التحالفات السياسية في الريف لم تكن تُبنى دائمًا على القرابة، بل كثيرًا ما تشكلت وفق اعتبارات:
- المصالح الاقتصادية.
