حدود التوافق الحزبي وإشكالية بناء المؤسسات في إقليم كردستان العراق
مقدمة
بعد أكثر من عام ونصف على انتخابات برلمان إقليم كوردستان التي جرت في أكتوبر 2024، ما يزال الإقليم يعيش حالة من الجمود السياسي نتيجة تعثر تشكيل الكابينة الحكومية العاشرة. وعلى الرغم من استمرار جولات التفاوض بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، فإن الخلافات السياسية ما تزال تحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن شكل الحكومة المقبلة وآليات توزيع السلطة داخلها.
وظاهرياً، تبدو الأزمة مرتبطة بالخلاف على المناصب والحقائب الوزارية أو بتباين التفسيرات المتعلقة بالاستحقاق الانتخابي. إلا أن القراءة الأعمق تكشف أن الأزمة تتجاوز نتائج الانتخابات ذاتها لتلامس إشكاليات بنيوية تتعلق بطبيعة النظام السياسي في إقليم كوردستان، وحدود نموذج التوافق الحزبي الذي حكم الإقليم منذ تسعينيات القرن الماضي، فضلاً عن التحديات المرتبطة بعملية الانتقال من شرعية الأحزاب التاريخية إلى شرعية المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، فإن تعثر تشكيل الحكومة لا يمثل أزمة سياسية عابرة، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الحكم في الإقليم وبقدرة القوى السياسية الكوردية على إعادة إنتاج صيغة مستقرة لإدارة السلطة في ظل التحولات الداخلية والإقليمية المتسارعة.
أولاً: تحولات المشهد الحزبي في إقليم كوردستان
لا يمكن فهم أزمة تشكيل الحكومة الحالية من خلال الخلافات التفاوضية الراهنة فقط، بل يجب وضعها في سياق التحولات التي شهدها النظام الحزبي الكوردستاني خلال العقدين الأخيرين.
فمنذ تأسيس الإدارة الكوردية الحديثة بعد عام 1991، هيمنت الثنائية الحزبية المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني على الحياة السياسية، وشكل الحزبان العمود الفقري للنظام السياسي والأمني والإداري في الإقليم. وقد أسهم هذا النموذج في توفير قدر من الاستقرار السياسي خلال مراحل حساسة من تاريخ الإقليم، خصوصاً بعد اتفاق واشنطن عام 1998 وإنهاء مرحلة الاقتتال الداخلي.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات مهمة في البنية السياسية والاجتماعية. فقد أدى صعود قوى سياسية جديدة، مثل حركة التغيير سابقاً وحراك الجيل الجديد لاحقاً، إلى تقليص الاحتكار السياسي التقليدي للحزبين الرئيسيين. كما أفرزت التحولات الديموغرافية وصعود جيل جديد من الناخبين أكثر ارتباطاً بقضايا الحوكمة والاقتصاد والخدمات مطالب سياسية مختلفة عن تلك التي هيمنت على المشهد السياسي في العقود السابقة.
وقد كشفت انتخابات 2024 عن استمرار الحزب الديمقراطي الكوردستاني بوصفه القوة السياسية الأكبر، لكنها أظهرت في الوقت ذاته أن البيئة السياسية أصبحت أكثر تعددية وتعقيداً، بما يجعل إدارة السلطة عبر الآليات التقليدية أكثر صعوبة من السابق.
ومن هنا فإن أزمة تشكيل الحكومة لا تعكس فقط خلافاً بين حزبين، بل تعبر عن مرحلة انتقالية يعيشها النظام السياسي الكوردستاني بين نموذج الثنائية الحزبية التقليدية ونموذج تعددي لم تتبلور قواعده المؤسسية بشكل كامل بعد.
ثانياً: نتائج الانتخابات وإشكالية ترجمة الشرعية الانتخابية
أفرزت انتخابات 2024 واقعاً سياسياً جديداً أعاد ترتيب موازين القوى داخل برلمان الإقليم دون أن يمنح أي طرف أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً.
فالحزب الديمقراطي الكوردستاني يرى أن نتائجه الانتخابية تمنحه حق قيادة الحكومة المقبلة استناداً إلى مبدأ الأغلبية النسبية، بينما يتمسك الاتحاد الوطني الكوردستاني بمبدأ الشراكة السياسية الذي حكم العلاقة بين الطرفين طوال العقود الماضية.
وتعكس هذه المعضلة التوتر القائم بين مفهومين مختلفين للشرعية السياسية؛ الأول يقوم على الاستحقاق الانتخابي، والثاني يستند إلى فلسفة التوافق القومي والحزبي التي شكلت أساس التجربة السياسية الكوردية منذ تأسيس الإقليم.
ولذلك فإن الخلاف الحالي لا يتعلق فقط بتوزيع المناصب، بل يرتبط بالسؤال الأعمق المتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي سيحكم الإقليم في المستقبل: هل سيستمر نموذج الشراكة التوافقية التقليدية، أم سيتجه النظام تدريجياً نحو منطق الأغلبية السياسية والمعارضة البرلمانية؟
ثالثاً: من أزمة تشكيل حكومة إلى أزمة نموذج حكم
تكشف الأزمة الحالية عن حدود النموذج التوافقي الذي اعتمدته القوى السياسية الكوردية لعقود طويلة.
فبعد انتهاء مرحلة الصراع المسلح بين الحزبين الرئيسيين، تأسس النظام السياسي في الإقليم على قاعدة تقاسم السلطة والتوافق أكثر من اعتماده على قواعد المنافسة الديمقراطية التقليدية. وقد نجح هذا النموذج في منع عودة الصراع الداخلي وضمان استقرار نسبي للإقليم، لكنه في المقابل خلق نظاماً يعتمد على التوازنات الحزبية أكثر من اعتماده على المؤسسات الدستورية.
ومع تطور المجتمع الكوردستاني وتزايد المطالب بالإصلاح والشفافية وتعاظم دور القوى السياسية الجديدة، بدأت تظهر حدود هذا النموذج وقدرته المحدودة على التكيف مع المتغيرات الجديدة.
فالمفارقة الأساسية تكمن في أن النظام التوافقي الذي وفر الاستقرار لعقود أصبح اليوم أحد أسباب تعثر إنتاج السلطة، إذ لم يعد قادراً على استيعاب التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها الإقليم.
رابعاً: إشكالية بناء الدولة والمؤسسات
تكشف الأزمة الحالية عن مفارقة أخرى في التجربة الكوردستانية تتمثل في أن الإقليم نجح في بناء مؤسسات حكومية وأمنية وإدارية متطورة نسبياً، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحرير هذه المؤسسات من تأثير التوازنات الحزبية.
فلا تزال العديد من المؤسسات الحيوية مرتبطة بدرجات متفاوتة بمراكز النفوذ الحزبية، الأمر الذي يجعل الخلافات السياسية تنعكس مباشرة على الأداء الحكومي والإداري.
كما أن غياب دستور نافذ للإقليم يفاقم من هذه الإشكالية. ففي الأنظمة البرلمانية المستقرة، تحدد النصوص الدستورية بصورة واضحة الجهة المخولة بتشكيل الحكومة وآليات التكليف والفترات الزمنية الخاصة بها، بينما ما تزال مساحات واسعة من العملية السياسية في كوردستان تعتمد على التفاهمات السياسية أكثر من اعتمادها على قواعد مؤسساتية مستقرة.
ومن منظور بناء الدولة، فإن استمرار هذا النمط من العلاقة بين الأحزاب والمؤسسات يحد من قدرة النظام السياسي على إنتاج استقرار طويل الأمد، ويجعل أي خلاف سياسي مرشحاً للتحول إلى أزمة حكم.
خامساً: أزمة الثقة بين الشريكين التاريخيين
تكشف المفاوضات الممتدة منذ أشهر طويلة أن جوهر الأزمة يتجاوز توزيع الحقائب الوزارية أو المناصب السيادية.
فالأزمة تعكس تراجعاً في مستوى الثقة السياسية بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وهما الحزبان اللذان شكلا لعقود الركيزة الأساسية للنظام السياسي في الإقليم.
ورغم نجاح الطرفين في تجاوز أزمات أكثر خطورة خلال العقود الماضية، فإن التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها العراق والإقليم خلال السنوات الأخيرة أوجدت بيئة جديدة لم تعد فيها الصيغ التقليدية للشراكة قادرة على إدارة الخلافات بنفس الكفاءة السابقة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في توزيع المناصب داخل الحكومة المقبلة، بل في إعادة بناء الثقة السياسية وصياغة قواعد جديدة للشراكة تتناسب مع التوازنات التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة.
سادساً: بغداد كفاعل غير مباشر في معادلة تشكيل الحكومة
لا يمكن فصل أزمة تشكيل الحكومة عن طبيعة العلاقة المعقدة بين أربيل وبغداد.
فملفات الموازنة العامة ورواتب موظفي الإقليم وإدارة قطاع النفط والغاز والصلاحيات الدستورية أصبحت جميعها عوامل مؤثرة في حسابات القوى السياسية الكوردية.
كما أن شكل الحكومة المقبلة سيؤثر بصورة مباشرة في قدرة الإقليم على التفاوض مع الحكومة الاتحادية بشأن الملفات العالقة، خصوصاً في ظل التغيرات المستمرة في المشهد السياسي العراقي.
ولهذا فإن الخلاف الحالي لا يتعلق فقط بإدارة الإقليم، بل يمتد إلى تحديد شكل العلاقة المستقبلية مع بغداد وموقع كوردستان داخل المعادلة العراقية الأوسع.
سابعاً: البعد الجيوسياسي للأزمة
تكتسب أزمة تشكيل الحكومة أهمية إضافية بسبب الموقع الجيوسياسي لإقليم كوردستان.
فالإقليم يقع عند تقاطع مصالح إقليمية ودولية تشمل تركيا وإيران والولايات المتحدة، كما يرتبط بملفات استراتيجية تتعلق بالطاقة والأمن الحدودي والاستثمار والتجارة.
وتتابع هذه الأطراف المشهد السياسي الكوردستاني عن كثب، نظراً لأن استقرار الإقليم يمثل عنصراً مهماً في استقرار شمال العراق بصورة عامة.
ومن ثم فإن استمرار الفراغ الحكومي لفترة طويلة قد يؤثر على جاذبية الإقليم الاستثمارية، ويضعف قدرته على إدارة علاقاته الخارجية، كما قد ينعكس سلباً على موقعه في المعادلات الإقليمية المتغيرة.
ثامناً: سيناريوهات المستقبل
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. سيناريو الحكومة التوافقية
يقوم على نجاح الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني في التوصل إلى صيغة جديدة لتقاسم السلطة تستند إلى مزيج من الاستحقاق الانتخابي والتوازن السياسي، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور.
2. سيناريو حكومة الأغلبية السياسية
يقوم على محاولة الحزب الديمقراطي تشكيل حكومة مع قوى أخرى دون الاتحاد الوطني، إلا أن هذا السيناريو يواجه تحديات سياسية ومؤسساتية كبيرة وقد يؤدي إلى زيادة الاستقطاب داخل الإقليم.
3. سيناريو استمرار الجمود
ويتمثل في استمرار الخلافات وتأجيل تشكيل الحكومة لفترة أطول، وهو السيناريو الأكثر كلفة على الاستقرار السياسي والاقتصادي، وقد يؤدي إلى تآكل الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية.
خاتمة
لا تبدو أزمة تشكيل الحكومة العاشرة في إقليم كوردستان مجرد خلاف سياسي مؤقت، بل تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام السياسي الكوردستاني على التكيف مع التحولات التي شهدها خلال العقدين الماضيين. فالأزمة الحالية تكشف حدود النموذج التوافقي التقليدي الذي وفر الاستقرار لفترة طويلة، لكنها تكشف في الوقت نفسه الحاجة إلى تطوير مؤسسات أكثر استقلالاً وقدرة على إدارة التنافس السياسي ضمن أطر دستورية مستقرة.
ومن ثم فإن مستقبل الاستقرار في الإقليم لن يتحدد فقط بنجاح تشكيل الحكومة المقبلة، بل بمدى قدرة القوى السياسية الكوردية على الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق بناء الدولة والمؤسسات. فكلما استمرت عملية إنتاج السلطة رهينة للتفاهمات الحزبية غير المؤسسية، ازدادت احتمالات تكرار الأزمات السياسية مستقبلاً. أما إذا نجحت القوى الكوردية في تطوير إطار مؤسساتي أكثر رسوخاً واستقراراً، فقد تمثل الأزمة الحالية نقطة تحول نحو مرحلة جديدة من النضج السياسي والمؤسساتي في إقليم كوردستان، بما يعزز استقراره الداخلي ودوره ضمن المعادلة العراقية والإقليمية الأوسع.
